صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 531 | الأربعاء 18 فبراير 2004م الموافق 05 شوال 1445هـ

الجمهورية الإسلامية في يوبيلها الفضي

تاريخ الروح المتحقق من ذاته

الكاتب: طراد حمادة - comments@alwasatnews.com

أول ما يتبادر إلى الذهن، حين يحتفل نظام سياسي ما بيوبيله الفضي، هو السؤال عن النمو والنماء في عمره الزمني، ويضاف إليه عمره العقلي أو المعرفي ثمّ يُنسب هذا إلى ذاك ويقاس عليه في حساب الجمع والقسمة، ويحكم على محصلته، في نتيجة العمليّة الحسابيّة، ويحوّل الكيف إلى كم في عملية القياس لتصدر النتائج المترتبة عليه. نعم يحصل كل ذلك في الذهن البشري لأن أحوال الدول والممالك أعمار. هكذا عرّفها صاحب المقدمة الشهيرة عبد الرحمن بن خلدون ووافقه عليها المؤرخون، وأضحت الذاكرة الإنسانية مليئة بلائحة تشبه جردة الحساب مع هذه الدولة أو تلك وعادة ما تقدم حسنات النظم والممالك في متن الذكريات، فيما تنبت الأخطاء على هامشها، كأعشابٍ طفيلية على جنبات الحدائق.

ما الذي تقوله الذاكرة الحيّة، ويقوله حساب الزمن في عمر الجمهورية الإسلامية في إيران وهي تحتفل بيوبيلها الفضي، وقد بلغت من عمرها الزمني والعقلي خمس وعشرين عاما. والذاكرة في هذا المحل، تشبه ما ذهب إليه برغسون من الدفق الحيوي للروح، ويصبح معها عمل المؤرخ السياسي، أو الذاكرة التاريخية تحويل هذا الكيف من الدفق الحيوي للروح إلى كمٍ متراكمٍ من الأعمال والسياسيات في حقول الحياة العامّة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والعسكريّة والعلميّة، تكون محل فحصٍ واختبار لكل صاحب علم في موضوعه وميدان علمه، يشغل فيها مناهجه وأدواته وتقنياته، يستخلص النتائج ويقدّم محصلتها العامّة.

من أين يبدأ الناظر في هذه الخريطة الواسعة من السياسات والأعمال، وكيف يحدّها في منهاج قياسي ويحوّل كيفها المتغيّر إلى كم متراكم، ثمّ يصدر أحكامه نتائج قوليّة محكومة بحساسيّة اللّغة. وهل نجد سبيلا إلى أحكام موضوعيّة، لا يدخل فيها العامل الذاتي محورا ومعدلا وموجها وأين يكون لباحث في تاريخ معاصر من شهود على تاريخ أصلي لا يزال محل تطور وتحوّل وبعض أحداثه ووقائعه لا تزال في سياق مسارها التاريخي لم تبلغ نتائجها أو هي على طريق الوصول إليها بعد وقت قريب.

لا يعني هذا القول أن خمسا وعشرين سنة من عمر الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، هي مرحلة أولى، في قياس عمر الدول والممالك، ولا أنّنا في مرحلة القوّة قياسا على العمر الزمني للكائن الإنساني، إنها مزيج بين هذا وذاك، يكون فيها الحاضر جمعا لإنجازات الماضي وتفاعلا معها وبناء لآمال المستقبل وتأسيسا لها.

تقول ذاكرة الحاضر، إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، نظام سياسي وثقافي ثابت الأركان، وتداول السلطات فيه يحصل وفق دستور مؤيّد من الشعب، ومستفاد من الشرع ومستفيد من النظريّات الدستوريّة المعاصرة، الأمر الذي يجعل منه تطبيقا خلاقا لنظريّة الحكم في الإسلام، أعطاها الاجتهاد الفقهي في محله، سمة المعاصرة والتعايش مع أنماط أخرى من الحكم في حوار وتعاون متبادلين، وأن المؤسسات الدستوريّة تعمل وفق هذا النظام باستقلال وتعاون يسمحان بانطلاق جهاز إدارة شئون البلاد ودفعها في طريق النمو المضطرد والتقدم الواثق، السلطات فيها منفصلة ومتّصلة، وذات استقلال وسيادة وفعاليّة في نطاق عملها الخاص، ولا يعني ذلك عدم وجود عقبات، ولا نشوء أزمات بل لعلّ العقبات والأزمات جزءٌ من فعل المؤسسات واشكاليّة العمل وطبيعة الإدارة، ويمكن وصف هذا الشكل من الإدارة في الحكم بالحريّة والديمقراطيّة والعدالة، والنظر إلى السياسة في نطاقها كعمل شرعي (سياسة شرعية) وفي نطاقها كعلم قائم بذاته (سياسة وضعيّة) الأولى تقوم بدور الأساس للبناء، والأخرى تقوم بدور الآلة للبناء، أو علم البناء وفنّه، وإذا تعدّدت المصادر، بتعدد الخصائص، صار الاجتهاد موضع الإبداع الخلاّق في العمل السياسي، وصارت موضوعات من نوع العلاقة بين الموالاة والمعارضة جزءا تكوينيا في العمليّة السياسيّة، ولذلك تتصاعد أصوات الضجّة في المشهد السياسي الإيراني، كما هو الحال في موضوع انتخابات البرلمان الراهنة، لتكشف في دائرة الحوار، الذي يشبه التفكير بصوت عالٍ، مستوى ما بلغه المشهد من ممارسة حريّة الرأي وقواعد اللّعبة الديمقراطيّة.

وتقول ذاكرة الحاضر، إن الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، قوّة سياسيّة إسلاميّة ودوليّة بارزة، استطاعت أن تحلّ المشكلات الداخليّة في سياق من الحوار، على كفّة الأمان الداخلي وثبات أركان النظام، وأن تقييم سياسة خارجيّة ناجحة في عالم مضطرب قريب منها وبعيد عنها، وأن تتحوّل إلى لعب دور التوازن، المستفاد من العقلانيّة السياسيّة، والاعتدال الإيجابي، في محيط إقليمي يزداد اضطرابا، استطاعت إيران أن تخرج منه بمكاسب صريحة وأن تطوّق كل محاولات العزل والاحتواء السياسي، والمحاصرة الاقتصاديّة والحملات الإعلاميّة، والتهديدات الأمنيّة، لصالحها وصالح شعوب المنطقة الإسلاميّة المحيطة بها من أفغانستان إلى العراق، وأن تنتقل إلى حمل مشروع إنقاذ عالمي، من خلال الدعوة إلى حوار الحضارات والتعاون مع الغرب الأوروبي ونقد المشروعات الأميركيّة في الإدارة الحاليّة، للمنطقة الإسلاميّة من دون أن تنجرّ إلى حروب مجانيّة ولا إلى معاهدات مفروضة وغير عادلة، ومن دون أن تفرط بالحقوق المشروعة كما تدعو للعيش العادل والأمن وحق التعاون والحوار بين الشعوب في عالم مضطرب، أحواله تبعث على القلق الدائم عند ساكنيه.

استطاعت إيران أن تواجه كوارث الطبيعة، وكوارث السياسة الدوليّة المضطربة، بقدرةٍ لافتةٍ على حفظ الذات والمحافظة على الآخر. وأعطاها هذا التصرف العقلاني والمعتدل، القدرة على إيجاد التوازن، واحتمال الصدمات، الأمر الذي يكشف عن صحةٍ وعافيةٍ في بنيانها السياسي وقوّة عناصر الممانعة، وتعدد مصادر هذه القوة، في طاقات الأمة، وحسن إدارة الأزمات في الأزمنة المريحة والصّعبة على السّواء. يكشف الحاضر الإيراني عن مشهد ثقافي متعاف، صاخب بالحوار، منفتح إلى أبعد الحدود، مقاوم إلى مجال الحفاظ على العقيدة ومنطلقاتها الأساسيّة، متحفّزٌ لقبول التحدّيات الثقافيّة، متفاعل معها، وقادر على تقديم حلول ومسارات في عالم الثقافة المتنوّع والخصب، بما يتناسب وحضارة الإسلام ورسالته الثقافيّة الكبرى وكذلك مع ما يتناسب وثقافة إيران كأمّة عريقة انتجت ثقافتها الإسلامية ذات الخصوصيات المعروفة في التّاريخ الإسلامي، والحضارة الإنسانيّة.

ربع قرن من عمر الجمهورية الإسلاميّة، جسر بين قرنين وجسر بين الماضي والمستقبل ولحظة حاضر ثري، يشبه لحظات الانتظار الكبرى، في تاريخ الإنسان للوصول إلى الخلاص، إلى العدل مقابل الجور، والطمأنينة مقابل القلق، وإذا ما وجدت في الحاضر منغصات فهي من قبيل المحفزات لنظام يثبت أنّه في عمره الزمني، يتمتع بالقوّة والفتوّة والعافيّة وفي زمنه المعرفي، يقف على جسر الأمل من أجل مستقبل أكثر سعادة للإنسانيّة.

تلك هي رؤية دفق الروح في ذاكرة تربط حركة الزمان بحركة الإنسان، وتقدم صورة متفائلة عن مشهد واعد من خلال النظر إلى محصلتها العامّة، في كيفها وكمّها دون النّظر إلى تفاصيلها الجزئيّة، لأنّ الذي يبقى في ذاكرة التّأريخ، هو حركة الروح ومظاهرها ذات الأبعاد الكليّة والقادرة على رسم حركة التّاريخ بكل ظهورات الروح المتحقق من نفسه


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/370856.html