صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 557 | الإثنين 15 مارس 2004م الموافق 16 محرم 1446هـ

طهران - واشنطن: معركة مؤجلة

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

إلى أين سيصل مدى المعركة الدبلوماسية - السلمية بين إيران والولايات المتحدة بشأن الملف النووي؟ الموقف الإيراني بات في وضع دقيق إذ عليه الاختيار بين العقوبات التي تنص على حظر تعامل الشركات مع طهران وتقليص التمثيل الدبلوماسي وفرض حظر على صادراتها وبين التعاون مع وكالة الطاقة الذرية وهو يقضي بكشف كل ما تمتلكه من أسلحة وعناصر نووية وفتح أبواب معاملها ومصانعها أمام لجان التفتيش من دون اتفاق مسبق.

يُذكر أن الملف النووي أُغلق سابقا وأُعيد فتحه بعد الموقف الليبي الذي شجّع واشنطن على زيادة ضغوطها وخصوصا بعد صدور الكلام الذي قيل ونُقل عن العالم الباكستاني عبدالقدير خان بشأن بيعه معلومات ومعدات وبرامج لكل من كوريا الشمالية وليبيا وإيران. وهو أمر أكدته طرابلس ونفته طهران وبيونغ يانغ.

إعادة فتح الملف شكّل بداية اختراق جدِّي من جهة أميركا للموقف الأوروبي (المتفهم للحاجات الإيرانية)، الأمر الذي دفع الوكالة الدولية إلى العودة إلى التحرك في ضوء المعلومات التي تتهم طهران بأنها تواصل عمليات تخصيب اليورانيوم. وفي الوقت الذي تؤكد فيه إيران حقها في الاستفادة من التقنية النووية لإنتاج طاقة لأغراض سلمية اتهمت واشنطن طهران بأنها تغير باستمرار المعلومات المتعلقة بنشاطاتها النووية.

هذه الاتهامات استخدمتها أميركا للضغط على دول معينة من أوروبا الغربية، فاضطرت الأخيرة إلى تقديم ضمانات للولايات المتحدة بدعم موقفها القاضي بإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي. كذلك وعدت الوكالة الدولية برئاسة محمد البرادعي إدارة البيت الأبيض بأنها على استعداد لتضمين المطالب الأميركية في تقريرها عن مدى عدم استجابة طهران للشروط. وفي حال نقل الملف إلى مجلس الأمن فإن احتمال صدور عقوبات بات واردا ويرجح أن تستغلها إدارة جورج بوش للإعلان عن سلسلة قرارات (عقوبات) يتوقع أن تصدر في موعد أقصاه يونيو/ حزيران المقبل... وهو يترافق مع موعد آخر وهو إعادة انتشار الجيش الأميركي في العراق.

المسألة الآن تنتظر نتيجة التصويت في الأسبوع الجاري على مسودة القرار بعد عرضها على مجلس الحكام المؤلف من 35 دولة. وقبل البحث في بنود المسودة نبّهت إيران الوكالة الدولية من الخضوع للابتزاز الأميركي (المدعوم صهيونيا) وحذرت من أن ردة فعلها هذه المرة ستكون مخالفة لسياسة التفاهم الإيجابي التي أبدتها خلال الشهور الماضية. وفي انتظار نتيجة التصويت يبقى السؤال: إلى أي مدى ستصل المعركة الدبلوماسية - السلمية بين إيران وأميركا؟

أمام طهران نماذج ثلاثة، الأول العراق. فالنظام هناك قدم قبل الحرب كل التسهيلات الممكنة للكشف عن أسلحة الدمار الشامل والبرامج البيولوجية والنووي، وتوجهت فرق التفتيش بإشراف دولي وبحثت على مدى أسابيع ولم تجد ما يشير إلى وجود ما يؤكد الاتهامات الأميركية. وبعد انتهاء مهمة فرق المفتشين رفعت الوكالة الدولية للطاقتين النووية والكيماوية تقاريرها إلى مجلس الأمن تؤكد خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل. ولكن أميركا مدعومة من دول في أوروبا والعالم رفضت التقارير وتوجهت إلى الحرب متحدية مجلس الأمن ودوله الكبرى... وما تبقى من القصة بات معروفا.

النموذج الثاني ليبيا، وهو الخوف والهلع والانقلاب على الذات والاستعداد لكل شيء تطلبه واشنطن من مال ونفط وتنازلات عن السيادة مقابل وعود غير مضمونة بإبقاء حال طرابلس على ما هي عليه إلى أن يأتي الأمر النهائي من إدارة البيت الأبيض حين تقترب الساعة ويصدر القرار.

النموذج الثالث كوريا الشمالية، ويتمثل في رفض السلوك الأميركي وتحدي وكالة الطاقة وإبداء الرغبة في المواجهة في حال قررت واشنطن فرض شروطها عليها بالقوة. وحتى الآن لاتزال إدارة البيت الأبيض تفاوض لتتوصل إلى حلٍّ سلمي معقول يضمن ماء وجه بوش ويحّصن مصالح كوريا وحقها في إنتاج الطاقة لأغراض سلمية.

طبعا وضع طهران يختلف عن النماذج الثلاثة. فإيران دولة لا تعاني من حصار دولي - إقليمي ويتمتع نظامها بشعبية تعطيه مناعة ضد الاختراق وخصوصا بعد الانتخابات الأخيرة.

إلا أن إيران بالنسبة إلى أميركا و«إسرائيل» تختلف في أهميتها الاستراتيجية وموقعها الجغرافي عن كوريا الشمالية البعيدة دوليا والمعزولة جغرافيا. فإيران وضعها يختلف وتعتبر دائرة مهمة في المخطط الاستراتيجي الشرير الذي تقوده «البنتاغون»، ولا تتأثر كثيرا بالانتخابات الأميركية وانشغال بوش في معاركه الداخلية.

إلى أين ستصل المعركة؟ هذا هو السؤال. والجواب له صلة قوية بمدى تقدير إيران لقواها الذاتية وصلاتها الخاصة مع جيرانها وتحديدا روسيا في عهد فلاديمير بوتين. وهذا موضوع آخر


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/379215.html