صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 411 | الثلثاء 21 أكتوبر 2003م الموافق 08 محرم 1446هـ

لعبة جهنمية

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

الكلام الذي قاله رئيس الوزراء الماليزي مخاتير محمد في افتتاح مؤتمر القمة الإسلامي العاشر عن اليهود ونجاحهم في حكم العالم بالوكالة وان هناك من يموتون من أجلهم ليس جديدا. وردود الفعل السلبية وأحيانا العنيفة التي صدرت ضده متهمة إياه بـ «العنصرية» و«اللاسامية» ليست جديدة.

فرئيس وزراء ماليزيا يملك تجربة قاسية مع جورج سورس. والأخير اشتهر في التسعينات بصفته أحد أهم خبراء البورصة الذي راكم مليارات الدولارات من وراء اللعب بالأسهم بأساليب شرعية مستفيدا من أنظمة البورصات العالمية المفتوحة وعمليات الشراء والبيع التي تحتاج عادة إلى شبكة من الوكلاء والسماسرة وأيضا إلى جهاز كامل من البشر يملك المعلومات ويضخها إلى المتعهد الكبير جورج سورس.

حقق سورس بأساليبه وخدعه وأكاذيبه وشبكة اتصالاته ومعلوماته ثروة هائلة من وراء اللعب بأسهم البورصات العالمية. وتحول مع الايام إلى شخصية قذرة ومكروهة من قبل مختلف وزراء المال وحكّام المصارف و«البنوك المركزية» في آسيا وأوروبا. واتهم مرارا بأنه لاعب قذر وليس محترفا بعد ان حقق سلسلة نجاحات هائلة في كسر بورصات كثيرة من طريق مراهناته واستفادته من اختلاف أسعار العملات والفوائد عليها.

خاض سورس سلسلة معارك ناجحة في أوروبا آخرها كانت تلك التي نظمها في السوق المالية البريطانية ونجح في يوم واحد في تسجيل ربح بلغ مليار جنيه استرليني الامر الذي دفع الصحف البريطانية في اليوم التالي الى فضحه بالاسم وتحميله مسئولية اللعب «المشروع» بأموال الناس وأسهم الشركات... فاضطر سورس تحت ضغوط عليا إلى الانسحاب من أوروبا والانتقال الى اسيا.

في آسيا خاض سورس أقذر المعارك وأخذ باسقاط البورصات واحدة بعد اخرى مستفيدا من شبكة معلومات وأجهزة اتصالات ووكلاء وعملاء وصولا إلى معركته الكبيرة في كوالالمبور فكرر تجربته هناك وتحولت الى مواجهة شخصية مع مخاتير محمد وانتهى الأمر بانهيار بورصة ماليزيا التي خسرت في أسبوع واحد ما يزيد على 13 مليارا من الدولارات. وكاد أن ينهار الاقتصاد الماليزي وعملته لولا استدراك مخاتير الامر وكشفه عن «مؤامرة يهودية» تخوضها شبكة عالمية بقيادة جورج سورس.

إعلان مؤامرة عالمية يقودها اليهودي سورس أدى إلى ردود فعل عالمية اتهمت مخاتير باللاسامية والعداء العنصري لليهود الا أنها دفعت سورس وشبكته إلى الانسحاب من السوق الاسيوية التي تحطمت اقتصاداتها وأسهم شركاتها وانهارت بورصاتها وعملاتها.

بعد أوروبا وآسيا اتجه سورس وشبكته الى روسيا في الايام الاخيرة من عهد بوريس يلتسين وكرر هناك تجربته ولم يخرج من بورصة موسكو الا بعد ان حطم سوقها وكسر اسهم شركاتها وضرب عملتها الوطنية (الروبل) في الصميم فثارت الثائرة عليه وخصوصا بعد ان نشر مقاله في «فايننشال تايمز» ينتقد فيه أداء الاقتصاد الروسي. وانتهت معركة سورس بتفكيك الاقتصاد وانهيار عائلة يلتسين والمافيا الروسية فخرج من السلطة مكسورا وانتخب فلاديمير بوتين رئيسا للبلاد.

كانت معركة سورس في روسيا هي الاخيرة، وبعدها انسحب من السوق تاركا سلسلة من الانهيارات النقدية التي ضربت اقتصادات آسيا وروسيا وهزّت ثقة الشركات بعملاتها إلى فترة طويلة. خرج سورس وألف كتابا عن تجربته القذرة كشف فيه أساليبه اللا أخلاقية واللا انسانية ولكنها «مشروعة» ويحميها القانون. وانتقد سورس نفسه ولكنه قال انها لعبة السوق وهذه هي شروطها. وتجاهل ما قاله عنه مخاتير محمد الذي اشار إلى وجود «مؤامرة دولية» مرتبة ومنظمة من قبل أجهزة وشبكة معلومات ووكلاء وسماسرة وان ما فعله سورس ليس عملا فرديا قام به مجرد محترف على سبيل التسلية واختبارا لمقدرته وشطارته.

مخاتير محمد لايزال يصر على أن ما حصل لأسواق آسيا وروسيا وقبلها أسواق أوروبا (وتحديدا لندن) كان نتاج مؤامرة مدبرة وخطة محكمة ادارتها اجهزة عالمية تملك معلومات وأدوات وقدرة على الضبط والتوجيه والسيطرة على حركة الأسهم وأسعارها صعودا وهبوطا.

اعترف سورس في مذكراته بعد انكشاف امره وخروجه من لعبة السوق بأن المعركة قذرة ولكن الحرب لم تنتهِ. فهناك غيره من يقوم باللعبة ويستمر بها.

مرت سنوات على كلام مخاتير الأول وجاء الآن كلامه الثاني عن وجود وكلاء لـ «إسرائيل» في واشنطن (البنتاغون) يلعبون لعبتها ويقومون بدورها وبالوكالة عنها في «الشرق الأوسط» وضد الكثير من الدول العربية والمسلمة.

الكلام الأول تناول الاقتصاد والثاني السياسة والتهمة هي ذاتها: العداء للسامية والعنصرية ضد اليهود.

بين الأول والثاني حصل الكثير من التحولات الدولية وباتت الولايات المتحدة منقادة من مجموعة من الأشرار في حين يستعد مخاتير للتقاعد واعتزال «السياسة». إنها لعبة الأمم والبورصات هي أجزاء من تلك اللعبة. والشعوب مجرد بورصات في تلك اللعبة الجهنّمية


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/345468.html