صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 362 | الثلثاء 02 سبتمبر 2003م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

قراءة في قانون النقابات العمالية

الاتحاد العام وشرعية النقابات في القطاع الحكومي

الكاتب: خالد علي أحمد - comments@alwasatnews.com

منذ أن أصدر ديوان الخدمة المدنية تعميمه (1) لسنة 3002 بشأن أحقية الانضمام إلى النقابات العمالية والجدل محتدم بشأن شرعية النقابات العمالية في القطاع الحكومي بين الاتحاد العام لعمال البحرين وديوان الخدمة المدنية إذ ان وزارات الدولة متمسكة بتعميم ديوان الخدمة المدنية القاضي بعدم جواز تكوين نقابات عمالية حكومية كما أن الديوان هو أيضا متمسك بدوره بنص المادة (01) من المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2002 بإصدار قانون النقابات العمالية ويصر على سلامة موقفه بينما الاتحاد العام لعمال البحرين والعمال والموظفون في الوزارات متمسكون برأيهم في أن قانون النقابات قد شملهم في مادته الأولى ولم يستثنهم وان تعميم ديوان الخدمية المدنية غير شرعي وباطل، وقد تم طرح الموضوع على جلالة الملك في أكثر من لقاء إذ أكد جلالته على أحقية العمال جميعا في تكوين نقابات لهم.

وفي هذا الصدد فإن لنا رأيا قانونيا في الموضوع بغض النظر عمن المستفيد من هذا الرأي أو في صالح من سيكون وإنما هو رأي أنشد الصواب من خلاله. ولمعالجة هذا الموضوع سنتطرق إلى كل أبعاده وحيثياته حتى تكتمل الصورة.

تعميم ديوان الخدمة المدنية

صدر عن رئيس ديوان الخدمة المدنية تعميم رقم (1) لسنة 3002 ويهدف هذا التعميم إلى بيان الأحكام والإجراءات التنظيمية الخاصة بأحقية العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية في الانضمام إلى النقابات العمالية وذلك طبقا لنص المادة (01) من المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2002 بشأن قانون النقابات العمالية وقد نص التعميم في ضوء ما أصدره مجلس الوزراء من توجيه إلى ديوان الخدمة المدنية بضرورة التزام المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية بما جاء بقانون النقابات المشار إليه.

ويرى ديوان الخدمة المدنية بأنه تماشيا مع توجيه مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 9 فبراير/ شباط 3002 والرأي القانوني الذي أبدته دائرة الشئون القانونية بعد التنسيق مع وزارة العمل والشئون الاجتماعية أنه استنادا إلى نص المادة (01) من المرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2002 بإصدار قانون النقابات العمالية فلا يجوز قانونيا للعاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية تأسيس نقابات عمالية داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يتبعون لها إذ ان ذلك يعتبر مخالفا للقانون وإنما يقتصر حقهم على مجرد الانضمام إلى النقابات التي تؤسس من قبل العاملين المخاطبين بأحكام قانون العمل في القطاع الأهلي أو العاملين المخاطبين بأحكام القانون البحري.

وينص تعميم الديوان على أنه استنادا إلى ذلك الرأي فإن جميع التنظيمات النقابية من جمعيات عمومية ومجالس إدارة واللجان العاملة التي تم تأسيسها أو مازالت قيد التأسيس داخل الجهات الحكومية من قبل العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية استنادا إلى ذلك القانون يكون تأسيسها أو الشروع فيه قد تم بالمخالفة لأحكام القانون وهي بذلك تنظيمات غير مشروعة لذلك تعتبر كأن لم تكن. وعلى كل العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية إن رغبوا في ممارسة العمل النقابي وفقا للقانون أن يبادروا بالانضمام إلى النقابات العمالية التي تؤسسها أي من الفئتين المذكورتين أعلاه ويكون ذلك بانضمامهم وفقا للقانون إلى النقابات التي تضم في عضويتها العاملين بالمهن أو الحرف التي تماثل أو ترتبط بالحرف أو المهن التي مارسها الراغبون في الانضمام إلى النقابات العمالية من العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية (المصدر: العدد 22 من نشرة ديوان الخدمة المدنية - ابريل/ نيسان 3002).

النصوص الحاكمة للموضوع

تنص المادة (2) من قانون النقابات العمالية على أنه (تسري أحكام هذا القانون على:

أ- العاملين المخاطبين بأحكام قانون العمل في القطاع الأهلي.

ب- العاملين المخاطبين بأحكام القانون البحري.

ج- العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية).

جاءت هذه المادة بحكم مطلق من دون تقييد إذ أجازت للعاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية حرية تكوين نقابات لهم ترعى شئونهم وتسهر على مصالحهم وهذا المعنى ينسجم وما ينص عليه دستور 2002 في مادته رقم (72) والتي تنص على أن (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون...). فالدستور في مادته (72) والقانون في مادته الثانية قد أجازا تكوين النقابات والانضمام إليها بشرط عدم المساس بأسس الدين والنظام العام.

إلا أن المادة (01) من قانون النقابات العمالية قد حرمت على العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية حق تكوين النقابات ابتداء وأجازت لهم الانضمام إلى النقابات القائمة فقط، الأمر الذي سبب الكثير من سوء الفهم والاحتجاج والطلب من ديوان الخدمة المدنية سحب تعميمه على أساس أنه مخالف للقانون لدى طوائف العمال، كما اضطر العمال - ومن خلال الاتحاد العام لعمال البحرين - إلى اللجوء إلى جلالة الملك لشرح وجهة نظرهم حول الموضوع إذ ان جلالة الملك قد تفهم وجهة نظر العمال وأكد أحقية العمال في تكوين نقابات في القطاعين الأهلي والرسمي، بين أن ديوان الخدمة المدنية أصر على سلامة موقفه من التعميم.

رد ديوان الخدمة المدنية

على رغم التوجيهات الملكية السامية التي تفضل بها حضرة صاحب الجلالة الملك حول قانون النقابات العمالية وتدعو إلى عدم التفرقة بين عامل في القطاع الخاص وآخر في القطاع الحكومي فإن ديوان الخدمة المدنية وعلى لسان مصدر مسئول وفي اليوم التالي على لقاء جلالة الملك بذوي الشأن من العمال أعلن أن العمل جار لإنجاز الإجراءات القانونية والمتطلبات التنظيمية والإدارية بشأن تحقيق ما جاء في كلمة صاحب الجلالة بهذا الخصوص وقال المصدر في تصريحه لوكالة أنباء البحرين «ولما كان مجلس النواب قد وافق بموجب قراره رقم (82) في جلسة رقم (02) المنعقدة في يوم الثلثاء الموافق 02 مايو/ أيار 3002م على الاقتراح بقانون بتعديل نص المادة (01) من قانون النقابات العمالية وأحال هذا الاقتراح إلى الحكومة لوضعه في صيغة مشروع قانون يعرض بعد ذلك على مجلس النواب ويحال إلى مجلس الشورى تمهيدا للموافقة عليه وإصداره، فإن هذا يعني أن العمل جار لاستكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية التي أشار إليها جلالة الملك في كلمته السامية وان أي إجراء يتخذ بشأن التنظيم النقابي لموظفي الخدمة المدنية لا يكون قانونيا إلا بعد استكمال الإجراءات القانونية والتنظيمية المذكورة». على رغم أن هذا التصريح الذي أدلى به ديوان الخدمة المدنية هو صحيح من وجهة نظرنا المتواضعة فإن الاتحاد العام لعمال البحرين والعمال الذين ينتمون إلى القطاع العام استنكروا هذا التصريح واعتبروه مراوغة تضر بالمصلحة العمالية وبمصلحة البلاد العليا وسمعتها في الخارج.

تهديد اتحاد العمال فساده ظاهر

مستشار الاتحاد العام لعمال البحرين قال في تصريح له في صحيفة «الوسط» العدد 813 بتاريخ 12/7/3002 بأن قانون النقابات لا ينقصه شيء والمادة رقم (01) تعطي الحق للعمال في القطاعين الخاص والعام لتأسيس النقابات ومن ثم هدد بأن اتحاد العمال سيلجا إلى منظمة العمل الدولية لأنها الجهة الحاسمة في ذلك - بحسب قوله.

أولا: كون أن قانون النقابات العمالية لا ينقصه شيء وأن المادة (01) من القانون تعطي الحق للعمال في القطاعين الخاص والعام لتأسيس نقابات فهذا قول فساده ظاهر واهدار للقواعد التفسيرية لأن المادة (01) قد قيدت ما كان مطلقا في المادة (2) من قانون النقابات العمالية واجازت للعاملين في القطاع الحكومي حق الانضمام إلى النقابات وليس حق تكوين نقابات وهذا واضح لكل من يفقه القانون.

ثانيا: أما تهديد الاتحاد العام لعمال البحرين بنقل هذا الموضوع إلى منظمة العمل الدولية فهذا نوع من الابتزاز ما دام الموضوع مطروح على مجلس النواب وهو قيد البحث واعادة النظر ثم ماذا ستعمل منظمة العمل الدولية غير اتخاذ الاجراءات التي من شأنها فرض ضغوط على الدولة لحملها على تطبيق معايير العمل الدولية وهذا لا يمكن حصوله إلا بارادة الدولة لان الدول لها سيادة ولا يمكن حملها بسهولة على ذلك وهناك الكثير من الدول التي ليس بها نقابات اصلا ولم تستطع منظمة العمل الدولية حمل هذه الدول على الزامها ما لا تريده وهذه دولة الكويت لم يحصل العامل في القطاع الحكومي على حق تكوين نقابات إلا بعد ردح من الزمن على رغم أن قانون النقابات في الكويت قانون قديم ولم تستطع منظمة العمل الدولية على رغم مرور هذا الوقت عمل أي شيء.

ثالثا: كان على الاتحاد العام لعمال البحرين بدلا من تهديداته برفع شكوى إلى منظمة العمل الدولية أن يوجه الشكر الجزيل الى جلالة الملك الذي أعطى حقوقا كثيرة للعمال على كل المستويات وهذه الجزئية البسيطة ليست عصية على الحل وستحل هذه الجزئية ولكن لابد من اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بشأن ذلك والصبر قليلا وعدم تهويل الأمور التي هي في طريقها للحل ونقلها خارج الدولة.

فتعاطي الاتحاد العام لهذه المسألة يجب ألا يطغى عليه التهديد والوعيد وانما يجب على الاتحاد ان يتناول الموضوع بالهدوء والتأني والدراسة القانونية السليمة واتباع الاجراءات القانونية والادارية اللازمة لذلك، قد يكون المشرع قد بخس حق العمال في القطاع الحكومي في تكوين النقابات ونحن مع هذا الطرح ولكن ذلك لا يدعو إلى التهديد والطعن في احكام القانون من خلال التفسير غير الدقيق لمواد القانون.

ولا شك في أننا نثمن الجهود التي يبذلها الاتحاد العام العمال البحرين في كل ما له صلة بالعمال من قبل ومن بعد.

قراءة في الموضوع

بعض النظر عن اختلافنا أو اتفاقنا مع أو ضد جهة ما إلا أننا ننظر الى الموضوع من الناحية القانونية البحتة والمستقلة ولا ننساق وراء العواطف أو غيرها من المشاعر التي لا تخدم الموضوع وعلى هذا فرأينا في الموضوع كالأتي.

إن غالبية الذين عارضوا واعترضوا على تعميم ديوان الخدمة المدنية يتبين لي بأنهم لا يفقهون في القانون وهذه مشكلة بحد ذاتها ظهرت بعد الميثاق إذ نجد أن الكل يتعاطى القانون ويقوم بتفسيره بحسب اجتهاده وميوله حتي ظننت أن الخبازين باتوا يفتون في القانون وأنا لا أدري كيف يتجرأ من لم يدرس القانون على ان يدلي بدلوه إذ ان القانون يحتاج إلى أناس متخصصين لا كل من هب ودب لأنه حتى المتخصصين نرى أن وجهات نظرهم قد تختلف في تفسير النص الواحد أو فحواه ولكن كل ذلك يكون على علم وتخصص.

إن النص إذا كان سليما لا لبس فيه ولا غموض يمكن التوصل إلى المعنى المستفاد منه من خلال الفاظه وعباراته ودلالاته وروحه فإذا كان النص واضح الدلالة فلا موجب هنا للتأويل وكل نص واضح الدلالة يجب العمل بما هو واضح الدلالة عليه ولا يصح تأويله إلا بدليل.

إن تخصيص النص العام وتقييد المطلق من القواعد العامة في مجال النصوص التي تحتمل التأويل فأحيانا يرد النص عاما ينطبق على كل الحالات التي جاء من أجلها ولكن قد يأتي نص آخر فيخصص هذا العام سواء أتى هذا النص في القانون نفسه أو في المادة نفسها من القانون أو في قانون آخر.

هذا جانب ومن جانب آخر قد يأتي النص مطلقا فيعمل به على اطلاقه إلا إذا قام الدليل على تقييده: مثال على ذلك قوله تعالى (واقيموا الصلاة) فكلمة (الصلاة) هنا مطلقة ولكن تم تقييدها بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام إذ بينت تلك الاحاديث أن الصلاة خمس مرات في اليوم وبينت عدد ركعاتها وعلى هذا فمتى ما قام الدليل على تقييد المطلق فإننا نعمل بهذا التقييد وننصرف عن النص المطلق.

فإذا ما عرضنا قانون النقابات العمالية على تلك المعايير التي ذكرناها سالفا يتضح لنا جليا أن نص المادة (2) من قانون النقابات جاءت مطلقة إذ شملت كل العاملين المخاطبين بقانون العمل والقانون البحريني وانظمة الخدمة المدنية فكل هؤلاء العاملين لهم الحق في تكوين نقابات عمالية سواء اكانوا عاملين في القطاع الخاص أو عاملين في القطاع العام أما غير المخاطبين بتلك القوانين فلم يشملهم القانون ولكن لهم الحق بموجب الانظمة التي تحكم عملهم إذا ما كانت بها مواد تسمح لهم بتكوين نقابات عمالية، وبالرجوع إلى المادة رقم (01) من قانون النقابات العمالية والتي قضت بأن العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية لهم حق الانضمام الى النقابات وليس لهم حق تكوين نقابات يتضح جليا بأن حكم المادة رقم (2) من قانون النقابات العمالية قد جاء مطلقا ثم جاء حكم المادة رقم (01) من القانون نفسه وقيد المطلق وعلى هذا فان القول بأن المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية لهم حق تكوين نقابات ابتداء قول ليس له سند من القانون وتعصف به الأدلة الواردة في حكم المادة رقم (01) من القانون وعلى ذلك فان تعميم ديوان الخدمة المدنية تعميم صحيح له سند من القانون والقول بغير ذلك يتضح فساده أمام تلك الأدلة ويتهادم.

الرغبة الملكية في التغيير

حينما بارك جلالة الملك تشكيل النقابات الخاصة بموظفي الدولة نحن نعلم بأن جلالته يملك زمام حل المشكلة كونه رأس الدولة ولكن لا يعني هذا ان يتم الحل خارج الإطار الدستوري وخارج القانون، بل يجب ان تعالج الأمور من خلال المجلس التشريعي فكل تغيير أو تعديل في قانون خارج قبة البرلمان فهو عمل غير دستوري وباطل. وليس من المنطق ونحن في بلد تحكمه المؤسسات الدستورية أن نيمم وجوهنا إلى جلالة الملك كلما عن لنا طارئ أو مشكلة قانونية وفي كل كبيرة وصغيرة بل يجب حل هذه الاشكالات من خلال المؤسسات الدستورية التي انشئت لهذا الغرض وطالما نحن قد وافقنا على هذه المؤسسات الدستورية فيجب ان نكون ديمقراطيين ولا نخرج على الأطر الدستورية والقانونية.

يتبين لنا مما تقدم بأن قانون النقابات العمالية الصادر بالمرسوم بقانون رقم (33) لسنة 2002 قد جاء مطلقا في مادته الثانية ولكن في مادته رقم (01) المتعلقة بتأسيس النقابات قد قيد العاملين المخاطبين بأنظمة الخدمة المدنية وأجاز لهم فقط الانضمام إلى النقابات القائمة وليس لهم حق تكوين نقابات ابتداء، كما نرى ايضا أن تعميم ديوان الخدمة المدنية لم يخالف القانون بل طبق حكم المادة (01) من القانون، كما ان الاصوات التي تدعو ديوان الخدمة المدنية الى سحب تعميمه مطالبات فاسدة يلفها الجهل بالقانون لأنه لا يمكن للديوان سحب تعميمه وانما يجب أولا العمل على تعديل المادة (01) من قانون النقابات وبالتالي يضحى تعميم الخدمة المدنية في حكم الملغي تلقائيا ونخلص كذلك الى ان تهديدات الاتحاد العام لعمال البحرين تهديدات يراد منها الابتزاز والضغط على السلطة التنفيذية على رغم ان الموضوع الآن ليس بيد السلطة التنفيذية وانما هو بيد السلطة التشريعية.

وأخيرا نعتقد بأنه مادامت لدينا مؤسسات دستورية يجب اللجوء إليها ولا ينبغي ان نتجاوزها إلى جلالة الملك ونشغل وقت جلالته بأمور هي في طريقها إلى الحل من خلال القنوات الدستورية.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/330706.html