صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 394 | السبت 04 أكتوبر 2003م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

التوازن المفقود

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

غدا يفترض أن يصدر القرار الدولي بشأن العراق في طبعته الأخيرة عن مجلس الأمن. وتأخر صدور القرار يؤكد صعوبة المداولات التي تشير إلى مسألتين: الأولى وجود فجوة حقيقية بين الولايات المتحدة (المدعومة بريطانيا) ودول الضد في الهيئة الدولية. والثانية حساسية القرار وأهميته المعنوية فكل فريق يريد أن ينهي المشكلة لصالح وجهة نظره. فالقرار في صيغته المنقحة والمزيدة يفترض أن ينهي قضية خلافية كانت أساسا لمجمل التشنجات التي ظهرت بين الدول الكبرى في السنة الماضية. فالقرار مهم معنويا لأن صيغته النهائية ترجح فكرة على أخرى وبالتالي انها تعطي الحق بالتصرف الفردي أو العشوائي في الفترة المقبلة، وتبرر سياسة كل طرف وتعزز صدقية ما فعله في الفترة الماضية.

الولايات المتحدة تريد من القرار أن يعطيها أفضلية القيادة لمستقبل العراق ومنه لتقرير صوغ خريطة «الشرق الأوسط». بريطانيا تريد أن تنقذ سمعة رئيس الحكومة طوني بلير إذ أشارت الاستطلاعات إلى تراجع شعبيته وعدم ثقة الناخب البريطاني بصدقيته. فرنسا تريد أن تؤكد أن اعتراضها على الحرب كان هناك ما يبرره وأنها تحتفظ بحق الاعتراض أو التفويض في أية سياسة أميركية - بريطانية مقبلة. روسيا تريد إعادة دورها وتنشيط موقعها كقوة كبرى بعد أن خسرت الكثير من هيبتها الدولية في السنوات العشر الماضية. الصين تريد أن تؤكد أن اهتماماتها الدولية لا تقتصر على الاقتصاد والعلاقات التجارية بل هي قوة جديدة صاعدة يجب أن يحسب حسابها في النظام الدولي. وألمانيا التي التزمت الخط الفرنسي - الروسي تحاول إدراك ما فاتها من تطور على مستوى مساحة العلاقات الدولية. فألمانيا هي القوة الثالثة اقتصاديا ولكنها سياسيا لا تزال في مرتبة متدنية تأتي وراء دول أقل منها شأنا كفرنسا وإيطاليا وبريطانيا.

إلى جانب الدول الكبرى هناك الدول العربية، وتحديدا سورية التي لعبت دورا مميزا في الفترة الأخيرة. فالدول العربية تريد التأكيد على أنها ليست مجرد «صفر على الشمال» بل يجب أن تراعى مصالحها ومشاعرها حين يبحث مصير العراق. والأهم من كل ذلك هناك العراق ومستقبله، علاقاته مع جيرانه، دوره العربي، تركيبه الداخلي، وموقعه الجديد على خريطة المنطقة. هذه النقطة تبدو الأخيرة في جدول أعمال النقاش مع أنها مبدئيا هي الأهم لأنها تطاول مكانة «مجلس الحكم الانتقالي» ودوره وقدرته على تمثيل شعبه ودفاعه عن مصالحه ووحدته وثروته واستمراره باعتباره جهازا تنفيذيا يحقق آمال وطموحات مجتمع عانى التمزق والاهمال والتسلط.

«مجلس الحكم الانتقالي» هو الحلقة الأضعف في السلسة على رغم أن المنطق يقول إنه يجب أن يكون الطرف الأقوى في المعادلة لأن قرار صوغ مستقبل العراق يجب أن يتخذه الشعب وبإرادة العراقيين. حتى الآن لا توجد الإدارة ولا الإرادة في أعضاء «مجلس الحكم الانتقالي». حتى الآن يبدو مجلس الحكم يتكل على قوة الاحتلال ويسلم مصيره لضباط من الدرجة الرابعة أحيلوا على التقاعد أو استغنت عن خدماتهم وزارة الدفاع أو الخارجية. فالمجلس كما تبدو تصرفاته غير حريص على تلميع صورته أمام شعبه والعالم، وهناك قلة قليلة منه تملك الشجاعة على رفض تهميش دوره، بينما الكتلة الكبيرة قررت تعطيل دورها ووافقت على اتباع أسلوب الذل والتزلف والخنوع لكل ما يصدر من أوامر أميركية. وفي المحصلة يبدو «مجلس الحكم» غير قادر على الحركة والفعل والتصرف من وحي المصالح العراقية على رغم أن أبسط قواعد السياسة تتطلب من المعني بتمثيل شعبه أن يطور إمكاناته ويبادر إلى طرح البرامج والخطط وآليات العمل حتى ينجح في القيام بدور مشرف يحظى بالتأييد والاحترام من قبل الناس وتحديدا الغالبية العراقية التي ترفض الاحتلال.

وحتى ينهض «مجلس الحكم» من كبوته ويسترد وعيه وروحه الوطنية ستبقى المشكلة قائمة في العراق... وأساس المشكلة هي البحث عن بديل سياسي أو عن طرف يملك شرعية داخلية تجيز له إعطاء الموافقة على قرارات تمس وحدة العراق ودوره ومستقبله كقوة مستقلة عن مظلة الاحتلال.

42 ساعة تفصلنا الآن عن قرار مجلس الأمن. ولا شك في أن بنوده ستعطي فكرة مصغرة لا عن مستقبل العراق فقط في السنوات المقبلة بل عن مستقبل العلاقات الدولية في ظل سياسة متشددة تقودها الولايات المتحدة... وكادت في لحظات معينة أن تطيح بالمنظومة الدولية التي انتهجتها «الحرب الباردة» وما بعدها.

إنه قرار جديد، والجديد فيه هو الحد الأدنى الوسطي لعودة العلاقات الدولية إلى توازنها المفقود.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/334856.html