صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2344 | الأربعاء 04 فبراير 2009م الموافق 03 جمادى الأولى 1444هـ

عندما يكون المال والإعلام أقوى من الحقيقة

رصاصة الثري تخطئ شارلي شابلن وتقتل راعي البقر

هوليوود والجريمة... اسمان ارتبطا على الدوام، ولكن عبر آلاف الأفلام التي أنتجتها عاصمة السينما العالمية، جاعلة للجريمة المكان الأول فيها. الجريمة كانت ولاتزال عنصر جذب رئيسي في السينما الهوليوودية، مهما كان مستواها وشأنها. ويقينا أن أحدا لا يمكنه إحصاء عدد الجثث أو كميات الدماء، أو ترسانات الأسلحة التي تملا أفلام هوليوود.

هوليوود كانت عدا عن ذلك مصنع الأحلام. لكنها في بعض الأحيان كانت مصنع الكوابيس. ففي مرات كان السحر ينقلب على الساحر. الجرائم التي كانت هوليوود تتفنن في تصويرها في أفلامها، كان يحدث لها أحيانا أن تكون حقيقية وتكون هوليوود نفسها مسرحا لها. في مثل هذه الحالات كان الأمر أما أن يسفر عن فضيحة وأما أن يحاط بالصمت المتواطئ التام. هنا بعض الحكايات الحقيقية: حكايات جرائم كانت هوليوود وعالمها مسرحا لها. جرائم بعضها ظل التكتم نصيبه وبعضها أحدث ضجة في حينه. وفي الحابة الأولى هذه نقل مقتل الممثل والمنتج والمخرج توماس أنس. توماس كان الضحية، ولكن على الأرجح كان الضحية غير المقصودة. الحكاية حقيقية، شبه منسية الآن. أما أبطالها فيحملون أسماء كبيرة «الملياردير ويليام هيرست، والفاتنة ماريون دايفيز»، إضافة إلى شارلي شابلن وأنس. وهنا الحكاية.

«ربما كان ذلك أكبر تجمعا بشريا ومجمعا لأهل المهنة والنجوم، عرفته هوليوود منذ اللحظة التي صارت فيها عاصمة للسينما في العالم. وكان ذلك عبارة عن لقاء جرى في قاعدة مسرح هوليوود المصري المعروف باسم غراومون، يوم الأحد الماضي عند الساعة 11 ظهرا. ففي تلك الساعة جاء أهل هوليوود كلهم، وأهل صناعة السينما في شكل خاص، ليتذكروا توماس أنس ويحيوا ذكراه».

هذا ما كتبته صحيفة «أخبار السينما» الهوليوودية يوم 6 ديسمبر/ كانون الأول 1924، عن حفلة التأبين التي أقيمت للفنان الراحل، والذي كان قضى قبل ذلك بأكثر من أسبوعين. لقد تفنن كثيرون يومها في الحديث عن أنس ومآثره ودوره في نهضة الصناعة السينمائية، لكن أيا من الخطباء الكثيرين لم يجد أن المناسبة صالحة للحديث، علنا، عن الظروف التي قضى فيها نجم أفلام رعاة البقر ذاك. ومع هذا كان بين الحضور عدد من الذين واكبوا تلك الظروف وعرفوا حقا أن توماس أنس لم يمت، كما قالت التقارير الطبية الرسمية، جراء ذبحة قلبية أصابته، بل بفعل رصاصة أطلقها عليه المليونير ويليام راندولف هيرست. وربما عن طريق الخطأ. لم يتحدث أحد عن ذلك علنا، لكن الهمسات كلها كانت تدور من حول الواقعة. من حول تلك الجريمة التي كانت أول جريمة حقيقية كبيرة تعرفها هوليوود التي كانت تأسست حديثا كمكان لصناعة الفن السابع. والغريب في الأمر أن أورسون ويلز، عبقري هوليوود الأكبر، حين حقق بعد ذلك بأكثر من عقد ونصف العقد من السنوات، فيلمه الشهير «المواطن كين» الذي يتابع فيه فصولا من حياة هيرست، تعمد إلا أن يأتي، ولو بالإشارة، على ذكر حادثة مقتل أنس، وذلك على رغم أن الفيلم استوحى أحداث حياة بطله تحديدا من خلال علاقته بالفاتنة ماريون دايفيز، التي كانت السبب المباشر لتلك الرصاصة التي أطلقها هيرست على توماس أنس وأردته قتيلا.

ولكن هنا، لكيلا تختلط الأمور على القارئ ويجد نفسه تائها بين أسماء الأفلام والأشخاص، يتعين أن نعود إلى الحادثة نفسها، ليس لأهميتها، بل أيضا لنكشف من خلالها عن تورط عدد من أصحاب ألمع الأسماء، تواطؤا أو صمتا، ومن بينهم شارلي شابلن. وربما لمجرد أن هيرست كان من السلطة والثراء بحيث إن أية مشاركة في فضح ما اقترفه ومسئوليته عنه، كان من شأنها أن تدمر من يقدم على ذلك وسنرى كيف أن سلطة هيرست تمكنت من أخفاء معالم الجريمة.

قوة المال

تبدأ الحكاية، طبعا، مع ويليام ر. هيرست، الذي لم تكن ثروته تقل في ذلك الحين عن 400 مليون دولار، وكان أمبراطور صحافة ومشاركا في تمويل بعض الأفلام، وخاصة حين تكون عشيقة له مرشحة لبطولة الفيلم. وماريون دايفيز كانت، في ذلك الحين نجمة السينما الصامته وعشيقة هيرست، لكن هيرست كان يشك في أن شارلي شابلن يغازلها ويحاول أن يسرقها منه. في ذلك العام 1924 كان هيرست في الثانية والستين من عمره، وكانت ماريون في السابعة والعشرين. وكان معروفا أن هيرست، بنفوذه وأمواله، صنع نجومية ماريون من أولها إلى آخرها، وراح يفرضها على المنتجين والمخرجين. ولاحقا سيقول النقاد إن الحسناء كانت موهوبة ولم تكن في حاجة حقيقية إلى تلك الرعاية المكبلة. وكانت الرعاية مكبلة حقا، لأن هيرست كان شديد الغيرة غير واثق من نفسه، سريع الغضب. ومع هذا كان محبا للحياة كريما، وذا حسن تحد كبير. وهذا الحس هو الذي دفعه حين أقام حفلة للاحتفال بعيد ميلاد النجم اللامع في ذلك الحين توماس أنس، إلى دعوة عدد كبير من النجوم، ومن بينهم «غريمه» المفترض شارلي شابلن.

في ذلك الحين كان أنس في الثانية والأربعين، وكان أسس شركة انتاج خاصة به، ويحتاج إلى دعم مالي وصحافي. وكان يعرف أن هيرست قادر على ذلك. ومن هنا لم يكن الاحتفال على يخت هيرست «أونيدا» في خليج سان دييغو، بعيد ميلاد النجم، سوى مناسبة للقاء ومناقشة أعمال مقبلة يرعاها هيرست ويحققها أنس وتمثل فيها ماريون دايفيز.

كل هذا طبيعي ومنطقي في حسابات هوليوود في ذلك الزمن. لكن الغريب كان أن يدعى شارلي شابلن إلى الحفلة. وسيقول كثيرون إن حس التحدي لدى هيرست هو الذي كان وراء دعوة نجم الكوميديا، حيث أن هيرست كان يريد أن يبرهن لشابلن عمليا أنه الأقوى. وشابلن اصطحب معه في سيارته يومها، خلال توجهه إلى اليخت، الصحافية لويلا بارسونز التي كانت متخصصة في الكتابة عن الفضائح والأسرار الهوليوودية.

من بين الحضور كان هناك نخبة من نجوم هوليوود وصحافييها، وكذلك الكاتب الينور غلين، والمنتج الطبيب الدكتور دانيال غودمان. حينها، ما إن اكتمل عقد المدعوين، حتى بدأ الشرب والمرح، وبدأ الثري هيرست كعادته واثقا من نفسه، مسيطرا على أعصابه، غير أن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في مراقبة شارلي شابلن وتصرفاته. ولكن هل تراه كان يراقب شابلن وحده، أم أنه -في الوقت نفسه- كان يراقب أيضا تصرفات توماس أنس؟ إن هذا السؤال مهم للغاية، من أجل الوصول إلى تفسير أفضل لما سيحدث بعد ذلك.

وما حدث بعد ذلك كان شديد الخطورة مربكا. كان واحدة من أولى الجرائم الحقيقية التي عرفها مصنع الأحلام الهوليوودي، ذلك المصنع الذي كان من عادته أن يصور الجرائم على الشاشة، من دون أن يخيل إليه أن ما على الشاشة، يمكن أن يتحول إلى حقيقة معاشة.

وما حدث، حدث على الشكل التالي:

كانت الحفلة قد وصلت إلى ذروتها، وكان الحضور يتوزعون بين أنحاء اليخت، يصخبون ويشربون. وكان يبدو على هيرست الانتصار. وخاصة أنه بات مؤكدا أن تلك الحفلة ستسفر عن مشاريع عديدة تلمع من خلالها نجمته وعشيقته. ولكن فجأة، وفي غفلة ما، سمع الجميع صوت ماريون دايفيز المبحوح والذي يشبه التثاؤب، يصرخ صرخة مروعة إذ قالت: «القاتل... القاتل» وتلا ذلك صوت إطلاق رصاصة واحدة. وهرع الجميع إلى القمرة التي انطلقت منها الصرخة ليجدوا توماس أنس مضرجا بدمائه وقد اخترقت رصاصة رأسه. لم يكن ميتا بعد، كان جريحا وحسب، لكن ماريو دايفيز كانت ترتجف ولم تعد قادرة على الكلام، وسيقال أنها أيضا سقطت مغشيا عليها.

كان هذا ما حدث. لكن أحدا خارج الحضور لم يعرف به. وأحدا لن يتمكن من إيجاد التفسير الحقيقي والنهائي له. ما أجمع عليه الحضور كان أن هيرست هو الذي أطلق الرصاصة. فلماذا تراه أراد قتل توماس أنس، المنتج والنجم الذي كان يعول عليه كثيرا.

تفسيرات

حسنا... هنا تتنوع التفسيرات فالبعض سيقول لاحقا، إن الذي حدث هو أن شارلي شابلن انتهز فرصة التهاء هيرست بضيوفه، واصطحب ماريون إلى غرفة جانبية للاختلاء بها. ولقد قيل أن شابلن كان في حاجة إلى ذلك النوع من العزاء، إذ إنه كان في ذلك الحين يعاني مشكلة صعبة، إذ إن المحكمة كانت أجبرته على الزواج من الفتاة ليتا غراي (16 عاما) التي كان أغواها وحملت منه، وأقام أهلها عليه دعوى ربحوها. شابلن لم يكن يحب ليتا أبدا، وكان وحيدا وضجورا، فوجد الفرصة سانحة له لكي يعيد علاقته مع ماريون، بعيدا عن أنظار هيرست. ولكن يبدو أن هذا الأخير لاحظ ما يجري فأسرع يلتقط مسدسه، لكنه بدلا من يصيب شابلن، أصاب أنس تلك الأصابة القاتلة.

هذا تفسير. أما التفسير الآخر، فيقول إن شابلن لم تكن له أدنى علاقة بما حدث. كل ما في الأمر أنه في لحظة ما، كان توماس مختليا بماريون دايفيز لسبب في غاية البراءة، لكنه إذ كان يدير ظهره إلى المكان الذي كان هيرست يقف فيه، وكان من الخلف يشبه شابلن، خيل إلى هيرست أن شابلن يحاول مغازلة ماريون، فأطلق الرصاص ليجد، لهوله، أن الضحية إنما هو شريكه المفترض.

وأيا يكن التفسير الصحيح والمنطقي، المهم في الأمر أن رصاصة هيرست أصابت من توماس أنس مقتلا، وأن الحضور كما يبدو اتفقوا على أن يسكتوا ولا يخبروا لا السلطات ولا الصحافة بما حدث. ومن هنا ظل كثيرون يعتقدون لفترة طويلة من الزمن أن توماس أنس إنما مات، لأنه لم يصغ إلى نصائح طبيبه الذي كان يعالجه من القرحة وبعض الالتهابات التي كان مصابا بها، حيث إنه «خلال تلك الحفلة نفسها، أفرط في الطعام والشراب» ما أمرضه حقا وجعله يقضي بعد ذلك بيومين بفعل تلك الذبحة القلبية التي نجمت عن الإفراط!

كانت تلك هي الرواية الرسمية التي ظلت متداولة، أو أريد لها أن تظل متداولة، حيث إن السلطات الرسمية نفسها وجدتها أخف ثقلا من الحقيقة التي كان من شأن الاعتراف بها، في ذلك الحين، الإساءة إلى سمعة هوليوود، و«إغضاب» هيرست الذي كان واحدا من أكبر أصحاب النفوذ في عالم المال والإعلام في الولايات المتحدة. والمؤكد هو أن هيرست، وعلى الأقل أمام السلطات التي استجوبته شكليا، أكد بشهادة الشهود أن الرصاصة انطلقت خطأ، ما دفع إلى حفظ التحقيق.

ونعود إلى يوم الحادثة نفسها. أو إلى الصباح الذي تلا تلك الليلة.

هنا... إن أحدا لم يتحدث، كما نعرف حتى ولا الصحافية التي كانت في رفقة شابلن والتي كان هذا النوع الحديث من اختصاصها، عما دار حقا وعن الجو الذي ساد بالفعل، بين اللحظة التي سقط فيها توماس انس مضرجا بدمائه، واللحظة التي عاد فيها اليخت إلى الشاطئ عند فجر اليوم التالي. كل ما في الأمر أنه ما إن وصل المركب إلى الشاطئ، حتى هرع شابلن يغادره، في السيارة التي كان سائقه كونو ينتظره فيها. وهذا السائق سيروي لاحقا أنه شاهد توماس أنس ينقل فاقد الوعي وفي رأسه ثقب، وفي رفقته المنتج - الطبيب الدكتور غودمان، العامل أصلا لدى هيرست. أنس سيموت في اليوم التالي متأثرا بجراحه. أما هيرست فإنه جمع ضيوفه والخدم على ظهر المركب واتفقوا جميعا، على الرواية الرسمية التي «يجب» أن تروى بشأن الحادثة: الرواية التي ستقول إن موت أنس سببه الإفراط. وكانت شهادة الدكتور غودمان في هذا الصدد حاسمة.

ثرثارون

ولكن هل صمت الجميع حقا؟

ليس تماما. ففي اليوم التالي للحادثة صدر عدد من صحيفة «لوس أنجيليس تايم» المنافسة لصحف هيرست وعلى صفحتها الأولى عنوان عريض يقول: «إطلاق الرصاص على منتج سينمائي على يخت هيرست». ولكن في الطبعات اللاحقة لليوم نفسه من الصحيفة لوحظ كيف أن العنوان الرئيسي والمقال الذي يرافقه اختفيا تماما من الصحيفة، في الوقت الذي «لإبركت» فيه صحف «هيرست» حكاية جديدة تقول إن انس إنما مات إذ أصيب يذبحة قلبية فيما كان يقوم بزيارة هيرست في مزرعته. وهكذا ضرب طوق من الصمت حتى من حول الحفلة واليخت والحضور الآخرين.

والملفت هنا أن وجود شابلن على ظهر اليخت نسي تماما. وكان هذا في صالحه على أية حال. بل إنه هو نفسه لم يعمد، لاحقا، إلى الإشارة إلى تلك الحادثة. واضح أنه كان لديه من الأسباب ما يدفعه حقا إلى تناسي كل ما حدث.

ولكن ماذا عن الصحافية لويلا بارسونز، وماذا عن قلمها المر؟

الأمر هنا في غاية البساطة: بعد أن نسي وجود لويلا لفترة من الزمن (شهرين مثلا) عاشت خلالهما متخفية في نيويورك، صدر أمر من ويليام هيرست بتعيينها مسئولة عن الصفحات السينمائية في جميع الصحف والمجلات التي يملكها ذلك الثري القادر. وهذا ما يفسر، صمتها، بالطبع.

ولكن، هل حقا صمت الجميع؟ وإذا كانوا قد فعلوا، كيف عادت الحقيقة وتسربت؟

من سوء حظ هيرست وضيوفه، أنه كان ثمة حسناء أخرى على ظهر اليخت هي فيرا بورنت (كان عملها أن تحل محل ماريون دايفيز في المشاهد الصعبة)، ويبدو أن فيرا هذه سئمت وضعها وأحبت أن تساوم لكن أحدا لم يستجب لها، فراحت تثرثر. وكان من أول ما قالته إنها شاهدت شابلن يغادر المركب عند رسوه في الميناء، ليس في رفقة لويلا وحدها، بل كذلك في رفقة ماريون دايفيز، التي شاء هيرست أن يهربها باكرا، حتى ولو اضطر إلى أن يعهد بها إلى غريمه! ثم كان هناك سائق شابلن، المدعو كونو، الذي راح يثرثر بدوره، كما فعل الكاتب غلين الذي كان بين الحضور.

يومها أدت ثرثرة هؤلاء إلى فتح التحقيق من جديد. ولكن عبثا. فالحال أن شهادة الدكتور غودمان كانت من جديد حاسمة وكافية. السلطات، على الأقل اكتفت بها. وضاعت الحقيقة، أما جبروت المال والسلطة، وانتهت حياة نجم أفلام رعاة البقر، تلك النهاية البائسة.

أما هيرست فإنه سرعان ما نسي كل ما حدث، كما يبدو، وراح يبحث لفاتنته عن منتج وممثل جديد يتبناها، بينما وعدته هي، كما يبدو أيضا، بأن تخرج شارلي شابلن من حساباتها إلى الأبد.

أما التعليق الذي يمكننا أن نختم به هذه الحكاية، فهو ذاك الذي قاله، ذات يوم، دايفيد وورك غريفيث أحد كبار منتجي هوليوود ومخرجيها، حين لاحظ «أننا في كل مرة نحاول فيها أن نذكر أسم توماس أمام ويليام هيرست، يشحب لون هذا الأخير ويرتبك. ولعل في هذا وحده دليلا على أن الحكاية برمتها حكاية قذرة، غير أن هيرست أقوى كثيرا من أن يمكن لأحد أن يورطه فيها».

@من كتابه «حكايات صيفية


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/36109.html