صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 352 | السبت 23 أغسطس 2003م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

شروط ألمانية/ فرنسية للمساهمة في بناء عراق جديد

الكاتب: سمير عواد - comments@alwasatnews.com

نادرا ما يطيل المستشار الألماني جيرهارد شرودر جلسة مع الصحافيين لكنه فعلها وأمضى قرابة ثلاث ساعات يجيب عن اسئلتهم التي تعلق الجزء الاكبر منها بالسياسة الخارجية التي يتعلق بها شرودر للفرار من المشكلات التي تواجه سياسته الداخلية. ومع عودة الحياة السياسية بعد العطلة الصيفية إلى برلين استقبلت شرودر الذي قضى اجازته في منزله في هانوفر وليس في ايطاليا بسبب إهانة وجهها عضو في الحكومة الايطالية إلى السياح الالمان، مفادها أن ارقام العاطلين عن العمل زادت عن الحد الذي كان في عهد المستشار السابق هيلموت كول، كما استقبلته انباء عن الجمود الاقتصادي الذي تعاني منه المانيا واحتمال انخفاض نسبة النمو بشكل يتعارض مع توقعات حكومة الائتلاف الاشتراكي الأخضر. حتى اليوم لم يكتب النجاح للمستشار الاشتراكي في خفض عدد العاطلين عن العمل، كما لا تجد برامج الاصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي تعلن بين فينة واخرى قبولا عند الشعب الالماني، وتعرب الصحف عن تقززها من الوضع عموما في الداخل وعدم توقع حدوث انفراج للوضع الاقتصادي في القريب.

ولأن شرودر يريد في العام 2006 الفوز بولاية ثالثة، اكتشف ان فرصته الوحيدة بالفوز بثقة الناخبين الالمان لم تعد تكمن في سياسته الداخلية، فتوقعات الخبراء في مؤسسة البحوث الاقتصادية (إيفو) بمدينة ميونيخ لا تبعث على السرور. غير ان شرودر يجد في السياسة الخارجية فرصة للظهور ويخطط في سبتمبر/ ايلول المقبل للسفر الى نيويورك والقاء كلمة امام الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناسبة مرور ثلاثين عاما على انضمام المانيا إلى الهيئة الدولية.

وتقول مصادر مطلعة في برلين ان المستشار الالماني قد يجتمع مع الرئيس الاميركي جورج بوش في نيويورك والسعي إلى فض الخلاف الذي نشب بينهما بسبب حرب العراق، خصوصا بعد اشادة الرئيس الاميركي بالمساهمة التي تقدمها ألمانيا في افغانستان وتخفف من اعباء القوات المسلحة الاميركية في هذا البلد. ويعتقد محللون ان بوش، الذي لا يشعر بود خاص تجاه شرودر، أصبح على يقين بأن بلاده بحاجة ماسة إلى مساعدة كل بلد في تخفيف الاعباء الثقيلة التي تواجهها على ارض العراق. ويتوقع هؤلاء ان يكون سبب المصالحة المقبلة هو اقناع المانيا بالمساهمة بدور في العراق على رغم تأكيدات شرودر ووزير الخارجية في حكومته يوشكا فيشر ان موقف المانيا تجاه حرب العراق لم يتغير بعد، واستبعدا في تصريحات صدرت عنهما في الاسبوع الماضي ارسال جنود المان إلى المستنقع العراقي. لكن واشنطن تراهن على احتمال ان تغير القيادة السياسية الالمانية موقفها ولا يتوقع المحللون السياسيون ان تستمر برلين في مناهضتها لسياسة واشنطن في العراق الى الأبد، ذلك ان لها مصلحة في تحقيق الأمن والاستقرار في العراق للحصول على قطعة من الكعكة، غير ان شرودر لا يريد تقديم تنازلات إلى الرئيس الاميركي مقابل اي ثمن يعرضه الاخير عليه.

في ورقة استراتيجية سربها مقر المستشارية الى وسائل الاعلام الالمانية، كشف مضمونها تركيز شرودر على دور له في السياسة الخارجية يساعده في خطف الاضواء من فيشر الذي يحلم بأن يحصل على منصب اول وزير خارجية للاتحاد الاوروبي، وذلك ضد رغبة شرودر. ويذكر ان فيشر يتصدر منذ العام 1999 قائمة السياسيين الأكثر شعبية في المانيا بينما يقبع شرودر في المركز الرابع في آخر عملية استطلاع للرأي. ويشير مضمون هذه الاستراتيجية الى ان جميع مستشاري الحكومة الاتحادية السابقين من اول مستشار بعد تأسيس المانيا الاتحادية كونراد ادناور إلى شرودر، اعتمدوا في زيادة شعبيتهم على السياسة الخارجية. فقد عمل ادناور على ضم المانيا الى الحلف الغربي، وكان المستشار فيلي برانت مهندسا لسياسة الانفراج بين الشرق والغرب، أما هيلموت شميت فقد ارسى مع الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان دعائم المحور الالماني الفرنسي، ودخل هيلموت كول التاريخ بوصفه مستشار الوحدة الالمانية وأحد واضعي فكرة العمل بوحدة النقد الاوروبية.

وعانى المستشارون السابقون من عناء السياسة الداخلية ففي عهد ايقونة الحزب الاشتراكي الديمقراطي فيلي برانت، استقال وزير المالية احتجاجا على السياسة الاقتصادية التي اتبعها المستشار برانت. وفي العام 1982 لعب وزير الاقتصاد اوتو غراف لامبسدورف دورا بارزا في إنهاء الائتلاف الحاكم تحت زعامة شميت، ما ساعد على وصول هيلموت كول إلى السلطة.

ويرى تحليل ورقة مقر المستشارية ان السياسيين الالمان الكبار في السياسة الخارجية كانوا صغارا في السياسة الداخلية، وأبرز دليل على ذلك ان شرودر فاز بالانتخابات العامة في سبتمبر العام الماضي بسبب رفضه المشاركة في حرب العراق. كما هناك عامل مهم وهو ان المعارضة السياسية في الداخل لا تحتج كثيرا على القرارات التي تتخذها حكومة شرودر/ فيشر في مجال السياسة الخارجية. ومثلما ساهمت حرب العراق في فوزه بولاية ثانية، يخطط شرودر للتمسك بورقة العراق ليس حبا في هذا البلد العربي وإنما لزيادة فرصته بتعويض انخفاض شعبيته.

ويدفع موقف الصقور في واشنطن تجاه المستشار شرودر إلى ان يتخذ الاخير موقفا حازما على رغم وجود رغبة لديه في عودة الوئام إلى العلاقات بين المانيا والولايات المتحدة. وتؤيد المانيا حصول الأمم المتحدة على دور رئيسي في إدارة شئون العراق بغض النظر عن الاعتداء الاخير على مقر الهيئة الدولية في العراق ومقتل المبعوث الخاص للأمم المتحدة سيرجيو دو ميلو. وبالتعاون مع الحليفة فرنسا يجري العمل باستراتيجية مشتركة بشأن العراق مفادها:

- صدور قرار دولي يمنح الامم المتحدة دورا اساسيا في تسيير شئون العراق وتشكيل حكومة عراقية تحصل على اعتراف البلدان المجاورة.

- اقامة مؤتمر دولي يدعو إلى تشكيل حكومة عراقية ووضع دستور جديد، وذلك على غرار مؤتمر بطرسبيرغ المتعلق بأفغانستان، إذ تشارك في المؤتمر جميع الفصائل العراقية وبحضور دولي للاتفاق على خطة إعادة تعمير العراق.

- تشكيل لجنة الاتصال على غرار اللجنة القائمة في البوسنة التي تجمع الولايات المتحدة وروسيا ومجموعة من البلدان الاوروبية واجراء مشاورات يومية عن طريق الهاتف لتبادل الآراء بشأن التطورات في العراق.

- لا ترغب المانيا في الوقت الجاري في المشاركة في تمويل صندوق تنمية خاص بالعراق باعتبار ان العراق بلد غني بالنفط ولعدم وجود تمثيل سياسي الماني يذكر في الازمة العراقية. وبحسب تأكيدات هايدي ماري فيتشوريك تسويل لن يكون بوسع اية دولة تقديم مساعدات مالية إلى العراق طالما لم يصدر قرار دولي من الأمم المتحدة.

- في حال حصول المانيا وفرنسا على حق المشاركة السياسية في الازمة العراقية، سيكون بوسع الحكومة الالمانية تقديم مساهمة عن طريق إرسال خبراء لتدريب الشرطة وآخرون للمساعدة في بناء الاقتصاد.

لا تريد برلين التسرع في التنازل للأميركيين الذين يرغبون في انتشار جنود المانيا في العراق نظرا إلى الخبرة التي اكتسبوها في فرض الأمن والاستقرار في البلقان وفي كابول. ويجد المستشار شرودر كم كان على حق حين حذر من نتائج حرب العراق، ويرى اليوم كيف ان واشنطن باتت على وشك الاعتراف بأنها أخطأت بشن هذه الحرب، وذلك بالنظر إلى الخسائر البشرية والمادية التي تتكبدها من دون ظهور بوادر امل بأن الحرب على وشك ان تحقق الأمن والاستقرار في بلد يعيث بالفوضى والكلمة فيه لمن يحمل سلاحه بيده


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/343151.html