صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 363 | الأربعاء 03 سبتمبر 2003م الموافق 17 شعبان 1445هـ

أمنيات في زمن الجدب العربي

الكاتب: عبدالله العباسي - comments@alwasatnews.com

ما لاشك فيه أننا نمر بزمن جدب عربي لم يحدث من قبل، قد أصاب كل المسارات وصار الإنسان العربي عاجزا عن التفكير، كل شيء يتحول ضده، كل الظروف تتصاعد صعوبة في وجهه حتى كاد يصل آخر درجات اليأس والإحباط، ما صار ينذر بميلاد عهد جديد وإنسان عربي جديد قادر على المواجهة، يضع نهاية للضعف العربي، وقد أصاب الشاعر كبد الحقيقة حين قال:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

فُرِجَت... وكنت أظنها لا تفرج

إن الأمة العربية تمر بأسوأ حالاتها وأحلك أيام تاريخها، ما ينذر بخطر الانفجار؛ فالأنظمة أوصلته إلى هذا المستوى من اليأس والفقر والتخلف الفكري والعلمي الذي فرضته عليه من خلال إهمال المبدعين فهربوا متوجهين إلى أوروبا واستراليا والولايات المتحدة لأن الأرض ضاقت بهم والأنظمة لم يتسع صدرها لهم حتى صار المواطن لا يعرف كيف يتحدث وتركت لأجهزة القمع كل الحرية فيما تريد أن تفعل بهذه الشعوب حتى فقدت كل احترام لها أمام بلدان العالم، وصارت تفرض عليها ما تريد وتملي عليها شروطها.

فرضت هذه الأنظمة الفقر والسكوت على شعوبها من خلال الأجهزة ليتسنى للقيادات أن تهدر أموال الشعب كيف تشاء ومتى تشاء، فخسرت الشعوب الحرية والقوت حتى بلغت مرحلة لا يمكن لها أن تصبر.

ومن الواضح أن الشعب العربي شعب حليم إلى درجة مَرَضيَّة، بايع معظم هذه الأنظمة على أمل أن تصحح مساراتها.

تحملت الشعوب العربية كل «البلاوي»، وكل مهانات العالم في انتظار الفرج وصحوة ضمير، وعلى رغم كل المآزق والمشكلات التي مرت بها هذه الأنظمة ولم تتخل شعوبها عنها فإنها لم تتعظ، بل وتناست كل «جمايل» شعوبها وسكوتها وتحملها مراحل الشقاء والبؤس وعذابات الدنيا.

أغرقت هذه الأنظمة شعوبها على رغم ثرواتها وإمكاناتها الاقتصادية في ديون بعشرات المليارات مثلما فعل النظام العراقي بسبب تصرفه المجنون بعد أن كان في رصيده أكثر من 001 مليار دولار قبل الحرب العراقية الإيرانية، فلم تنته هذه الحرب وحرب «الإخوة الأعداء» في أعقاب عدوانه على الكويت حتى أصبح العراق غارقا إلى عنقه في ديون فاقت مئات المليارات.

ولا يود الإنسان أن يفتح كل ملفات الأنظمة لأنها مكشوفة أكثر من حسابات فقراء هذه الأمة.

كان آخر هذه الملفات وأكثرها سخونة الملف الليبي الذي يتحمل اليوم شعبه كل أخطاء النظام. فبعد 51 عاما من الحصار والعزلة ها هو اليوم يدفع صاغرا ويحمل شعبا بريئا إثما لم يرتكبه بدفع 2 مليار و 007 مليون دولار تعويضا عن ضحايا طائرة «لوكربي» عدا فتحه الباب أمام كل من له ثأر قديم كي يعود ليطالب بثأره مثل فرنسا وألمانيا بعد أن أصبح التعويض الأميركي مغريا إذ كل ضحية تنال حسبما يقال عشرين مليون دولار أو أكثر مقابل 002 دولار للمسلمين الأفغان الذين صارت طائرتهم ضحية الصاروخ الأميركي.

ها هو الشعب الفلسطيني يعيش مأساة إنهاء وجوده تحت هيمنة جلادين يحكمون «إسرائيل» مثل شارون وموفاز بدعم أميركي بعد أن أوصلت هذه القيادات شعوبها الى مستوى من التدني والسقوط في وحل التخلف ومبايعة الولايات المتحدة وبريطانيا وحتى «إسرائيل» في خفاء حتى اكتشفت أن هذه الأنظمة أقل مستوى من أن يحسب لها حساب. ولهذا انفردت الولايات المتحدة و«إسرائيل» متعاونتين للقضاء على شعب كل ذنبه أنه يدافع عن جزء من أراضيه المحتلة ليعيش عليها بأمان، ذلك لأنهما لا تحسبان للقيادات العربية أي حساب ولا تشعر بوزنها.

أما القيادة الفلسطينية فلا تحتاج إلى فتح مزيد من جروحها و«الذي فيها يكفيها» ولا داعي ليذكرها أحد بأخطائها التاريخية سواء في ما بلغه الفلسطينيون في لبنان من التجاوزات والطغيان حتى صار اللبناني غريبا في وطنه في مرحلة ما، فحدث ما حدث بعد ذلك وتغيرت الأوضاع كلها بالنسبة اليه وصار الفلسطيني أسير المخيمات، وزاد الطين بلة ما فعلته القيادة الفلسطينية بعد ذلك بالوقوف إلى جانب صدام في عدوانه على الكويت فجاءت النتيجة على دماغ قرابة نصف مليون فلسطيني وتغير الموقف الخليجي تجاه القضية الفلسطينية، لا أعتقد أن الأمة العربية تمر بمرحلة جدب أكثر من اليوم فتحولت أرضها إلى يباس وخراب.

وها نحن في منعطف تاريخي خطير لم يعد الشعب فيه قادرا على تحمل أكثر مما تحمله خلال تلك المرحلة الطويلة، ولم يعد أمام الإنسان العربي - الذي ديست كرامته وحُرم كل أشكال الحرية والديمقراطية ونُهِبَ ماله وأرضه - خيار إلا الثورة أو البقاء ذليلا إلى الأبد، فأيهما يختار؟

كم يتمنى المرء أن تسبق الإصلاحات الثورة المرتقبة، وكم يتمنى أن تدرك الأنظمة العربية أنها لن تستعيد كرامتها واحترامها أمام الولايات المتحدة وأوروبا و«إسرائيل» إلا بالعودة الى شعوبها. وكم يتمنى أن تدرك القيادة السياسية الفلسطينية أنها أمام منعطف خطير يحتاج إلى توحيد كل القوى الوطنية وأن تدرك أن المقاومة هي الخيار الوحيد الذي يعيد شارون إلى الطاولة.

وكم يتمنى المرء أن يفيق الشعب الأميركي ليعرف أن ما يجري على الساحة الفلسطينية يأتي بدعم أميركي لـ «إسرائيل» من قوت الشعب الأميركي.

وكم يتمنى المرء أن يصحو الضمير العالمي ليقف إلى جانب الشعب الفلسطيني.

وكم يتمنى المرء أن يدرك الشعب العراقي أن المستفيد الأول من خلط الأوراق هو الولايات المتحدة و«إسرائيل» فلا داعي لإجهاد نفسه بحثا عمن فعل ذلك، وإلقاء اللوم على بن لادن أو الطوائف الأخرى.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/330868.html