صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 350 | الخميس 21 أغسطس 2003م الموافق 15 شوال 1443هـ

فرق المعتزلة: الصعود إلى الدولة

بانتقال المعتزلة من الكلام الى السياسة انتقلت معها مجموعة مفاهيم خاصة الى الدولة العباسية فحاولت استخدام أجهزة السلطة لفرضها بالقوة على المخالفين من فقهاء وعلماء وقضاة.

لم تكن فرق المعتزلة مجمعة على مسألة السلطة والسيطرة على الدولة، لأن بعض شيوخ الاعتزال تخؤّف من تغير الزمان والأحوال واحتمال انقلاب السلطة عليها في لحظة زمنية مفارقة. كذلك لم تتفق الفرق على فرض مذهبها بالقوة على الناس لأن الأمر سيدفع المعتزلة الى خوض معارك سياسية تعطل عليها إمكانات النمو والتطور والانتشار.

وعلى رغم تلك المخاوف والمحاذير دخلت المعتزلة تجربة الدولة وخاضت فيها وعليها سلسلة مواجهات فكرية انتهت بها أخيرا الى الانهيار والتفكك. وتعتبر المعتزلة في السياق المذكور أول حركة عقائدية (ايديولوجية) مارست الإرهاب الفكري على المعارضين في تاريخ الإسلام، وربما كانت أول حركة اتجهت نحو استخدام الدولة كحزب سياسي (عقائدي) يفرض على مواطنيها واتباعها القول الواحد. وبهذا المعنى الزمني تعتبر المعتزلة أول حزب سياسي سيطر على دولة إسلامية (مركز الخلافة) فارضا أفكاره مستخدما وسائل الاستبداد والقمع (محاكمات وسجون وملاحقات) لكل مخالف لرأيها وخصوصا في مسألة «خلق القرآن».

بدأت فتنة «خلق القرآن» في عهد الخليفة المأمون بتحريض من المعتزلة وإيعاز منها، فأظهر القول بها سنة 212 هجرية واستمر بقوله الى العام 218 هجرية وامتحن الناس والعلماء للقول بالمسألة. وجاء المعتصم في 218 هجرية بعد المأمون وأظهر القول بالمسألة وامتحن الناس في خلق القرآن، وأمر بضرب الإمام أحمد بن حنبل سنة 220 هجرية لرفضه القول بالمسألة. وبعد المعتصم جاء الواثق وامتحن الأئمة بخلق القرآن سنة 231 هجرية الأمر الذي فجر أزمة عميقة في الأمة كادت ان تطيح بالحكم العباسي لولا تدارك الخليفة المتوكل الأمر وتخليه عن مسألة «خلق القرآن» معتذرا من العلماء والقضاة والأئمة عن هذا القول.

كان ذلك في العام 234 هجرية وهو الموعد الذي يتفق عليه انه بداية نهاية المعتزلة السياسية وسقوطها من الدولة وتحولها مجددا الى حركة فكرية فلسفية لا تهتم بالسياسة ولا تفرض نفسها كمنهج أو مذهب على الآخرين.

أوقفت المعتزلة حركة التنوير (العقلانية) الإسلامية بكارثة غيرت مجرى التقدم بسبب طيشها العقائدي واستبدادها السياسي الذي استفادت منه الحركات الأصولية آنذاك. وتحولت الأخيرة نتيجة تصديها وتحديها للاستبداد والقمع والسيطرة الى حركات جماهيرية كسحت الشوارع والمدن في العراق ومختلف أطراف الدولة العباسية. فانتكاسة المعتزلة كانت شبه نهائية ولن تعود لها قائمة نتيجة تاريخها السيئ الذي أساء لكل الحركات النقدية والعقلية في الإسلام بسبب ظلمها للمعارضين واجحافها بحق علماء الأمة آنذاك.

هذا الوضع الانقلابي جاء ردا على انقلاب المعتزلة على نفسها أولا وغيرها ثانيا، وتحولها من حركة كلامية (نقدية) الى أداة من أدوات السلطة لفترة امتدت أكثر من 40 سنة فرضت المعتزلة فيها نفسها كعقيدة (مذهب) واحدة ووحيدة في الدولة العباسية. ويمكن اعتبار ان تلك الفترة (فترة الصعود الى الدولة) هي عصر المعتزلة الذهبي الذي يبدأ من نهاية عهد هارون الرشيد سنة 193 هجرية الى مطلع عهد المتوكل سنة 234 هجرية. ففي هذه «الفترة الذهبية» شهدت المعتزلة أوسع الانتشار وأصعب الأيام. وفي تلك الفترة تنوعت فرق المعتزلة وازدهرت وتعددت مدارسها إلا انها بقيت أسيرة السلطة لأنها رهنت وجودها بالدولة وتصرفت على أساس ان مذهبها هو حزب الدولة الرسمي. وهذه النقطة الأخيرة كانت مقتل المعتزلة. فحين تحولت من حركة إلى حزب ومن قوة كلامية الى قوة سياسية وضعت المعتزلة نفسها أمام امتحان تاريخي عسير أدى في النهاية الى هزيمتها واكتساح الأصولية الإسلامية بشتى فرقها ومذاهبها مختلف الميادين الفكرية والعقائدية.

من الصعب تعداد علماء شيوخ المعتزلة الذين عاصروا تلك الفترة وعايشوا الخلفاء وتصرفوا كرجال دولة يستفيدون من مال السلطة وأرزاقها إضافة الى حياة البذخ والرفاهية التي وفرتها لهم الأجهزة ليلعبوا لعبة الرقيب الايديولوجي وملاحقة كل المخالفين لكلامها وأقوالها.

لاشك ان بعض شيوخ الاعتزال رفض الانجرار الى بذخ القصور وفضل الابتعاد عن السياسة واستنكر أساليب القمع التي لجأت اليها فئات متنفذة في السلطة... إلا ان غالبية المعتزلة استفادت من تلك اللحظات ونجح بعضها في تأمين مواقع له خارج دائرة السلطة ولكن برعايتها وتمويلها.

في فترة العقود الأربعة اشتهر رجال المعتزلة وشيوخها ويمكن تسمية عشرات الاسماء التي عاصرت تلك المرحلة وعاشتها وترعرعت تحت ظلالها. وهناك من مات في تلك الفترة أو عاش قليلا لسنوات بعدها. فهناك الأصم، وثمامة، ومعمر السلمي، وبشر بين المعتمر، والمرداد، وهشام الفوطي، والضمري، والنجار، والنظّام، وحابط، وابن حرب، وابن بشر، والاسكافي، والجاحظ، والشحّام، وغيرهم بالعشرات.

إلا أن أخبثهم على الاطلاق كان أحمد بن ابي داوود الذي توفي في العام 240 هجرية في عهد الخليفة المتوكل. ابن داوود كما يلقب كان شخصية غريبة دخل على الاعتزال ولعب به واستغله واسهم في تشغيل شيوخه في بلاط الخليفة. فابن داوود ليس له تصنيف ولا مؤلفات كما يقول عنه ابن النديم في «الفهرست»، ولكنه على حد قول ابن النديم اعتبر من كبار المعتزلة و«ممن جرّد في إظهار المذهب والذبّ عن أهله والعناية به». فهو كما ورد ذكره في «الفهرست» أبوعبدالله أحمد بن ابي داوود بن جرير بن نزار بن معد. ولد في البصرة. ويقال انه من صنائع يحيى بن أكثم وهو الذي وصله بالمأمون، ومن جهة المأمون اتصل بالمعتصم.

لعب ابن داود صلة الوصل بين السلطة والمعتزلة وقام بدور الواشي الراشي إذ كان يغدق عليهم المال ويقربهم من السلطة ويعقد لهم حلقات النقاش في دار الخلافة وأحيانا بحضور الخليفة لتأليب الدولة على مخالفيها من أئمة وعلماء وقضاة. وهناك بعض المؤرخين من ينسب لابن داوود الكثير من الأخطاء والسلبيات ويحمّله مسئولية إثارتها وتوريط الدولة العباسية بها أو توريط المعتزلة في شئون فقهية تمس التوحيد والخالق. وهناك من يرى انه وراء افتعال فتنة «خلق القرآن» وهو الذي شجع الخلفاء الثلاثة (المأمون، المعتصم، والواثق) على القول بها وامتحان العلماء ومعاقبة كل من يعترض على مذهبهم.

والغريب في الأمر انه كان لأحمد (ابن داوود) عدة أولاد من أبرزهم أبوالوليد الذي تولى القضاء في حياة ابيه وألف عدة كتب في الفقه على رأي ابي حنيفة. فحتى ابنه، كان على مذهب الإمام الأعظم حين كان يفتي الأمر الذي يزيد من غرابة شخصية ابن داوود ودوره السلبي في الحركة الفكرية في وقت لم يرد عنه انه قام بتأليف كتاب أو صنف مقالة. فابن داوود كما يبدو كان رجل سلطة ينظم العلاقات ويتابعها ويقدم الاقتراحات ويدير النقاشات والحلقات التي كان يعقدها في دار الخلافة.

عرف ابن داوود الشهرة وكان صاحب نفوذ وسليط اللسان وشجع شيوخ المعتزلة على التهجم وتحقير الفقهاء والسخرية منهم وامتحانهم وضربهم وسجنهم. واستمر ابن داوود على منواله حتى انقلب المتوكل على المعتزلة فجرده من مواقعه وامتيازاته وطرده من دار الخلافة فعاش وحيدا منعزلا الى ان أصابه فالج (من شدة القهر كما يبدو) وتوفي.

عاش ابن داوود فترة طويلة نسبيا وعاصر ثلاثة خلفاء ولعب دوره الخاص في تقريب المعتزلة من الدولة... إلا انه لم يكن الوحيد فهناك من سبقه في الصعود الى السلطة ولعبوا الأدوار التمهيدية التي رتبت لاحقا تحالف الدولة مع فرق المعتزلة إلا انهم عاشوا قليلا أو عاصروا بدايات العلاقة ورحلوا باكرا قبل ان يشهدوا المأسوية. ومن أبرز هؤلاء الأصم وصاحبه ثمامة.

الأصم وثمامة كانا من أصحاب المقالات وكتبا الكثير من المؤلفات وهما في هذا المعنى أخطر فكريا من ابن داوود، ولكنهما أقل منه فعالية من جهة لعب الدور السياسي في نسج خيوط العلاقات والتآمر على رجال الفقه من وراء الكواليس


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/342927.html