صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 694 | الجمعة 30 يوليو 2004م الموافق 16 شعبان 1445هـ

النيابة العامة ومنع النشر في الصحف

الكاتب: ابراهيم بشمي - comments@alwasatnews.com

يوم الاربعاء 11 ابريل/ نيسان 4891 نشرت صحيفة "الوفد" في عمودها المقرر صدوره يوم الخميس 21 ابريل 4891 خبرا صحيحا على صفحتها الأولى عنوانه "اختفاء الاسلحة والمستندات" التي ضبطت في قضية تنظيم "الجهاد". احراز القضية اختفت من خزانة حديد داخل غرفة مغلقة تحت حراسة مشددة! لكن هذا العدد لم يظهر للوجود لأن مباحث أمن الدولة صادرت جميع نسخ العدد على اساس أن النائب العام اصدر قرارا بحظر نشر هذا الخبر يوم 01 ابريل .4891 وبينما كان الناس يسألون عن السبب في اختفاء صحيفة "الوفد" كان الموضوع وصل الى محكمة الأمور الوقتية بالقاهرة صباح يوم الخميس 2 ابريل 4891 وطالب ممثل الاتهام بتطبيق المادة 391 من قانون العقوبات التي تتيح لسلطة التحقيق حظر نشر أية اخبار عن التحقيقات الجارية مراعاة للنظام العام وتعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ستة اشهر وبغرامة لا تجاوز 005 جنيه كل من نشر اخبارا بشأن تحقيق، اذا كانت سلطة التحقيق حظرت ذلك. أما ممثل الدفاع فقد استند الى أن قرار حظر النشر لم يبلغ الى الصحيفة وقال إن السبب الحقيقي للمصادرة هو الرغبة في حجب البرنامج الانتخابي لحزب الوفد الجديد الملحق بالعدد عن الجماهير. المهم. ولما تأكدت المحكمة من عدم ابلاغ "الوفد" بقرار حظر النشر اصدرت حكمها "إلغاء أمر الضبط والافراج عن العدد المضبوط" وهتف الجميع للعدل والحرية وقال ممثلو الوفد للقاضي ان في مصر قضاء. ورد القاضي: "وان في مصر رئيس جمهورية يحترم الحريات". تنص المادة 91 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على الآتي: 1- لكل انسان الحق في اعتناق الآراء دون أن يتعرض له احد. 2- لكل انسان الحق في التعبير وحرية طلب جميع انواع المعلومات والافكار وتلقيها واذاعتها دون أي حدود بالقول والكتابة أو الطباعة أو الفن أو أي وسيلة أخرى يراها. 3- ينطوي استعمال الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة على واجبات ومسئوليات خاصة يجوز لذلك اخضاعه لبعض القيود طبقا لنص محدد في القوانين لتأمين الآتي: أ- احترام حقوق الغير وسمعتهم. ب- حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. ويرى استاذ القانون محمد نور فرحات "مجلة الدراسات الإعلامية اكتوبر/ تشرين الأول 39" أن المادة 91 من العهد كانت على وعي بالقيود الاجتماعية الواجب احاطتها بممارسة الصحافي والإعلامي لمهنته فاجازت للمشرع الوطني أن يفرض قيودا ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. وهذه الشروط التي اجازها المشرع الدولي لفرض قيود على الحق في التعبير وفي الاعلام والاتصال شروط واضحة لا يجوز معها التوسع في القيود. فيجب أن تكون هذه القيود مفروضة بقانون لا بإجراء إداري أو سياسي ويجب أن تكون لازمة لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام أو الصحة العامة أو الآداب العامة. كما نصت المادة 02 من العهد نفسه على: 1- تحظر بالقانون أية دعاية للحرب. 2- تحظر بالقانون أية دعوة الى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف. أي كما - يقول الدكتور - اذا كان الاصل عدم جواز فرض قيود على حرية الرأي أو التعبير أو النشر والإعلام أو التماس المعلومات من مصادرها للمشرع الوطني أن يفرض بعض القيود على سبيل الاستثناء وبقانون. إلا أن المبدأ العام في أن تفرض الدولة قيودا على الحقوق والحريات تم تقنينه أيضا إذ ليس في هذا العهد أي حكم يجوز تأويله على نحو يعيد انطواءه على حق لأية دولة أو جماعة أو شخص بمباشرة أي نشاط أو القيام بأي عمل يهدف الى اهدار أي حق من الحقوق أو الحريات المعترف بها في هذا العهد أو الى فرض قيود عليها أوسع من تلك المنصوص عليها فيه. وأوضحت لجنة حقوق الإنسان بالامم المتحدة أنه "عندما تشاء الدولة فرض قيود معينة على ممارسة حرية التعبير لا ينبغي أن تؤدي هذه القيود الى شل الحق نفسه". جاء في كتاب أصوات متعددة وعالم واحد "شون ماكبرايد - اليونسكو" الآتي: في حين يسعى القانون الى حماية الصحافي وضمان حقوقه، فإنه في مقابل ذلك ينص أيضا في كل الاحوال تقريبا على واجبات والتزامات، وهكذا فإن الصحافي ملزم قانونا أن يمتنع عن نشر معلومات زائفة أو غير مؤكدة أو تستهدف اغراضا دعائية وأن يحافظ على كرامة مهنته وأن يذعن لقواعد السلوك المقررة وأن يمتنع عن نشر انباء عن جلسات الحكم السرية. كما أن من الضروري بالنسبة إلى الصحافيين "وليس بالنسبة إلى الصحافيين وحدهم بطبيعة الحال" أن ينظروا الى الحقوق والمسئوليات من حيث ما بينهما من علاقات فأي إنسان يتصرف بلا مسئولية انما يضعف حقه في المطالبة بالحرية، في حين أن من تنكر عليه الحرية لا يمكن مطالبته بممارسة المسئولية ويتهيأ الوضع الأفضل عندما لا يكون هناك احساس بأن أيا منهما يتعرض للخطر. ويرى الباحث سجاد الغازي "مجلة الدراسات الإعلامية، يناير/ كانون الثاني - مارس/ آذار 3002" منذ أن عرف الوطن العربي الصحافة العام 8971 في مصر فإن الحرية الصحافية في الوطن العربي تخضع لاحكام مستمدة اما من مبادئ التشريع العثماني أو الفرنسي أو الانجليزي والإيطالي، بل إن اقطارا سواء كانت في المشرق أو المغرب ظلت تخضع لهذه التشريعات حتى بعد أن سنت تشريعات خاصة بها. وباختصار شديد يقول إن تشريعات الإعلام العربية أخذت بالنظام الوقائي الذي يتعارض مع الحريات كما اعطت تشريعات الإعلام العربية انعكاسا واضحا للبنية غير الديمقراطية للأنظمة السياسية العربية ونظرتها المرتابة وغير الودية لحرية الصحافة. ويعتقد الأمين العام لاتحاد الصحافيين العرب صلاح الدين حافظ بأن هناك خيطا رفيعا بين ممارسة حرية الصحافة بلا قيود وبين محظورات ما يسمى بـ "الأمن القومي" التي تلجأ اليها معظم السلطات لحرمان الصحافيين من معالجة موضوعات معينة لأسباب خاصة. والخطورة الواضحة أن مفهوم الأمن القومي اتسع واتسعت معه سطوة "الرقابة والمنع" بحيث أصبحت تشمل مواد بعيدة كل البعد عن التأثير المباشر وغير المباشر في أمن الوطن. ويضيف حافظ أنه وجد المشرعين انفسهم في مأزق غريب بين الحق القانوني العام في حماية الخصوصية والسرية وبين حق التعبير وحرية الصحافة والاعلام بسبب صعوبة رسم حدود قانونية واضحة المعالم محدودة النصوص بين هذه الحقوق التي تبدو متعارضة. يبقى سؤال: لماذا أثيرت هذه القضية؟ ولماذا قد يحدث خلط ما بين تداخل الجوانب القانونية والجوانب السياسية؟ في الحقيقة أنه في مرحلة التحولات السياسية والبدء في إرساء المبادئ لسيادة القانون تظهر كثير من الأسئلة! لذلك لابد من مراعاة كثير من المفاصل في هذه المرحلة التاريخية لاعطاء مجال للناس الذين كانوا في حال "مأزومة" من عدم القدرة على التعبير طوال الفترة الماضية التي تدفعهم الى الشطط احيانا في التفسير، لذلك نحن بأشد الحاجة على رغم ما قد يبلغ "أحيانا" من سوء فهم أو سوء تقدير أو ربما في أحيان أخرى حتى الانزلاق الى درجة الخطأ بسبب قصور الوعي الى التفهم والى التفهيم. ولكن علينا في الوقت نفسه احترام سيادة القانون في ظل هذه المرحلة لإرساء هذا الاحترام وان رؤيتنا لبعض القوانين التي لا تتناسب مع رؤانا أو مع المرحلة لا تعني أن نمتلك حق اختراق نصوص هذه القوانين، وانما يمكن أن نناضل من أجل إلغائها أو تعديلها بما يتماشى مع المتغيرات الإصلاحية ومن خلال القنوات الشرعية لعدم كسر مبدأ سيادة القانون


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/402960.html