صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 968 | السبت 30 أبريل 2005م الموافق 07 محرم 1446هـ

ما الذي تريده "قمة" الجمعيات السياسية؟

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

عدنا وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، اجتماعات تعقد وأخرى تنفض، تليها تصريحات وبيانات مطلبية وإرشادية تدور رحاها مجددا بشأن "المسألة الدستورية" التي تعم البلاد. فالجميع وعلى رغم تباين المشارب والمصالح يعتقد أنه آن أوان لكسر الحواجز وفتح المنافذ لحل الأزمة الخانقة وحلحلة واقع الحال الآسن، وذلك عبر عقد الموائد المستديرة والمستطيلة التي تقدم عليها الأطراف المتحاورة أولوية أجنداتها السياسية. طبعا هي فرص لا تعوض لنا للاعتراض وإثارة الأسئلة: لماذا تحرص بعض الأطياف السياسية على الدعوة إلى هذه الاجتماعات والمؤتمرات وتتصدرها؟ ولماذا تهتم مؤسسة أميركية تابعة للحزب الديمقراطي الأميركي كـ "NDI" بتمويل مثل هذه المنتديات، ويصرح المسئولون فيها بضرورة أن يقدم "الحكم" حوافز إلى المعارضة تدفعهم للمشاركة في الانتخابات التشريعية المقبلة؟

نعيد سؤالنا بوضوح أكثر: هل تمثل "المسألة الدستورية" التي هي غالبا ما تكون عنوان هذه اللقاءات أو مضمونها، هما لجميع أطراف القوى السياسية وبالدرجة نفسها؟ من دون شك سيرد الجميع بصوت واحد: إنه "الإصلاح السياسي" الذي يكمن خلفه "الاستحقاق الدستوري"، إنها الضرورة لتعديل سكة "المشروع الإصلاحي" الذي كان ولايزال عنوانا للمرحلة الراهنة، وهي أيضا إشكالية انكماش مساحة حرية الرأي والتعبير النسبية التي اعتادها المواطن والآخذة في التقلص، فضلا عن رفض الجميع وهمهم في ألا يعودوا أدراجهم إلى موقع القدم الأول، خالين الوفاض إلا من صرة أحلام وكلام ووعود تتطاير في الأثير.

ما بين "القمة" والمؤتمر الدستوري

جاءت "قمة" الجمعيات السياسية في ظرف سياسي محلي موتور، لا بل هو في غاية التعقيد ولاسيما الجدل الصاخب ما برح يدور بشأن قانون تنظيم عمل الجمعيات، والمقترح الذي قدمته الحكومة لما يسمى بـ "قانون مكافحة الإرهاب" وهي - أي الحكومة - تضغط بالتي هي أحسن أو أسوأ على مجلس النواب لإقراره، تحت مبررات الحاجة الظرفية الماسة إليه. غالبية القوى السياسية المعارضة عبرت عن معارضتها وأبدت التخوف والشك والريبة لما يكمن خلفه من أسباب ذات علاقة بجميع مواده التجريمية الموجودة أصلا في قانون العقوبات المعمول به، وإنه قانون خاص، والخاص بحسب القانونين يقدم على العام، كما ان به مواد تجافي مبادئ الفقه الجنائي، فهو يمنح النيابة العامة سلطات وحقوقا قضائية مبالغا فيها، ويطلق يدها إلى تجاوز واستلاب اختصاصات السلطة القضائية، ما يتنافى ومبدأ الفصل بين السلطات الثلاث، علاوة عن انعدام توافقه مع تنفيذ التزامات القانون الدولي. "محاضرة للمحامي سامي سيادي في 13 أبريل/ نيسان 2005 بجمعية العمل الوطني الديمقراطي".

"القمة" أيضا عقدت بعد مرور شهرين من انعقاد "المؤتمر الدستوري" للمعارضة وتحت مظلة الشعار الذي يعده بعض المراقبين تعبيرا عن الإجماع الشعبي على أهمية الإصلاح الدستوري كمنطلق للإصلاح الجاد، سواء السياسي منه أو الاقتصادي أو الاجتماعي ومجابهة الفساد المستشري في جميع مؤسسات الدولة، وإن حل المسألة الدستورية يستند على الإصرار على الثوابت والحقوق الأساسية التي يجب أن تنطلق من أن الشعب مصدر كل السلطات وحق الإرادة الشعبية فيما ينظم الحياة السياسية على أسس دستورية سليمة. أما بالنسبة إلى آلية تحقيق هذه الغاية، فإن المؤتمر خلص إلى قرارات تتعلق بتوحيد الإطار القيادي للجمعيات السياسية والشخصيات المستقلة وقرارها المتعلق بالموقف من سبل حل الأزمة الدستورية، ثم صوغ أسس إدارة "الحوار الوطني" للتوصل إلى توافق على آلية ومضمون التعديل اللازم إجراؤه على دستور 73 طبقا لميثاق العمل الوطني، وممارسة الضغط السياسي المشروع في الداخل والخارج للتوصل إلى حل "للإشكالية الدستورية"، بما يحقق احترام الإرادة الشعبية الحقيقة في شئون الحكم ومن دون المساس بهيبة الدولة "مناقشات المؤتمر الدستوري الثاني". إذا هذا هو السقف الأعلى والأدنى لقوى المعارضة الدستورية، ولكن ماذا عن لقاء "قمة" الجمعيات السياسية المعارضة والموالية؟

"قمة" الجمعيات السياسية كما هو معلوم، جاءت بدعوة من "جمعية ميثاق العمل الوطني"، وهي القريبة من النبض الرسمي، وبرعاية وتمويل من المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي "NDI". عقد اللقاء بحضور إحدى عشرة جمعية سياسية منها ثلاث جمعيات معارضة تشكل العمود الفقري للتحالف الرباعي إضافة إلى جمعيات أخرى كبيرة وصغيرة اختلفت في هوياتها السياسية قربا أو بعدا عن الحكم، فيما قاطع بعضها بحجة "عدم المشاركة في أي نشاط أو حوار يتم برعاية ومشاركة مؤسسات ومعاهد أجنبية، إذ تتدخل وتخطط لهذه الفعاليات ضمن أجندة خاصة لديها "تصريح جمعية التجمع القومي الديمقراطي في صحيفة "الوسط" 15/4/2005". وهو ما كان ينفيه في مقابلة له المدير الإقليمي لـ "NDI" ليز كامبيل عند سؤاله عما إذا كانت مؤسستهم تتدخل في الشئون الداخلية وتنفذ أجندة الحكومة الأميركية، إذ رد قائلا: "غير صحيح، نحن لا نتدخل في الشئون الداخلية للبحرين، لم نكن لنستمر لولا أن البحرينيين يريدوننا هنا، لم نقل أي شيء غير ما يقوله البحرينيون أنفسهم. نحن نسهل عملية الحوار، لقد بدأنا عملنا في الشرق الأوسط منذ ،1993 وقبل أن يطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير، وهذا يعطيك انطباعا بأننا لا نطبق برامج الحكومة الأميركية، إنما برامجنا الخاصة، وإن كان بعضها يمول من طرف الحكومة... الكل يرحب بنا ومنفتح علينا وعلى رغم الانتقادات التي تملأ الصحف لم أقابل أحدا ينتقدنا وطبعا لهم الحرية في ذلك" "الوسط، 14/4/2005".

لماذا "قمة" الجمعيات السياسية؟

بحسب تصريحات الجهة المنظمة، إن هدف القمة تركز حول سبعة محاور وهي: التجنيس السياسي، والحريات العامة، والتعديلات الدستورية، والمساواة في المواطنة، ونبذ التمييز والطائفية، ومحاربة الفساد وحماية المال العام والبطالة، بيد ان "القمة لم تتوصل بعد حوار عدة ساعات إلا إلى توصية يتيمة وهي تشكيل "لجنة اتصال مشتركة". اختلفوا كما يحصل في "القمم العربية" ولم يتوافقوا على أمرين، الأول: إقرار اجتماع دوري وثابت للجمعيات المشاركة، والثاني: تسمية ناطق رسمي دائم "للقمة"، وبحسب بعض المحللين: إن الأطراف تقاربت فيما بينها بشأن بعض المحاور إلا إنها اختلفت بشأن "المسألة الدستورية". البعض يرى في هذا اللقاء إنجازا يفتح المجال على احتمالات إلى تحالفات جديدة، قد تؤسس لخوض الانتخابات البلدية المقبلة في ،2006 والنيابية في أكتوبر/ تشرين الأول ،2006 فضلا عن انها تكشف عن طبيعة توازنات القوى السياسية ووزنها على صعيد الشارع البحريني "الأيام، 14/4/2005". نلمس ذلك التفاؤل من تصريح النائب الأول لرئيس مجلس النواب، عندما وصف عقد الاجتماع بأنه فاتحة خير، ومبادرة وطنية غير مسبوقة قد تكون حصيلتها مبادرات جديدة تؤكد حيوية هذه المجتمع وقياداته "الوسط، 14/4/2005".

بيد إن واقع الحال مع الأسف يشير إلى خلاف ذلك، وخصوصا عند مقاربة تفاصيل المناقشات التي تمت في "القمة" بشأن القضايا الساخنة التي كمن الاختلاف حولها ما بين بعض القوى السياسية في آلية التعاطي مع هذه الملفات وأولوياتها بالنسبة إلى العمل السياسي في البحرين، فمن رأي رئيس جمعية الشورى الإسلامية: "إن جميع القوى السياسية المشاركة في البرلمان ترى ان دستور 2002 هو دستور متوافق عليه وهو عقدي وبالتالي فإن التعديلات الدستورية ليست من اولوياتها، وأن ميثاق العمل الوطني ينسخ بشكل كامل دستور .,,73" وهذا ما اختلف معه بقية الجمعيات السياسية المشاركة في المؤتمر ومنهم رئيس المنبر الديمقراطي التقدمي قائلا "إن جمعيته على الأقل، لا تقول بما يقول به رئيس الشورى الإسلامية" "الميثاق، 13/4/2005". أما رئيس الوسط العربي الإسلامي الديمقراطي فقد قارب ما بين أسبقية لقمة العيش وارتباط ملف الخبز بملف البطالة بملف التمييز، مشيرا إلى أنها قائمة الآن على نظام المحاصصة الطائفية. "الأيام،15/4/2005". نائب رئيس الوفاق الوطني الإسلامية اعترض قائلا: "إن مسألة الإشكالية الدستورية حاضرة وبقوة وإن التضمينات حول التعديلات الدستورية وآليتها كانت محل قلق ومطلب واضح من قبل القوى السياسية حتى قبل التوقيع على ميثاق العمل الوطني". "الميثاق، 13/4/2005". الناطق الإعلامي لجمعية العمل الوطني الديمقراطي علق في تصريح على خلفية مشاركته في لقاء "القمة": "إن أجندة الأولويات ما بين المؤتمر الدستوري وهذه "القمة" مختلفة، فقرار المؤتمر الدستوري كان ولايزال باتجاه عقد مؤتمر "حوار وطني" عام، وهو بلا شك بحاجة إلى متطلبات أساسية تدور حول من سيشارك في هذه المؤتمر، فضلا عن ان مسألة التعديلات الدستورية كانت ولاتزال أولوية الأولويات بالنسبة لنا" وأكد أن مشاركتهم في "القمة" نابعة من حرصهم على ضرورة الجلوس مع الجمعيات السياسية الأخرى والحوار معها حول جملة من القضايا الوطنية المهمة من مثل "مشروع قانون مكافحة الإرهاب" وتنظيم عمل الجمعيات... الخ، وحتى عن القضايا التي لا تشكل أولويات بالنسبة لهم، كما رأى أن لقاء "القمة" لا يشكل بديلا عن "مؤتمر الحوار الوطني" الذي دعت إليه المعارضة الدستورية، وقال: "إن ما جاء في أجندة اللقاء، لا يشكل الحد الأدنى من أجندة المعارضة الدستورية".

إذا بالنسبة إلى التحالف الرباعي المسألة الدستورية أولوية، وحوار "القمة" الذي تم يؤشر إلى حساسية وانغلاق لدائرة الحوار الذي هو أقرب ما يكون لحوار طرشان. من زاوية أخرى دائرة الواقع أيضا مغلقة وهي تتضح في الإشكالية التي أشار إليها ممثل الـ "NDI" ليز كامبيل في المقابلة المشار إليها سابقا: "اتضح لي أنه لا يوجد إجماع بشأن طبيعة ومسار الإصلاحات". المعارضة ترى أن المشروع الإصلاحي توقف، والحكومة ترى أنه يتقدم، وأن المعارضة تريد تنفيذه بسرعة، إن المشروع يسير في اتجاهين، على السلطات أن تقدم حوافز للمعارضة، وعلى المعارضة أن تشارك في المساحة الممنوحة، ان الجدل الدائر هو ذاته الذي شهدته حينما زرت البحرين قبل أكثر من سنتين، إن ذلك يبعث على "الإحباط". "الوسط، 15/4/2005".

خلاصة "القمة"

لو عدنا مجددا إلى نقطة الارتكاز الأولى "القمة" وماذا تريد، وأوثقنا جميع الأربطة بعضها مع بعض بأحكام، إلى ماذا سيفضي بنا البحث؟ حتما، سنصل إلى حقيقتين مهمتين:

1- طبعا غالبية الجمعيات السياسية المشاركة في لقاء "القمة"، حضرت واحتفظت في جعبتها بأجندتها الخاصة جدا، وأرفقت حضورها بدعوة مفتوحة من بعض الجمعيات والـ "NDI" تتضمن تشجيعا وتحفيزا لأطراف التحالف الرباعي "المعارض"، إلى إعادة النظر وخوض الانتخابات التشريعية المقبلة في أكتوبر ،2006 إذ كما يعتقدون انها المفتاح الرئيسي لفك مغاليق الوضع المتشابك الذي تمر به البلاد.

2- إن ظاهر الخطاب السياسي إلى بعض الجمعيات السياسية المشاركة في لقاء "القمة"، مضمونه لا يتوافق جوهريا مع بعض الخطب الأخرى، لا بل قد يتسم بالمراوغة والتنافر الحاد فيما بينها من حيث الأهداف والنيات، ولا نجافي الحقيقة بشيء إن قلنا إن بعضهم قد حضر "القمة" بحثا عن دور مفقود في الوعي الجماهيري، ومكان في الزمن المقبل عبر المشاركة في ماراثون انتخابات ،2006 وبالتالي فإن وضعا كهذا لا يؤهل بعض القوى السياسية لأن تحمل على أكتافها أعباء حمل ثقيل يكبر حجمها مثل "الملف الدستوري"، بمعنى افتقادها للقدرة على اجتراح آلية لتعديل سكة المشروع الإصلاحي الوطني، وهي فقيرة في رسم خطوط المفاوضة السليمة مع مؤسسة الحكم وبشكل ندي. لهذا وذاك، لا نعتقد بأن "قمة" كالتي عقدت، قادرة على إحداث أي "تعديل دستوري" ما لم يتفضل به الحكم وبحسب أجندته المحكمة، ولاسيما ان بعض الجمعيات المشاركة هي من الحكم وإليه، وقريبة منه ولا تستطيع معارضته، ولا حتى التصدي لمشروعات الحكومة المقترحة الآتية في سياق قضم الحريات العامة للمواطن، حتى ان بعضها بالأصل والمضمون متفق مع مشروعات القوانين التي تخترق خطوط التماس مع ميثاق العمل الوطني والدستوري، لذلك فإن عقدة الحال السياسي لن يتم فك ألغازها بأوهام قمم تتربع على أجندتها قضية المشاركة أو المقاطعة للانتخابات النيابية. الحل لا يكون في ظل غياب أسس سليمة لقضايا وثوابت يتفق عليها ما بين طرفي الحكم والمعارضة تبدأ وتنتهي ما بين خطي ميثاق العمل الوطني ودستور آخر تعاقدي يتفق عليه الجميع


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/460922.html