صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 362 | الثلثاء 02 سبتمبر 2003م الموافق 18 جمادى الأولى 1445هـ

سورية بين المنعطفات المصيرية والتحولات التاريخية

التمايزات العربية والموقف الفلسطيني

الكاتب: محمد أبوالقاسم حاج محمد - comments@alwasatnews.com

كشأن كل عربي مسلم تابعت يوم (الأربعاء 22 جمادى الآخرة 4241 هـ / الموافق 02 أغسطس/ آب 3002) - وللتاريخ أهميته - بداية «التمايز» ولا أقول «الانشقاق» بين ظاهرتين فاعلتين في «الأرض المقدسة». الأولى «فتح» التي احتوت «منظمة التحرير الفلسطينية» بقيادة مناضل عريق لا شك عندي أبدا في إخلاصه لفلسطين وهو ياسر عرفات.

والثانية، من «مزدوجين حركيتين» بالأهداف ذاتها ولكن مع اختلاف الجذور والمنابت التنظيمية والفكرية، وهما «الجهاد» و«حماس».

هاتان الأخيرتان «إسلاميتان» ولكن إسلامية عرفات لا تقل عنهما مع الفارق بينهما في التعاطي مع الشأن الفلسطيني الذي امتد ليكون «عربيا» منذ العام 8491، وليكون «دوليا» منذ كامب ديفيد 8791، ثم مدريد 1991، ثم أوسلو 4991.

طوال سنوات، وعلى عدة مراحل، كان الشأن الفلسطيني يجرد عن خصوصيته بوصفه نضالا وطنيا ضد احتلال صهيوني، فأصبح شأنا عربيا ودوليا، فلما اقتضت الأوضاع تجسيد النزعة الفلسطينية فإنها سرعان ما اتخذت مسارين:

«الوطنية»: بقيادة «فتح» و«الإسلامية» بقيادة «حماس» و«الجهاد» كما انتهى «بفتح» لأن ترتبط بالشأن العربي والدولي وبالتالي «إخضاع» الشأن الفلسطيني لدى «الجدوى» العربية والدولية. وبما أن الجدوى العربية، قومية كانت أو إسلامية، «صودرت» دوليا بعد توقيع اتفاق «كامب ديفيد» بين مصر و«إسرائيل» تحت مظلة أميركية في 11 سبتمبر/ أيلول 8791، وتلك «نذر» تمت «بواطنها» بزيارة الراحل السادات للقدس بتاريخ 91 نوفمبر/ تشرين الثاني 7791.

وقتها أحس المناضل العريق ياسر عرفات بضرورة التوجه «دوليا» عبر القاهرة، ولكنه كان يحاول الاحتفاظ بالأوراق الفلسطينية في «جيبه». وهذا ما كان يغضب السادات منه كثيرا.

فالسادات كان يحاول إقناع أميركا بتبني «دور متوازن» بين القاهرة وتل أبيب، وكان يريد من كل ما فعله أن يجعل الدور المصري «موازيا» للدور الإسرائيلي من وجهة النظر الأميركية، وليس «من دون» الدور الإسرائيلي في المنطقة، وكان كثيرا ما يتحدث عن «أصالة» مصر وأهراماتها.

حسابات الراحل السادات - مع إخلاصه لمصر - لم تكن «استراتيجية»، وكذلك لم تكن «تاريخية»، ولم تكن «حضارية». فالحضارة الأوروبية الغربية، «ووريثتها» أميركا، اختارت منذ مطلع القرن التاسع عشر إجهاض دور الخلافة التركية باعتبارها رابطا دينيا مركزيا للمنطقة، وإجهاض دور مصر باعتبارها «بديلا» عن تركيا.

لا أريد الدخول في مساق «أكاديمي» فالخلفية «الماورائية» في علاقاتها مع الحضارة العربية ترجع إلى مراحل ثلاث:

أولاها: حروب «الفرنجة» والمسماة خطأ بـ «الصليبية» التي استمرت من 6901 إلى 0721م وكانت مجازر حقيقية.

وثانيتها: صراعات في الأندلس انتهت بسقوط غرناطة العام 2941.

وثالثتها: حين التوسع الاستعماري الأوروبي منذ العام 9381 إلى أن شمل الوطن العربي كله وهذا ما حدث حين أجبرت القوات المصرية على الانسحاب من الجزيرة العربية بعد ان كانت وصلت إلى (نجد) واحتلت (الدرعية) في العام 8181 منهية بذلك مرحلة الدولة السعودية الأولى التي نشأت في العام 5471 كما أُجبرت على الانسحاب من المشرق العربي بعد انتصارات إبراهيم باشا على الأتراك العام 9381. ثم أجبرت على الانسحاب من السودان وإخلائه بموجب قرار المفوض السامي البريطاني على مصر اللورد كرومر في العام 4881 الذي أدى إلى استقالة وزارة شريف باشا في ظل الاحتلال البريطاني لمصر نفسها بعد فشل ثورة احمد عرابي في العام 2881.

هكذا تم (مسبقا) إجهاض البديل المركزي العربي المسلم المصري لتوحيد جيوبوليتيك المنطقة العربية قبل القفز لإنهاء المركزية التركية الضابطة لهذه الجغرافيا - السياسية. وهكذا نجد أنه منذ العام 0481 عمدت أوروبا إلى وراثة الوطن العربي وتجزئته، وقبل «سايكس - بيكو» وتداعيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إذ احتلت بريطانيا مدن وسواحل جنوب الجزيرة العربية بين 9381 و0481، ثم احتلت فرنسا تونس في العام 1881 واحتلت بريطانيا مصر في العام 2881 ثم احتلت بريطانيا السودان بشراكة (وهمية) فرضت على مصر في العام 8981 لإبعاد الدول الأوروبية الأخرى، ثم احتل الإيطاليون ليبيا والفرنسيون المغرب في العام 2191.

ثم ما بين هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى التي دخلتها إلى جانب ألمانيا بموجب الاتفاق الموقع بينهما في 2 أغسطس 4191 ، وما بين الانقلاب على الخلافة العثمانية وإلغائها في الثالث من مارس/آذار 4291 تمت تجزئة ما تبقى من الوطن العربي في مشرقه بموجب «مذكرة تفاهم سايكس بيكو» الموقعة في الخامس من يناير/ كانون الثاني 6191، ثم بداية زرع «إسرائيل» حائلا جيوبوليتيكيا بموجب «وعد بلفور» الصادر عن بريطانيا في الثاني من نوفمبر 7191، الذي وافقت عليه في حينها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا.

الهزيمة وفوارق «العزل»

فـي المـواقف العربية، لا أود السرد الوقائعي ما بين 8491 و7691 فـ «الهزيمة» تمت على رغم تسميتها «نكسة». ثم كان علينا أن نكتشف حين عقدت منظمة التحرير الفلسطينية مؤتمرها في الأردن قبيل «حوادث أيلول» أننا أمام ثلاثة مواقف عربية وليس موقفا واحدا.

سألني أو ساءلني وقتها - من يستحق الشهادة ونالها - أخي خليل الوزير (أبوجهاد) «الرأي يا أبا القاسم»، فقلت له نحن أمام ثلاثة مواقف:

الفصل الجيوبوليتيكي بين مصر وفلسطين

أولا: وزير الخارجية الأميركي وليم روجز يضغط على الرئيس عبدالناصر ويغريه بكل الممكنات للتخلي عن فلسطين، وعبدالناصر لا يقبل بذلك.

الهدف هو الفصل «الجيوبوليتيكي». فما بين مصر وفلسطين عازل من البحر (البحر الأحمر) والصحراء (سيناء). ويذكره روجز بمسألة اختياره «للحياد الإيجابي» مع تيتو فيقول عبدالناصر - رحمه الله - «حيادي مدفون في رمال سيناء».

هذا الفصل الجيوبوليتيكي لم يتحقق إلاّ حين وقع السادات «اتفاق كامب ديفيد» فعزلت مصر عن المنطقة العربية (مشرقا) فتم غزو لبنان في العام 2891 وحوصرت سورية في أيام الرئيس حافظ الأسد - رحمه الله.

مصر من الفصل الجيوبوليتيكي إلــى الفصـل الاستراتيجـي

بالخلفيات التاريخية والاستراتيجية عن دور مصر، ثم «تحجيمها» في عهد السادات إلى الدور «الاستراتيجي» فقط، وتلك كانت «محنة السادات» الذي أراد دورا أكبر في مواجهة «إسرائيل».

السادات والأسد ودور سورية

لم يكن الأسد راغبا في أن يمضي السادات إلى أبعد من دور مصر «الجيوبوليتيكي» وتحوله إلى دور «استراتيجي» محدود، وبعد زيارتين قام بهما السادات لدمشق سأله الأسد: وأين هي فلسطين؟

طلب منه السادات في زيارته الأخيرة الموافقة على زيارته للقدس، فرفض الأسد. بل ان بعض الضباط رفضوا ذلك رفضا باتا.

فالصراع السوري مع «إسرائيل» ليس كصراع مصر معها، فهو صراع «مصيري» وليس جيوبوليتيكيا ولا استراتيجيا، فالشام (الكبير) لا يحكمه «رأسان». فهناك تداخل تاريخي وثقافي وديمغرافي. إما «إسرائيل» وإما سورية. بل لا يمكن للرئيس السوري و«الاسرائيلي» ان يحققا التعايش المتكافئ بينهما إلا بكسر ذراع الآخر. لهذا قرر الرئيس الراحل استضافة التنظيمات الفلسطينية المعارضة للتسوية.

واشكالية الفهم ان البعض فهم ذلك «نكابة» في أبي عمار نتيجة ما صار بينه وبين سورية في لبنان، غير أن الأمر كان مختلفا، فحين استدعى الأسد فتحي الشقاقي - رحمه الله - الذي اغتيل في مالطا (عن الجهاد الفلسطيني)، واستدعى الشيخ عبدالعزيز عودة (عن الجهاد أيضا) وكذلك بعض الاخوة في (حماس)، كان الأسد يجسد «دور سورية» الذي يتطلب من «إسرائيل» تسوية على غير النهج المصري، أو ما أسميه «التسوية المستحيلة» فالموقف السوري ليس نكاية في عرفات أو نكاية في السادات بقدر ما هو موقف نابع من «الخصوصية السورية» في الصراع مع «إسرائيل» «صراع الوجود وليس صراع الحدود».

الموقف الراهن

من الواضح ان سورية فقدت «الحليف» المصري اقليميا، كما فقدت «الرفيق» السوفياتي دوليا، ولم يمكنوها عبر ما «افتعل» من تناقضات في «البعث» من أية وحدة اقليمية أو قومية فاعلة مع العراق.

ثم تقدموا نحو سورية بشروطهم أميركيا كما أوروبيا و«إسرائيل» دائما من خلف الشروط بهدف «تدجين» الموقف السوري تجاه لبنان و«إسرائيل».

هنا تبدأ عملية «كسر الذراع»، غير ان المشكلة مصيرية، اذ لا يمكن كسر ذراع سورية إلا «بإنهاء كينونة» سورية نفسها وسورية تدرك ذلك.

وأخطر ما تدركه سورية انها مهما فعلت لا يمكن ان تتحول من الموقف «المصيري» الى الموقف «الاستراتيجي» المقيد الى «التسوية» كما فعلت مصر ثم حوصرت. فالتحول باتجاه الموقف الاستراتيجي في سورية ثمنه أكبر من تحول مصر الى الموقف نفسه. فمصر في تحولها من الجيوبوليتيك الى الاستراتيجية انما تفقد «امتدادها الحيوي» في المنطقة من دون ان تفقد وجودها، أما التحول السوري باتجاه استراتيجي فهو فقدان للوجود نفسه.

ثم انه ليس في مقدور سورية التعويض عن «الحليف» المصري و«الرفيق» السوفياتي بمتاحات موازية على رغم ما يبديه السوريون من نشاطات أوروبية ومحاولات للتقارب من منظومة دول الخليج العربية والايرانية على حد سواء.

في المنعطفات المصيرية غالبا ما تحدث تحولات تاريخية مميزة، فهناك «ثنائية عربية» تدفع اوضاعها إلى تشكيل «وحدتها» في مواجهة المشروع الأميركي - الصهيوني في المنطقة.

«الموقف المصيري» السوري نفسه الذي لا يقبل بكسر ذراعه ولو حكم «الانفصاليون» سورية.

«الموقف الشعبي» الذي بلور مقاومة منظمة واستشهادية من جنوب لبنان الى ارجاء فلسطين وما نراه في العراق راهنا.

فهل ستشكل الوحدة بين الموقف السوري والمقاومة الشعبية مستقبل «التدافع» في المنطقة؟ علنا سنرى. أم سنردد القول، ولكن من وجهة نظر اخرى، بما ردده «سعيد عقل» تجاه دمشق: «حملت دنيا على كتفيك فالتفتت اليك دنيا وأضحى دونك القدر».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/330704.html