صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 417 | الإثنين 27 أكتوبر 2003م الموافق 17 ذي الحجة 1445هـ

توأما الشمولية والتطرف

كيف ينتشر التطرف... العراق نموذجا

الكاتب: محمد غانم الرميحي - comments@alwasatnews.com

يضع البعض يده على خده متعجبا ويسأل نفسه ومن حوله، لماذا كل هذا التطرف من حولنا؟ ولماذا انتشر في غفلة من الزمن حتى استشرى؟ وهم بذلك ينظرون إلى القريب دون البعيد. التطرف والشمولية هما اخوان توأمان، لا يولد واحد منهما دون الآخر، بل هما ملتصقان كما في أطفال التوائم الملتصقة، التي نسمع عنها كثيرا هذه الأيام، فصلهما عن بعضهما بعضا مخاطرة شديدة وألم بالغ، وان لم يكن هذا الفصل دقيقا ومحكما متبوعا بعناية سريرية دائمة تحت رقابة عين خبيرة، فان الاثنين قد يؤديان إلى تخريب المجتمع، فأين يكون التطرف تكون الشمولية، واين تكون الأخيرة يكون التطرف.

وابتلينا نحن العرب في السنوات الأخيرة بالتوأمين معا، وكل المحاولات التي تجرى لمحاربة التطرف لن تجدي، ان لم يكن في مقدورنا في الوقت نفسه وبالقوة نفسها والتصميم ان نقوم بمحاربة الشمولية.

التطرف والشمولية كلاهما غلو في استخدام السلطة، اكانت هذه السلطة مادية في حال الشمولية أو معنوية في حال التطرف.

ولهذا الايجاز تفسير وامثلة كثيرة تجري يوميا من حولنا، فان اتفقنا ان الحكم العراقي السابق هو حالة ظاهرة وغنية عن التفسير من حالات الشمولية المثقلة بالقمع والاكراه، إلى درجة جعلت من معظم العراقيين آلات صماء في نظام قمعي ودموي شرس. واقتنع كثير من العراقيين ان اتقاء الموت أو العذاب أو التشريد كالانخراط في أي نشاط انساني يدافع عن الحقوق الأولى والطبيعية للانسان، فان فك الارتباط الذي قامت به القوات الدولية هو بمنزلة عملية خطيرة ودامية لفصل التوأمين، التي مازالت آثارها السلبية مستمرة، وهي مستمرة في عدد من الاشكال. الأولى هي (القتل والتدمير المتعمد) والثانية بروز تيار ولو صغير يحاول ان يعيد التوأمة من جديد إلى سيرتها الأولى، أي ان يبدأ بالتخويف وصولا إلى الشمولية والقمع التي بدورها ستنتج نوعا آخر من الإرهاب.

«ظاهرة التخريب» في العراق ليس لها رأس، وأول ما تتصف به المقاومة في تاريخ أي شعب ان يكون لها رأس ولها برنامج ولها عنوان محدد، وهذه المقاومة الفلسطينية بقربنا وتلك المقاومة في ايرلندا الشمالية وفي كشمير وفي غيرها من البلدان ليست بعيدة عنا، سواء وافقنا أو لم نوافق على تكتيكاتها المختلفة، فانها مقاومة برأس واضح، لها قيادة ولها برنامج وأهداف تريد تحقيقها.

المقاومة في العراق ليس لها هذا الرأس، بل هي مقاومة ان صحت التسمية هلامية ومتعددة الاغراض، وهي في توصيف ادق جزء من الآلام المبرحة لعملية الفصل بين التوأمين، التسلط والشمولية من جهة، والإرهاب من جهة أخرى.

أما الجزء الثاني من آلام عملية الفصل في العراق فهو محاولة عودة الشمولية (التي يلحقها الإرهاب)، وما محاولات السيدمقتدى الصدر لمصادرة الآراء كلها ووضعها تحت عباءته، والقول انه ممثل لكل العراقيين بدليل التهديد بتشكيل حكومة، والسعي الفعلي إلى تكوين جيش، ويساعده في ذلك إعلام ومنظمات عربية تعشق العودة بشكل ما للشمولية، ما كل ذلك إلا الطريق الأفضل للعودة إلى شمولية، بعد أن انتهى عصر الشمولية الأولى التي كانت تحت «مظلة قومية».

الطبقة الوسطى العراقية معنية بذلك، فقد خبا صوتها منذ اشهر، وما نراه على الساحة العراقية إلا صوت «التطرف» الذي اصبح عاليا يصم الآذان، ومن الملاحظ أن تصريحات السيد مقتدى الصدر وأفعال جماعته لم تنل من الاعلام العراقي الداخلي أي تدخل أو نقد، ذلك الخوف يقود إلى السكوت، ويقود الأخير إلى الاستسلام ثم فرض الشمولية، أما المستقلون من العراقيين في الخارج فلا يزال صوتهم ضعيفا تجاه هذه الممارسات. وإن سكت العراقيون على ممارسات الصدر وتعبئته لميليشيات قتالية شعبية تحت أي ظرف فهو الطريق الواضح تجاه شمولية من نوع آخر عانى منها العراقيون في العقود الأربعة الأخيرة - على الأقل - ما عانوه من ظلم وتشريد وقبور جماعية.

من حق السيدمقتدى الصدر أن يفكر كما يريد، وان يدعو إلى ما يعتقد انه الصحيح، ولكن ليس من حقه أن يفرض آراءه بقوة الميليشيات المسلحة. جرب العراق وغيره ثقافة الطاعة المطلقة فتركت جروحا غائرة في جسم الوطن. وجرب العراق وغيره ثقافة الرفض فتركت جروحا أعمق وصلت إلى حد اقتتال الإخوة، ولم يعد أمام الجميع إلا أن يجربوا ثقافة الحوار القائمة على مبدأ اساسي، وهو أن لا أحد يملك الحقيقة الاجتماعية أو السياسية المطلقة، الحقيقة النسبية تصل إليها الإطراف المختلفة في المجتمع عن طريق الحوار.

عرف العراق وغيره الحكم الشمولي عندما صادر الحاكم حتى ذرائع مختلفة حرية الحوار وقمع الرأي الآخر. وهو أمر جربته الإنسانية في الكثير من المجتمعات، فلم ينتج عنه غير التطرف. الموافقة على قمع حرية الآخر لأي سبب وبأية ذريعة هي مقدمة لقمع آخرين قد تكون الفئة المستفيدة اليوم من القمع هي ضحية القمع التالي، فلا سبيل لبناء الأوطان غير اطلاق حرية النقاش المقنن الحر. من دون سقف تهديد أو وعيد. ولا تزدهر ثقافة الحوار من دون حرية في الرأي ونقاش للقضايا المطروحة في الساحة الوطنية، لن يتم انضاجه إلا بالحوار، فهو لا يتم لا بالقمع ولا بالإرهاب. الحوار ليس مطلوبا فقط، بل ضروريا للخروج من المأزق التنموي والسياسي الذي يجد عرب اليوم أنفسهم فيه.

العراق ليس إلا نموذجا في ما ينتهي إليه قمع الحريات، إلا انه ليس الوحيد في منطقتنا العربية الشاسعة، وكلما ضيقنا على الآخر قول رأيه، قدمنا فرصا أفضل لأن يخرج هذا البعض عن النسيج الاجتماعي، ويدعو إلى وسائل أخرى منها العنف الأعمى. أي عاقل يرى أن العنف و«الإرهاب» المشاهد اليوم اشترك في بذره طرفان، لكل منهما دور في ما تحول إلى ما يعرف اليوم بالإرهاب، الأول أن الولايات المتحدة عندما كان يلائمها تجنيد الناس في منطقتنا لحرب السوفيات في افغانستان شجعت ذلك بكل ما تستطيع من اقناع، وجهزت المجاهدين بالسلاح، وفتحت لهم أبوابا كثيرة على أراضيها لنشاطهم وباركت القوى التي تقف خلفهم. والثاني أننا كعرب، وخصوصا في المشرق الفائض في الرجال والمال ساعدنا تلك الفكرة وعضدناها بالمال والرجال، بل وسخرنا الكثير من طاقتنا لتحقيقها. وكان الرجال على استعداد كامل لتلبية النداء، لانهم ثُقفوا بثقافة العداء المطلق للآخر، وأصبح لديهم وعي غير قابل للمنازعة بأنهم إنما يفعلون الأمر الصحيح.

وكلما قربنا من الاعتراف بالحقيقة تلك بشقيها، قربنا من علاج المشكلة التي تتفاقم، وتعرفنا على الوسائل التي تخرجنا جميعا من هذا المأزق.

أول ما نتعلمه هو فك الارتباط بين الاجتهاد المطلوب و«الجهاد» المدمر، وتحديد مفهوم للاثنين دقيق ومعاصر، وهو عمل يبدأ بالمدرسة والمنزل، وينتهي بوسائل الاعلام الكثيرة المنتشرة، وحتى ينجح ذلك لابد أن نفرق في المتابعة والمعاقبة بين قول الرأي الذي يجب أن يكون مكفولا وبين الفعل السلبي الذي يجب ان يكون مستنكرا وبشدة. على عكس من يقول ان الحرب على «الارهاب» هو في تقليص الحريات، الحرب على «الارهاب» هو في اطلاق الحريات المقننة، وبهذا يتقلص التطرف ويذبل بكل مدارسه وتوجهاته


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/348325.html