صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 907 | الإثنين 28 فبراير 2005م الموافق 15 محرم 1446هـ

أكاذيب سخية

الكاتب: محمد فاضل العبيدلي - .

في العام ،1870 شهدت باريس محاكمة فلاح فرنسي يدعى فرين لوكاس بتهمة الاحتيال على احد اعضاء الاكاديمية الفرنسية للعلوم ميشيل شاسلس.

كانت واحدة من اطرف المحاكمات، فعندما وجه القاضي لائحة الاتهام للوكاس التي تضمنت قيامه ببيع العالم شاسلس وثائق مزورة بقيمة 140 الف فرنك، ابتسم لوكاس ابتسامة ماكرة، فما كان من القاضي سوى ان قام بتوبيخه بأن يخجل من فعلته.

رد الفلاح: "لقد اقررت بذنبي لكن أرجو الرئاسة "القاضي" ان لا تتهمنى باكثر من ذلك او ان توجه لي اي توبيخ... لقد فعلت ما فعلت خدمة لوطني. اردت من الوثائق التي بعتها لشاسلس اظهار ان نيوتن ليس مكتشف نظرية الجاذبية كما يقولون بل باسكال الفرنسي، وفي هذا خدمة جلى لفرنسا".

نهره القاضي من جديد قائلا: "انت تسرق افكارا ساقها شاسلس عن نظرية الجاذبية ولم تكتف بذلك بل قمت بتلفيق وثائق تغطي بها فعلتك. هل من الوطنية في شيء بيع شاسلس رسالة مزورة من كليوباترا الى يوليوس قيصر تقول له فيها ان ابنهما سيزاريون بصحة جيدة وانه سيتمكن من تحمل عناء السفر الى مرسيليا؟".

ضجت قاعة المحكمة بالضحك حسب كتاب "اشهر المحاكمات عبر التاريخ" لفردريك بوتشر، ما اضطر القاضي الى التهديد باصدار أمر باخلائها ان لم يكف الحضور عن التشويش وقال: "لا افهم ما الذي يضحككم في هذا الاحتيال الحقير؟ هنا انبرى صحافي من الحضور قائلا: "سؤال من هو الفلاح البسيط، لوكاس أم العالم الكبير؟ وعلق آخر من الحضور: "المعتوه هو الزبون وليس البائع... هاتوا قبعة حمار لعضو الاكاديمية".

اما محامي الدفاع عن لوكاس فقد بدأ دفاعه قائلا: "ان انطلاء الحيلة على السيد شاسلس هو الذي شجع موكلي على الاستمرار والتكرار، كما ان من عناصر التشجيع أيضا لهفة شاسلس وتعطشه لمخطوطات اخرى واخرى مما لم يجد معه موكلي ما يردعه عن الوقوع في اغراءات ثمنها".

اما العالم المخدوع شاسلس فقد انبرى بالقول: "لقد خدعت فعلا يا حضرة الرئيس، لكن الخدعة لم تنطل علي وحدي... صحيح ان بعضا من الرسائل التي باعني اياها كان مليئا بالمفارقات، لكن الصحيح أيضا هو ان رسائله الاولى كانت من الاتقان بحيث يمكن ان تنطلي على اي كان وبسهولة".

اسمعوا رد محامي الدفاع الذي قاطع شاسلس: "أو لم تلاحظ في المراسلة التي زعم لوكاس انها تمت بين نيوتن وباسكال ان نيوتين لم يكن تجاوز الثانية عشرة من عمره وان نظريات رياضية وردت فيها لم تكن معروفة آنذاك؟ كيف انطلى عليك ان كليوباترا ويوليوس قيصر يتكاتبان باللغة الفرنسية؟".

تنتظرون المغزى على ما اظن؟ اتركه لذكائكم، لكنني أود أن أبلغكم شيئا صغيرا. قرأت هذه القصة عشرات المرات على سبيل التسلية وكانت تضحكني في كل مرة وأحسب انني سأقرأها في المستقبل أيضا مرات ومرات. لقد علق مؤلف الكتاب على الحكم الذي صدر بحق لوكاس وهو السجن عامين وغرامة 500 فرنك انه "لم يكن بالشيء الذي يذكر امام ربح 140 ألف فرنك وكذلك أمام إضحاك أوروبا بل والعالم لفترة امتدت حتى اليوم ولا يبدو انها على وشك الانتهاء".

قبل سنوات كنت استشيط غضبا عندما تقع عيناي على ما سيذكرني بهذا الفلاح الفرنسي الظريف، كتابات فيها شيء من البراعة لكن فيها تلفيق وتضليل. اليوم لا تراودني سوى رغبة في الضحك كلما قرأت شيئا من ذلك الصنف المعروض علينا بسخاء عز مثيله منذ سنوات. يضحكني أكثر أن أجد أن أمثال العالم شاسلس كثر بل وذوي أصوات مدوية والبضاعة المعروضة فيها من كل شيء: نتف حقائق، أكاذيب، أوهام ومعلومات مضللة، وهذا الجمهور من أمثال شاسلس يطلب المزيد دوما ولا يطربه سوى هذا الصنف من البضاعة، يشهرها كلما تطلب الأمر حججا دامغة وأدلة لا تدحض


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/451748.html