صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 817 | الثلثاء 30 نوفمبر 2004م الموافق 15 ذي الحجة 1445هـ

بسماركية جديدة

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

ما الدروس المستفادة من التطورات الدولية التي يشهدها العالم في ظل قيادة أميركية متطرفة؟ السؤال يستوجب قراءة تلك السياسات العامة التي لجأت إليها واشنطن في ممارسة ضغوطها على الاتحاد الأوروبي ودول مجلس الأمن. فالولايات المتحدة استخدمت حزمة من الوسائل الشرعية وغير الشرعية لتمرير قراراتها أو للضغط على «دول الضد» للقبول بها عنوة. فهي استخدمت مجلس الأمن لإصدار قرارات تتعلق بأفغانستان وساحل العاج ودارفور ولبنان. وهي لجأت إلى التفرد بقراراتها حين عجزت عن استخدام المجلس كغطاء دولي لسياستها كما هو حال الحرب على العراق. وهي عطلت الكثير من القرارات الدولية حين وجدت أنها تتعارض مع مصالحها كما هو حال العدوانية الإسرائيلية في فلسطين والدول المجاورة للأراضي المحتلة.

أميركا استخدمت وسائل ولم يقتصر اعتمادها على وسيلة واحدة. وفي كل الحالات لجأت إلى استخدام مختلف التعارضات وإعادة توظيفها لخدمة مصالحها العامة. وفي كل موقف كانت واشنطن تلجأ إلى الخداع حتى تنجح في تمرير ما تراه يناسب استراتيجيتها الهجومية التقويضية. فهي مثلاً تتمسك بالمواثيق الدولية إذا خدمت أغراضها، وتعارضها إذا خالفت خطتها، وتجمع بين الشرعية الدولية وما هو مضاد لها في حال رأت أن السياسة تقتضي ذلك... وهكذا.

هذا التنوع في استخدام الوسائل لتمرير السياسات يكشف عن وجود انتهازية تلجأ إلى وسائل غير شريفة للوصول إلى أهداف تلبي حاجاتها الآنية أو البعيدة المدى.

إلا ان هذا التنوع يكشف أيضاً عن تحولات دولية تحتاج إلى مراقبة دائمة لمعرفة اتجاهات الرياح. فالمتابعة ضرورية لأنها تسهم في بلورة وعي جديد للسياسة الدولية وتلقي المزيد من الأضواء على خفايا وزوايا الاستراتيجية العامة للولايات المتحدة. وأول الدروس المستفادة من تلك التحولات هو نجاح أميركا في استثمار الفراغ الدولي وعدم وجود كتلة مضادة تحد من اندفاعها أو على الأقل تمنع من انجرافها المتمثل في تسخين الجبهات الباردة مع روسيا والصين.

وثاني الدروس أن الفراغ الدولي أتاح لواشنطن قيادة الصراع في الكثير من المناطق في وقت واحد ومن دون حاجة إلى دعم عسكري أو لوجستي من أية قوة دولية. فأميركا الآن في وضع يسمح لها بالتحرك من دون رديف أو وصيف أو حتى مساعدة. وهذا يدل على الدرجة التي بلغتها قوتها في السنوات الماضية وتحديداً بعد تفكك الاتحاد السوفياتي وزوال نموذج الثنائية الدولية.

ثالث الدروس يشير إلى تطور في حركة تدويل السياسة العالمية وتجاوز أميركا منطق السيادات الذي كانت تقول به في فترة «الحرب الباردة». فالعالم اليوم دخل في منعطف كبير يتمثل في تدويل المفاهيم وتجاوز حدود «الدولة القومية».

رابع الدروس بروز دور أميركا في عصر التدويل. وهذا يتمثل في امتلاك إمكانات وقدرات تعزز المشروع السياسي (الهيمنة الأميركية) من خلال استخدام الضغط من الخارج لإجبار الدول على التخلي عن بعض حقوقها المشروعة تفادياً لكوارث أو خسائر غير محسوبة. فالقدرة التدخلية للولايات المتحدة أسقطت حكومة طالبان في أفغانستان بتأييد دولي. وهي أيضاً أسقطت نظام صدام في العراق من دون غطاء دولي. وهي أيضاً استخدمت نفوذها لإصدار قرارات تتعلق بساحل العاج ودارفور (السودان). وهي أيضاً ضغطت وناورت واستدرجت أوروبا لاستصدار القرار الدولي المتعلق بشأن سيادي لبناني يتصل بتعديل مادة في الدستور وإعادة انتخاب الرئيس الحالي نصف دورة. وهي أيضاً استخدمت نفوذها وتعاونت مع الاتحاد الأوروبي لارباك أوكرانيا والضغط على حكومتها لتعديل نتائج الانتخابات الرئاسية. وأيضاً هويت بقوتها وهددت وضغطت على وكالة الطاقة الدولية لانتزاع تراجعات من إيران لها صلة بشأن حقها المشروع في انتاج الطاقة الذرية.

كل هذه السياسات المتناقضة تشكل مجتمعة سلسلة دروس تمهد لإطلاق مدرسة جديدة في القانون الدولي منفصلة عن تلك المدارس الحقوقية التي نظمت العلاقات الدولية وفق أنظمة جديدة بعد مؤتمر برلين في العام 1878 برعاية المستشار الألماني بسمارك.

نحن الآن أمام بسماركية جديدة تقودها الولايات المتحدة تستخدم القدرات التدخلية (العسكرية والسياسية والإعلامية) لتعديل القرارات والقوانين المتعارف عليها منذ قرابة القرنين من الزمن. فالتدويل في المعنى البسماركي الجديد لا يعني احترام الحدود الوطنية للدولة وإنما اختراقها بالقوة أو بالضغط وإجبارها على تعديل سلوكها لتنسجم مع الخطوط العامة للمصالح الأميركية. وهذا ما يمكن قراءة بعض عناوينه من تلك السياسات المتبعة في العالم بعد غياب موسكو من معادلة القوة الدولية في تسعينات القرن الماضي


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/425961.html