صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 907 | الإثنين 28 فبراير 2005م الموافق 11 محرم 1446هـ

مسلم الانتخاب غير مسلم الانقلاب

الخطر على العراق من الإقصائيين وليس من الانتخابات

الكاتب: محمد غانم الرميحي - comments@alwasatnews.com

طاف بعض الأصدقاء العراقيين في بعض منتديات الكويت يتحدثون عن "خيبة أمل" في نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة، والكويت معنية قبل غيرها بالاستقرار في العراق لأسباب لا تخفى على العاقل الفطن، لذلك يصبح ما يحدث في العراق هما كويتيا مقيما، لهذا السبب اهتم البعض بسماع تحليل هؤلاء القادمين وزاوية رؤيتهم للحوادث.

حزمة الاعتراض على نتائج الانتخابات العراقية تتكون من عناصر موضوعية وعناصر ذاتية، منها على سبيل المثال لا الحصر، إن الطائفة الشيعية في العراق أصبح لها قصب السبق في الانتخابات التي ستفرز في النهاية حكومة شيعية ذات طبيعة دينية مذهبية، ويذهب هؤلاء إلى القول ان ذلك ربما يقود إلى نفوذ قوي لإيران، بل إن بعضهم ذهب مستطردا إن إيران حققت ما تصبوا إليه من حربها الطويلة مع العراق من دون جهد كبير، فقد سقط نظام صدام حسين المعادي لها، وأصبح "الموالون لها"، في القيادة والسلطة لهم القدح المعلى، كما زاد الاحتمال أن يصبح حكم العراق شبيها بحكم طهران ومساندا له.

ويتابع هذا السيناريو تصوراته بالقول إن الدستور الجديد ستفرضه الغالبية، وهو دستور قد يأخذ بشيء مقارب لـ "ولاية الفقيه" لدى إيران، يعيق المجتمع العراقي أو شرائح واسعة منه من الولوج إلى الحداثة السياسية التي هي قاطرة للحداثة الاقتصادية وجسر للأمن والاستقرار في المنطقة.

ذلك مجمل القول النابع من الإحباط الكبير الذي أصاب البعض توقعا منهم أن تكون الانتخابات طريقا لليبراليين فقط من دون غيرهم لبناء دولة حديثة! وهو أمر يهمل إلى حد التشاؤم الشديد آليات العمل الديمقراطي، وردد هذا التشاؤم على نطاق عربي بإطلاق مقولات التخويف من "الهلال الشيعي" الذي قد يسيطر على منطقة شرق المتوسط ويدخلها في صراع جديد. إلا إن هذه المقارنة المتسرعة لما حدث في العراق وتكييفه على انه "نسخة كربونية" ما حدث ويحدث في إيران، لم يأخذ بعين الاعتبار عددا من القضايا المصاحبة.

من هذه القضايا تبرز خمسة مرتكزات، هي أولا: أن الانتخابات العراقية لم تمكن حزبا دينيا وحيدا وتزفه إلى السلطة، فقد كانت القائمة العراقية المباركة من السيدعلي السيستاني، قائمة فيها ألوان الطيف المختلفة، فيها حزب الدعوة، وهو منقسم إلى أكثر من تيار، وفيها المجلس الأعلى الثورة الإسلامية، وهو أصلا مكون من عدد من التحالفات، وفيها عدد من الليبراليين والمستقلين، وفيها بعض من السنة... فهو طيف واسع من القوى والشخصيات، وبالتالي هي قائمة لا تتكلم بصوت واحد في كل ما يعن على الساحة السياسية من متغيرات. لقد كان ائتلافها مدفوعا برغبة في تحالف انتخابي ظرفي، وأثبتت تجاذبات ما بعد الانتخابات بين بعض أطراف هذه اللائحة على توزيع مقاعد الوزراء وحصص الوزارات، وعلى اختيار وتكليف رئيس الوزراء، أثبتت اختلافا في وجهات النظر، حتى لو كانت القائمة التي جرى الانتخاب حولها مؤيدة من المرجعية الأكبر في العراق.

وثانيا: إن الاختلاف بين في ظروف الثورة الإيرانية، وظروف تحرير العراق من السلطة البعثية القامعة بين وظاهر، فقد كانت طهران محتقنة سياسيا لعدد من السنوات، لم تتفهمها السلطة الشاهنشاهية وقتها، فظهرت قيادة واحدة من غير منازع، هي آيات الله ودون سابق معرفة أو خبرة بالعمل السياسي الحياتي، مع تصورات مثالية للحكم، أما في العراق فقد نبتت أطياف المعارضة العراقية من مقاومة طويلة ومريرة، ووعت أحد أهم دروسها، وهي ان تصفية الآخر وتهميشه قد يحقق أهدافا مرحلية ضيقة لكنه ينقلب على من يتبناه في نهاية المطاف، فلم تصل إلى السلطة مرجعية واحدة، بل عدد من المراجع، جلها حزبية على النمط الحديث لتكوين الأحزاب، فالوصول إلى سدة الحكم من خلال صناديق الانتخاب غير الوصول إليه من خلال الانقلاب، بصرف النظر عن شعارات ذلك الانقلاب.

وثالثا: لقد تمت الانتخابات العراقية باعتراف مسبق بتعددية، عرقية واثنية وطائفية وسياسية ومذهبية ودينية، وهو تعدد يحفظ التوازن السياسي، وضروري للمعادلة الديمقراطية، فمن المعروف ان نجاح العمل الديمقراطي في الهند، كونها ذات أعراق وأقوام ولغات مختلفة، على عكس فشلها في الباكستان بسبب الكتل البشرية المتماثلة، وفي العراق هناك الأكراد والسنة والشيعة والمسيحيون والأشوريون وغيرهم من الفئات السكانية المختلفة التي يمكن أن تشكل تنويعات تحافظ كل منها على مصالحها، وبالتالي تستجيب للصالح العام الذي يحفظ تلك المصالح. كما ان الانتخابات تمت من دون مرجعية منع وسماح التي تشكل منطقة تصفية في التجربة الإيرانية، فكل من وجد لديه الكفاءة من العراقيين تقدم بلائحة أو كمستقل، وهو اختلاف جذري عما مورس في طهران.

ورابعا: لقد تم في العراق على الأرض تشكيل مؤسسات إعلامية حرة، إما تابعة لأحزاب أو مؤسسات فردية، ولا يوجد حتى اليوم سجناء ضمير في العراق، وبالتالي تحقق أحد أهم عناصر الديمقراطية وهي تمكين حرية الرأي في المجتمع بالقول والنشر، بل أصبحت هناك محطات تلفزيونية وإذاعية، وهي تشكل ضمانة لاستمرار التعددية.

خامسا: لم يصرح أحد حتى الآن على الأقل بالحديث عن ولاية مطلقة لشخص أو فئة على العراق، فالتداول السلمي للسلطة هو ركيزة اتفق عليها الجميع لإنشاء عراق حر ومستقل.

من هذه النقاط الخمس لا ضير، ومن حيث التطور التاريخي والاجتماعي، أن تأتي غالبية ترى أن حلولا إسلامية أو ذات صبغة إسلامية قد تقود المجتمع إلى وضع أفضل سياسيا واقتصاديا، وان فشلت عاد الجميع إلى صناديق الانتخاب. لقد تم ذلك في بلد مثل تركيا، ومن خلال صناديق الانتخاب. المعترض عليه هو أن يدعي البعض انه يملك الحقيقة الكاملة والقطعية، فيسعى إلى القفز إلى السلطة والانقلاب على المجتمع ويعتبر الآخرين "خارجين عن الملة"، عليهم أن يطيعوا ما يقرر هو انه صالح وانه النهائي. إن حدث ذلك فهو الذي يصبح مدعاة للحذر بل والتخوف.

لهذا، من المبكر التشاؤم الذي أبداه البعض لما يحدث في العراق، وهو قراءة مسبقة وغير واقعية لما قد تفصح عنه الأيام، خصوصا أن مقصد الانتخابات التي جرت هو من أجل وضع دستور دائم لعراق المستقبل، وهو دستور سينبئنا عن العراق الجديد، فإن كانت مرجعيته هي صناديق الانتخاب بشكل دوري وتنافسي، وان ينتفي القول الساذج أن الديمقراطية هي صوت واحد للرجل الواحد لمرة واحدة، كما يقول الانقلابيون، فإن الانفراج العراقي سيصبح انفراجا تاريخيا يخرج العراق من جنون الارتياب والتجاذب، ويشكل مثالا للخروج من الشمولية التي ابتلي بها هذا الجزء من العالم، أما إذا توجه الدستور لوضع ضوابط من خارج الآلية الديمقراطية، عندها تكون مخاوف البعض محقة، علينا أن ننتظر لنرى.

كاتب كويتي


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/451746.html