صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 909 | الأربعاء 02 مارس 2005م الموافق 09 ذي الحجة 1445هـ

أبومازن يفاوض عباس

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

نجح أبومازن في إقناع محمود عباس في تطبيق قرارات الأمم المتحدة "بما فيها وعليها من ملحقات وتفاهمات" التي تطالب بالانسحاب من الأراضي المحتلة في العام 1967 واحترام حقوق الشعب الفلسطيني الذي نصت عليه المواثيق الدولية.

كذلك أقنع أبومازن عباس بأن يحترم الأخير تعهداته وتوقيعات دولته على اتفاق أوسلو وما أعقبه من اتفاقات وقعت في واشنطن وعواصم مختلفة وآخرها ما يسمى "خريطة الطريق". كذلك أقنعه بعودة الشعب الفلسطيني إلى دياره وتفكيك المستوطنات ووقف التوطين في الأراضي المحتلة. كذلك لم يتردد أبومازن في إقناع عباس بضرورة المساعدة على بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة و"قابلة للحياة" وعاصمتها القدس الشريف.

مقابل ذلك نجح عباس في تقديم ضمانات دولية لأبومازن والمساعدة على إعادة بناء ما دمره الاحتلال ووقف سياسة هدم المنازل وتشريد "تطفيش" الفلسطينيين من قراهم. كذلك وعده باحترام حقوق الإنسان واتباع نهج الحكم الصالح القائم على محاربة الفساد، والشفافية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة السياسية. كذلك وعد عباس أبومازن بأنه سيساعد على تقديم المال اللازم بإشراف 24 وزير خارجية لترميم ما دمرته سياسة إعادة احتلال المدن التي بدأها ارييل شارون منذ أربع سنوات... وإلى آخره.

هذه هي نهاية مسخرة مسرحية "المؤتمر الدولي" في لندن. فالعالم "المتحضر" حضر كله إلى عاصمة الضباب كما يقال عنها باستثناء الطرف المعني مباشرة بالموضوع. شارون رفض حضور المؤتمر عندما عرض عليه رئيس الحكومة البريطانية طوني بلير الفكرة خلال زيارته للدولة العبرية. فشارون رفض الفكرة كلها وليس مجرد رفض الحضور. وحين تمنى عليه بلير الحضور لأن غيابه يعني فضيحة سياسية له تمسك شارون بموقفه. وحين تراجع بلير عن دعوة شارون تمنى عليه ألا يعطل "المؤتمر الدولي" لأن ذلك سيحرجه أمام الناخب البريطاني وسيتلقى بسببها إهانة سياسية ستضعف موقفه وستعطي ذريعة لخصومه وستحرجه دوليا واوروبيا... و... و... و... وافق شارون على فكرة عقد "المؤتمر الدولي" بشرط تغيير عناوين اللقاء.

وافق بلير على مقاطعة شارون وشروطه في تحديد جدول أعمال المؤتمر، وماذا يقال أو لا يقال فيه؟ ونزولا عند رغبة بلير وبعد اتصالات تلقاها شارون من صديقه الوفي جورج بوش وضع سلسلة ممنوعات ومسموحات. ممنوع على "المؤتمر الدولي" التحدث عن مفاوضات فلسطينية - إسرائيلية لأن تل أبيب قدمت كل ما طلب منها ولم يعد عندها شيء للتفاوض بشأنه. وممنوع على "المؤتمر الدولي" التحدث عن قرارات دولية واتفاقات أوسلو وواشنطن وغيرها من تفاهمات. كذلك ممنوع عليه الكلام عن حقوق فلسطينية وعودة فلسطينيين وتفكيك مستوطنات وتجميد عمليات التوطين. وممنوع على "المؤتمر الدولي" التطرق إلى الاحتلال والانسحابات وكل تلك المفردات التي تشير إلى عدوان أو حتى مسئولية إسرائيلية في شأن تحطيم البنى التحتية وهدم المنازل وتشريد الفلسطينيين وغيرها من مسائل لها صلة بالاعتداءات والاغتيالات والاستقالات، وغيرها وغيرها من ممنوعات. هذا في جانب الممنوعات. أما المسموح به فاشتمل على مجموعة نقاط لها صلة بالجانب الفلسطيني. فالجانب الفلسطيني يجب أن يحترم أمن "إسرائيل" ويوقف نشاط "المخربين" أو "الإرهابيين" ويضبط الفصائل ويضع لها حدا. كذلك مسموح للجانب الفلسطيني أن يطور نفسه سياسيا ويعترف بمسئوليته عن تعطيل المؤسسات الداخلية بسبب الفساد والمحسوبية وعدم وجود شفافية. كذلك على الجانب الفلسطيني أن يحترم الديمقراطية وحقوق الأنسان وينفذ تلك الإصلاحات المطلوبة منه حتى تستمر المساعدات الإنسانية "والمالية" لتقوية السلطة المنتخبة بعد رحيل ياسر عرفات. وغيرها وغيرها من مسموحات.

وافق بلير على شروط شارون ووعده بتلبيتها في عدم دعوته إلى حضور "المؤتمر الدولي" في لندن والاكتفاء بدعوة الجانب الفلسطيني فقط، على أن يعتمد اللقاء "المسخرة" تلك النقاط التي حددت تل أبيب جدولها.

المؤتمر إذا ليس لبحث الأمور السياسية، وليس للتفاوض، وليس للسلام، إنه مؤتمر لدعم إصلاحات السلطة الفلسطينية وتشجيعها على محاربة "الإرهاب" والفساد والتزام الديمقراطية وتبني الشفافية مقابل وعد بتقديم الأموال اللازمة بهذا الخصوص.

أبومازن لم يكن لديه أي خيار آخر، كذلك عباس لا يملك القوة أو الشروط أو الأوراق للتفاوض. فذهبا معا بحضور دولي للتباحث في تبعات الحكم الصالح والتزام الشفافية بغياب الذئب.

إنها سخرية. والسخرية حين تصل إلى مداها الأقصى تتحول إلى مسرحية هزلية بطلها ممثل واحد ومرآة. فالممثل "أبومازن" يتحدث إلى المرآة "عباس" في مسرح لندن الدولي وبحضور 24 وزير خارجية من العالم


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/452013.html