صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 349 | الأربعاء 20 أغسطس 2003م الموافق 07 محرم 1446هـ

ضربة في الاتجاه الخطأ

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

عملية تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد كانت ضربة عسكرية في الاتجاه الخطأ السياسي. فالعملية في النهاية صبت في اطار المصلحة الاميركية واعطت قوات الاحتلال المزيد من «الشرعية الدولية» التي كانت تقاتل وراء الكواليس من أجل الحصول عليها.

الآن لم تعد الولايات المتحدة بحاجة إلى المزيد من الجهود لتبرير استمرار عدوانها في مرحلة تتسم بالفوضى وضياع الاتجاهات. فالهجوم على الأمم المتحدة عطل إمكانات «تدويل» الازمة العراقية أو على الأقل أعطى الوقت الكافي لقوات الاحتلال لتعزيز وجودها العسكري واستقدام الجيوش الحليفة لمساعدتها في مواجهة ما تسميه «بؤر الارهاب». كذلك اعطى الهجوم «شرعية» دولية لاستخدام قوات الاحتلال كل ما تملكه من قوة متفوقة لضرب كل من تشتبه به بذريعة انه ينتمي إلى «فلول صدام» و«شبكة القاعدة» و«انصار الإسلام» وغيرها من منظمات تحاول واشنطن لصق المقاومة العراقية بها... لتقول ان الشعب العراقي موافق على الاحتلال ويرتاح للوجود الاميركي.

عملية تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد كانت ضربة في الاتجاه الخطأ، فهي عززت من منطق الولايات المتحدة في استخدام القوة من دون ضوابط، وشرّعت إلى حد ما سياسة القمع المكشوف ضد كل من يريد مواجهة الاحتلال. فالعملية وحدت بين الأمم المتحدة وقوات الاحتلال بعد ان كانت التطورات الميدانية تدفع باتجاه توسيع الهوة بين منطق «التدويل» وسياسة «الأمركة». فالعملية صبت في مصلحة «الامركة» وزعزعت احتمالات توسيع الفجوة بين الاحتلال وإمكانات استبداله بقوات «القبعات الزرق».

هذا الأمر لم تلحظه الجهة المتهورة التي ارتكبت عملية الهجوم فلم تميز بين علم الأمم المتحدة وعلم القوات المحتلة. لذلك يمكن القول إن تفجير المقر يصب في خانة الاعمال المشبوهة التي تفتقد إلى المنطق والعقل السياسي. والمقاومة، اذا افترضنا جدلا انها هي وراء عملية الهجوم، تحتاج دائما إلى وعي سياسي للتمييز بين الأهداف والأعلام والالوان. وهي ايضا تحتاج إلى عقل مدبر يستطيع ان يضع امامه سلم اولويات في برنامجه التحريري.

والعمل العسكري دائما يجب ان يتبع ويخضع للعمل السياسي. والسياسي يجب ان يقود العسكري وليس العكس. وهذا ما أكدت عليه حركات التحرير قديما وحديثا. وكثيرا ما ابطلت القيادات السياسية عمليات عسكرية سهلة وناجحة لانها تفتقد إلى وظيفة سياسية وتضر بسمعة المقاومة وتوسع جبهة الاعداء وتقلل من فرص زيادة النقمة على قوات الاحتلال. فالسياسة مسألة معقدة ومركبة وتحتاج دائما إلى عقل مدبر (ومفارق) يستطيع التمييز بين الوان الخصوم ودرجات عداوتهم لحركة المقاومة والتحرير.

عملية تفجير مقر الأمم المتحدة افتقدت إلى العقل السياسي- مثلها مثل الهجوم المدبر على السفارة الاردنية في بغداد - الذي يحتاج إلى مزيد من التفكير والتحليل لقراءة خطوط الصراع وتعرج المصالح وتداخلها وتضاربها.

عملية تفجير المقر ضربة في الاتجاه الخطأ لأنها أسهمت في اضعاف دور الأمم المتحدة وأخرجت بعثات المنظمة الدولية من بغداد إلى عمّان وعطلت إمكانات بلورة الدور الدولي في حل أزمة العراق... وفي النهاية نجحت في تقوية الموقف الاميركي الذي عُرف عنه التشدد في السيطرة الكلية والشاملة على العراق (الثروة والموقع) ومنع أية منافسة من قوة دولية (اوروبية، أو عربية). فاميركا منذ الاحتلال (وقبل الحرب على العراق) ارادت التفرد والاستئثار والهيمنة وقطع الطريق على اي طرف يريد انقاذ الحد الادنى من العراق أو ما تبقى من دولته.

بعد كل ذلك هل يمكن الاستنتاج ان الطرف الخاسر سياسيا من تفجير مقر الأمم المتحدة هو المقاومة العراقية والطرف الرابح سياسيا هو الولايات المتحدة وقوات الاحتلال


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/342731.html