صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 529 | الإثنين 16 فبراير 2004م الموافق 05 محرم 1446هـ

«الشرق الأوسط الكبير» (3)

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

التقرير الذي طرحته الولايات المتحدة على الدول الصناعية الثماني لإقراره في قمة سي آيلاند في يونيو/ حزيران المقبل هو أقرب إلى الفضيحة السياسية - الخلقية منه إلى كونه محاولة لفهم منطقة تعرضت للكثير من الحروب والغزوات التي استنزفت طاقاتها البشرية ومواردها الطبيعية. فالتقرير يدّعي أنه يقول الكثير لكنه لا يقول الجديد ولا يضيف معلومات إلى ما تعرفه الأدبيات السياسية في المنطقة. فكتبة التقرير استخدموا معلومات قديمة وخلطوا الدول ببعضها بعضا، وانطلقوا من النتائج وتجاهلوا الأسباب والمسببات، وأخذوا ما يعزز قناعاتهم المسبقة من دون تمييز بين البلدان واختلاف مستوياتها وأساليب حكمها ووسائل عيشها واستثماراتها.

وبسبب تلك المناهج جاءت الأرقام والمعادلات غامضة وتعوزها الدقة. فهناك كثير من الإحصاءات قديمة وبعضها يعود إلى عشر سنوات وأحيانا أكثر من عشرين سنة وأكثر. ولم يقتصر الغموض على الأرقام بل شمل الاستنتاجات التي خضعت بدورها للسياسة وليس للوقائع. فالتقرير يتحدث مثلا عن تشجيع الديمقراطية و«الحكم الصالح» ولا يعرِّف معنى تلك المصطلحات وكيفية تطبيقها منهجيا. والتقرير يتحدث أيضا عن الفجوة الاقتصادية وضرورة توسيع فرص العمل ولكنه لا يطرح سوى بعض الصيغ البديهية من نوع وضع نظام للقروض وتسليف المؤسسات الصغيرة بمبلغ يتراوح بين 400 و500 مليون دولار يقسط على خمس سنوات.

هذا الكلام لا يجدي نفعا في منطقة تملك المليارات من الدولارات مودعة في المصارف الأميركية والأوروبية. فالأموال العامة والخاصة التي تعود ملكيتها لشعوب المنطقة تقدر بأكثر من تريليون و400 مليار دولار. الودائع العربية في الخارج تقدر بأكثر من 1400 مليار من الدولارات والتقرير يتحدث عن قروض تتراوح بين 400 و500 مليون دولار أي أقل من نصف مليار دولار.

كتبة التقرير لا يتحدثون عن الودائع العربية وضرورة التشجيع على عودتها إلى بلدانها وإعادة استثمارها في مشروعات منتجة وقطاعات اقتصادية تتناسب مع حاجات السوق لسد ما يسميه التقرير الفجوة الاقتصادية وتأمين ملايين فرص العمل للطاقات الشابة أو للكتل المتعلمة التي تقذفها عشرات الجامعات سنويا إلى سوق العمل ولا تجد مجالات محددة للتشغيل فتضطر إلى السفر بحثا عن وظائف.

التقرير يتجاهل الودائع العربية أو تلك الرساميل الهائلة الحجم في البلدان الأوروبية وأميركا وإنما يتحدث عن قروض وديون لتمويل مشروعات تنمية على المديين المتوسط والبعيد، وعن إصلاح النظام المالي وخفض سيطرة الدولة على الخدمات المالية. فالتقرير يدفع الأمور نحو الأسوأ لأنه يضغط لفتح الأسواق المالية العربية (أو الشرق الأوسط الكبير) لتدخل المصارف الأجنبية الضخمة إلى السوق وتبدأ في منافسة المصارف المحلية وابتلاع ما تبقى من ثروات مالية وودائع لاتزال موجودة في المنطقة في محاولة جديدة لتسفيرها (تحويلها) إلى أوروبا وأميركا لتنضم إلى الـ 1400 مليار دولار الموجودة حاليا هناك. ويتحدث التقرير عن إصلاح نظام التبادل التجاري بين دول الشرق الأوسط نفسها باعتبار أن نسبة التجارة بينها لا تشكل سوى 6 في المئة من تجارتها مع الخارج (أوروبا، أميركا، ودول آسيا). ولكنه لا يتحدث عن الأسباب التي جعلت التجارة (التبادل) بين الدول العربية (والشرق أوسطية) ضعيفة (وهي التي تنادي بالوحدة والعروبة والتضامن الأخوي) وقوية مع الدول الكبرى التي تدعم «إسرائيل» وعدوانها على العرب والمسلمين.

التقرير في هذه المسألة يتجاهل أيضا الأسباب ويقتصر حديثه على النتائج. فالتجاهل يخدمه لأنه يغطي دور العامل الدولي في إضعاف الترابط الأفقي بين دول الجوار وتعزيز نظام التبادل العمودي بين كل دولة عربية (أو مسلمة) والدول الأوروبية والأميركية. فالفريق الذي كُلف بكتابة التقرير تجاهل عن عمد تفسير الحقائق واكتفى بسرد النتائج وتجهيل الفاعل وهو هنا نظام العلاقات الدولي الذي يقوم أصلا على أساس تقسيم وظائف الدول بين المركز (المال والصناعة) والأطراف (المواد الأولية والخامات) وربط تلك الأطراف (الدول التابعة) بمصالح المركز (الدول المتبوعة). فضعف التبادل التجاري بين الدول الريعية (غير المنتجة) يعود أساسا إلى نظام العلاقات الدولي الذي قسم الأدوار بين دول منتجة ودول مستهلكة واستتباعا بين دول صناعية ودول منتجة للمواد الأولية. فالضعف البنيوي أساسه السياسات الدولية التي تعتمد نظام التبادل العمودي وتمنع قيام نظام الترابط الأفقي قطعا لاحتمال قيام محاور (تكتلات) اقتصادية إقليمية. وهذا حديث آخر


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/370592.html