صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 411 | الثلثاء 21 أكتوبر 2003م الموافق 14 شعبان 1445هـ

عن مقابلات «الوسط» الثلاث

ليس ردّا على فليفل... وإنما تحديا أقوى!

الكاتب: هادي حسن الموسوي - comments@alwasatnews.com

نوافذ «الوسط» الثلاث التي أجراها عبدالجليل عبدالله مع عادل فليفل، كانت صورة مصغرة عن عمليات التحقيق التي كان المعتقلون السياسيون يدلون فيها بإجاباتهم أثناء «المقابلات» التي أراد فليفل ذاته ان ينشرها في وسطه يوما، مع فارق شاسع يصل الى درجة التناقض على مستوى مراعاة حقوق الضيف.

وأثارت خطوة «الوسط» هذه الكثير من الجدل، وانقسم القراء بين مؤيد متشوق للمزيد وبين رافض ممتعض. وبين هاتين الدرجتين تختلف الدرجات قوة وضعفا في التأييد والرفض بالنسبة إلى كثير من الناس. ولا أدعي صحة رأيي إذ أثنّي على عبارة السيد جعفر العلوي التي وردت في مقاله المنشور في العدد (389) حين قال (لا ضير في ذلك)، وخصوصا إنني كنت ممن يعيب على من يملك وسائل الاعلام آنذاك ويمتنع عن منح مساحة للطرف الآخر سواء كان رمزا نضاليا أو ناشطا سياسيّا ليعبر عن موقفه أو رأيه، على أن أسباب وذرائع الإقصاء عند أولئك كانت هي ذاتها التي يتكئ عليها المعارضون لنشر المقابلة مع «رمز أو ناشط في التعذيب»، إذ إنهم يرون في هذه المساحة تشويشا للرأي العام، ومساهمة في صنع وزن وقيمة لمن يمنحون هذه الفرص.

يمكن ان نقسم هؤلاء القراء إلى ثلاث فئات، ليست واقعية احصائية وإنما افتراضية تقريبية:

- فئة وجدت في ما تم نشره في الحلقات الثلاث، كشفا لحقيقة غائبة أو مغيبة منذ عامين وقع ضحية تغييبها فليفل نفسه.

- فئة ترى أن الدعاوى التي ظهرت بعد فراره وصدقها وتأثر بها جرّاء انتشارها في وسائل الاعلام آنذاك، تبددت بالنفي القاطع الذي أكده فليفل الآن.

- وفئة ازدادت قناعة بأن فليفل مازال كما كان مصرا على طمس الحقيقة وإثبات السفاسف و الارتقاء على حساب الآخرين، والتمظهر بمظهر النبل والشجاعة والاصالة. وأجدني من هذا القسم ولله الحمد.

أما القسم الأول فلا يعرف شيئا عن ضحايا التعذيب وان سمع عنهم صم آذانه، وبالتأكيد فان هذا النوع من القراء لم «يوفق» حتى لوجبة واحدة من وجبات التعذيب ولا حتى لــ «سندويتشة» منها، وجزء من هؤلاء لم يسمع أصلا بهذا الأمر، لذلك فان هذه الفئة ترى أن هذه الحلقات اسهمت في كشف «حقائق» غابت او غيبت عن الراي العام عندما شاع خبر هروب فليفل.

والقسم الثاني هم اولئك الذين يتبنون كل ما يصل إلى مسامعهم أو تراه أعينهم وينفعلون به، ولا أدل على حال هؤلاء من حال الطفل الصغير الذي لا يختزن الا آخر ما يسمع او يرى، فلو سئل: انت كبير او صغير لاجاب بانه صغير ولو سئل هل انت صغير او كبير لاجاب بانه كبير. ولعمري فان هؤلاء سمعوا عن شيء يقال له تعذيب وانتهاك لحقوق الانسان لكن ربما لم تطرق آذانهم مصطلحات من قبيل «قسم أمن الدولة» أو «جهاز المخابرات »، لذلك لم تترك هذه المصطلحات اثرها في تقويم متبنياتهم ورؤاهم.

في حين تضم الفئة الثالثة إما من وقع ضحية التعذيب وانتهاك الحقوق او عاين أو عايش ظروف الضحايا عن قرب، أو أولئك الذين يرون الأمور بمنظار ذي معيار واحد لا يتغير ولا يتأثر بفعل تبدل درجات النور والظلمة، فيرى الابيض ابيض والاسود اسود في كل الظروف، كما يرى الضحية ضحية والمجرم مجرما.

في هذا الموضوع ازعم انني لا ارد على ما جاء في الحلقات الثلاث السالفة الذكر، وذلك لانني لا ارد على هراء وترهات وكلام لا يتصل آخره بأوله ولا مدلوله بقائله، وانما أتحدى في هذا الموضوع فليفل ليكرر ما قاله تماما، ولكن تحت تأثير ظروف تسلب منه حرية التعبير والاجابة، كأن يعلق لمدة دقائق معدودة فقط.

وهذه المقابلة التي اتسمت بالنفي والتدليس والتملص من جهة وبالتناقض والتضارب من جهة اخرى، انما تدل على إصرار فليفل على التمسك المسبق بنفي كل ما اقترفه وما اجترحه بحق المعتقلين السياسيين أو سجناء الرأي او الافراد الاخرين الذين تعرضوا لتهديدات ابتزازية جبانة للنيل منهم واستغلال مواردهم و ثرواتهم. وهذا النفي ما كان ليتم لو تعرض لأسلوب واحد من اساليب التعذيب التي كان فليفل وجلاوزته يمارسونها ضد ضحاياهم.

في حلقات «النفي والتدليس» لا ينفي فليفل عن نفسه التهم بارتكاب جرائم التعذيب وانتهاك حقوق الانسان فحسب، وانما يتحدث بلسان جهاز المخابرات كله فهو ينفي وقوع ذلك مطلقا منه ومن غيره، على ان الجناح الذي كان يرأسه كان اسوأ من غيره وكلهم سيئ.

هناك مثل فرنسي قديم يقول: «الوجه الوقح لا يؤذيه الدليل» ألم يرَ فليفل أو يسمع عن أدلة تثبت تورطه وجهازه في الاتهامات التي وجهت إليه والى جهازه، من قبيل صور الضحايا وهم مضرجون بدمائهم، و التقارير الطبية عن هذه الحالات، أليس في ذلك ما يثبت العكس؟

لماذا لم يسمح للمنظمات الحقوقية والانسانية الدولية التي «لا ناقة لها ولا جمل» في قضيتنا منذ طالت ايادي التعذيب ابناء هذا الوطن الطيب، لماذا لم يسمح لها بزيارة المعتقلات التي زجّ فيها المئات بل الآلاف أحيانا والتي تعرضوا فيها للمعاملة السيئة علاوة على وجبات التعذيب التي كانوا يتلقونها في «غرف الموت».

لماذا لم يسمح للمنظمات الحقوقية والانسانية الدولية بالحضور لمعاينة «الأجنحة» التي وضع فيها الرموز السياسيين الذين خصهم بالذكر؟ ليكون جهاز المخابرات واحدا من ارقى مجموعات الفنادق في العالم، فضلا عن اجهزة المخابرات في دول العالم الثالث والثاني والأول!

لماذا لم يسمح للمنظمات الحقوقية والانسانية الدولية كي تأتي وتعاين جثث الشهداء الذين ترد أهاليهم مكالمات الموت بعد استشهادهم، لتشهد هذه المنظمات الحقوقية والانسانية الدولية على براءة ساحة المخابرات من دم هؤلاء الضحايا إن كان زعم فليفل والمخابرات صحيحا.

إذا كان ابناء البحرين كلهم يكذبون في حق فليفل وجهاز المخابرات فما مصلحة مؤسسات الدولة المعنية آنذاك في ان تلتزم الصمت ولا تدافع عن كل اتهام بعينه، اذا كانت الدعاوى بلا دليل فنفيها لا يحتاج الى دليل كما جاء في الحكمة اليونانية «ما يؤكد بلا دليل يمكن نفيه بلا دليل» ولكن ما الذي كان يمنع مؤسسات الدولة المعنية من الرد، هل هو قيام الدليل البين الذي كان يصل الى وسائل الاعلام ووكالات الانباء والمنظمات المعنية، أم غير ذلك؟

ثم لماذا يطرد صحافي وتمنع مقابلة وتتأزم علاقة بين دولة وجارتها عندما يتم عرض مناقشة حقيقة لهذه الحقائق؟ أليس الأجدر أن تقوم مؤسسات الدولة المعنية بفضح هذه «الأكاذيب والادعاءات» بحسب وجهة النظر الرسمية.

كنت كما كان الآلاف من ابناء هذا البلد شهداء على الجرائم التي ترتكب في كل يوم وليلة بحجة الدفاع عن أمن الدولة، فمنذ ان سن «قانون أمن الدولة» في العام 1975 وتسبب في انهاء الحياة البرلمانية الوليدة سقط الشهيد تلو الشهيد وعانى ابناء الشعب الويلات جراء الانتهاكات التي ترتكب في حقهم بذريعة القانون والنظام، ومنذ حوادث السبعينات واعتقالات النشطاء السياسيين الاسلاميين والوطنيين وسجنهم وتشريدهم مرورا بحقبة الثمانينات ومطاردة الاسلاميين بحجة معارضتهم للنظام، واستشهاد جميل العلي وكريم الحبشي والشيخ جمال العصفور ومقتل هاشم العلوي في السجن و قضية الـ 73 وما عانوه من ويلات لا تقدر على حملها الكتب والوثائق وحوادث منتصف الثمانينات عندما أغلقت مؤسسة تعليمية رائدة «جمعية التوعية الاسلامية» واعتقل كوادرها بتهمة الانتماء الى «حزب الدعوة الاسلامي»، واعتقال المجموعات تلو المجموعات بدعوى الانتماء الى «تنظيم حزب الله» واعتقلت بهذا السبب مرتين من دون ادنى دليل او برهان اللهم الا الاعترافات التي انتزعت مني تحت التعذيب الشديد، واخيرا حوادث الحركة الدستورية في منتصف التسعينات حتى نهاية القرن العشرين، كل هذه الحوادث لم تسفر عن انتهاك وترويع وتجاوز لحقوق المواطنين؟

دخلت مبنى المخابرات مرات عدة، وعرفت الكثير مما يدور في دهاليزه وأجنحته وزنزاناته، حتى التصنيف الذي يصنف على أساسه المعتقلون الذي عرفناه بحكم التردد على قسم المخابرات، فالمعتقل يتعرض للتعذيب بحسب التهمة التي توجه اليه، فان كان ما يريدون انتزاعه منه قصة طويلة، يتعرض لأسلوب تعذيب يختلف عما لو كانوا يريدون منه اجابة بنعم اولا.

فالقسم الاول يتعرض في اول الامر للضرب العشوائي وبعد ذلك يوقف على رجليه لمدة ساعات طوال تصل الى الايام وقد سمعت بعضهم يقول انها وصلت الى الاسبوع، في هذه الحال يراقبه الشرطة بالتناوب فلا يسمح له بالجلوس أو إسناد بدنه على جدار كما لا يمكن له استخدام دورة المياه وفي الوقت نفسه يجبر على تناول الطعام لضمان حاجته لدورة المياه، عدا عن ذلك يوسع المتهم ضربا بالأيدي وركلا بالأرجل وجلدا بالسوط «الهوز» اذا حاول الجلوس او الاتكاء على الجدار فيبدأ بالهلوسة والهذر بل وقضاء حاجته في مكانه.

والقسم الثاني وأقصد من يراد منه ان يعترف بنعم او بلا، فانه يتعرض لاسلوب شائع وهو التعليق بين طاولتين من الرجلين واليدين بواسطة قضيب قوي يكون كمحور يوضع في باطن الركبتين وقد يجبر المعتقل على الجلوس جلسة القرفصاء وتمد يداه الى ظاهر قدميه من اسفل القضيب وتوثقان بوثاق من حديد (الهفكري) ليبقى معلقا حتى ينفذ صبره، واذا عبر عن عدم قدرته على تحمل ذلك سمع القهقهات والضحكات الساخرة، وهم - المعذبون - مستعدون لكيل الضربات واللكمات على وجهه المتدلي الى الاسفل، وما ان يفقد المعتقل قدرته على الصبر، حتى يتم الاجهاز عليه ضربا بالــ «الهوز» على باطن قدميه البارزتين الى الاعلى.

قسم آخر يجبر على الجلوس على قنينة زجاجية، وقسم يهدد بانتهاك شرفه عن طريق تهديد زوجته أو أخته بالاغتصاب، وقسم يهدد بتطبيق «قانون امن الدولة» بأن يسجن ثلاث سنوات تجدد بعد انتهائها من دون محاكمة، ان هو اصر على عدم «الاعتراف» بالتهم الموجهة إليه، وقس على هذه الاساليب.

لماذا يمنع المتهم من الالتقاء بالمحامي اذا كانت التهم صحيحة، أليس ما نراه ونسمع عنه اليوم من ان المتهم يحق له الالتقاء بمحاميه كما حصل للمعتقلين في حوادث شارع المعارض وما حصل بالنسبة إلى الخلية المسلحة التي سجن فيها واحد من اربعة والثلاثة الباقون حكم عليهم بالبراءة أليس في ذلك ما يدل على التناقض بين هذا الواقع وذاك الحال.

لماذا يهدد المفرج عنهم باعادتهم إلى السجن ان هم اباحوا بما تعرضوا له من تعذيب وإيذاء؟ لماذا تغلق ستائر النوافذ من الجهة الشمالية عندما يبدأ التعذيب في مكتبه رقم 49 كي لا تتمكن عيون سكان المباني المقابلة من التقاط المشاهد التي تتم في هذه الغرف؟

لماذا يهدد المعتقل بالادلاء بالافادة كاملة من دون نقصان أمام قاضي الاعتراف بل ويتم عمل نسخة من اعترافاته لتذكيره بما أقر به تحت التعذيب أو بما كتبته أيديهم نيابة عنه؟

عند اعتقالي في العام 1987 طُلب مني أن اعترف بعلاقتي بشخص لا تربطني به صلة ولم اره اصلا، اراد مني ان اذكر له اسمه فلم أتمكن من ذلك فبدأ معي بتعليقة «الفيلقة» فلم اجد للاعتراف سبيلا، فقلت له - سائلا - وانا معلق هل تعرف اسم عمي؟ فرد قائلا : من عمك انا لا اعرف عمك. فرددت عليه قائلا: ها انت لا تعرف عمي، لانك لم تره ولا تربطك به رابطة، فكيف تريد مني ان اذكر لك اسم شخص لا أعرفه ولم اره قط. فرد مستهزئا : اليوم هاديو صاير فيلسوف بعد. وبقيت هكذا معلقا، وكلما اردت ان اخبرهم بعدم معرفتي به، تضايقوا من كلامي فجاؤوني بقطعة قطن كبيرة ووضعوها في فمي حتى لا اتكلم واخذوا يضربونني بالهوز على باطن قدمي ولم اتمكن من الادلاء بما يفيدهم، حتى جاء آخر وعرض علي الاعتراف بالاسم الذي سيتم إخباري به، وانزلني ولكن ازداد غضب فليفل وصب عليّ ماء باردا فارتجف جسدي من شدة البرد إذ المكاتب باردة جدا وكان جسمي حارا جدا وجاءني وانا ملقى على جانبي الايسر على الارض ووضع نعله على خدي الايمن وفركه حتى انزلع جلد خدي. ومن المفارقة المحزنة ان الذي توسط لانزالي قال لي بعد ان خرج فليفل من مكتبه: شوف ايش سويت في روحك والله يقول: ولقد كرمنا بني آدم!

أتحدى فليفل ان يبقى مصرا على اقواله التي ادلى بها في كل مقابلة هاتفية او شخصية، صحافية او في اجواء التحقيق القانوني منشورة او غير منشورة في «الوسط» او في غير «الوسط»، بشرط واحد، وهو ان يدلي بردوده واجاباته عن الاسئلة التي توجه اليه وهو تحت ضغط غير محتمل، هذا ابوحسن يسألك يا أبا حسن فأجب


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/345470.html