صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 1008 | الخميس 09 يونيو 2005م الموافق 17 ذي القعدة 1445هـ

من حق الشعب أن يعرف

الكاتب: محمد العثمان - Mohd.Alothman@alwasatnews.com

إن أهمية الإعلام لا تخفى على أحد، والصحافة باعتبارها من أبرز وسائل الإعلام أخذت حيزا مهما في حياة المجتمع في عصرنا الحالي. والعلاقة بين حرية التعبير والديمقراطية هي علاقة متلازمة، إذ أدى ممارسة احداهما إلى تطبيق الأخرى بالترادف، وكلما ارتفع سقف الحرية في الصحافة ارتقى أداء السلطة التشريعية إلى مستوى طموحات الشعوب، تشريعا ورقابة. وكذلك إذا كانت السلطة التشريعية قادرة على سن قوانين تساعد على تنمية العمل الصحافي وتمنحه القوة في تحريك ملفات الفساد المالي والإداري كان ذلك عاملا أساسيا "أي التشريع" في الإرتقاء بمهنة الصحافة.

إن الصحافة سلطة رابعة في النظام السياسي في الدولة، ولا خلاف في اعتبارها سلطة معنوية ركنها الأساسي نفوذ الكلمة وسلطانها. ولكي تمارس الصحافة دورها يجب وجود قوانين تحميها وتنظم عملها. وعلى رأس هذه القوانين قانون حرية الوصول لمصادر المعلومات وتداولها، والذي يعتبر من أساسيات العمل الصحافي، إذ يتم رفد الصحافة بالوثائق والمعلومات حين طلبها، تلك المعلومات التي تم تجميعها في وزارات وأجهزة الدولة، والتي لم يتم تذييلها بعبارة: "سري للغاية" أو تحمل تهديدا للأمن القومي.

استنادا إلى المبدأ الديمقراطي "إن السيادة للشعب" وإن "الشعب مصدر السلطات جميعا" وإن الحكومة في إدارتها للوزارات والمؤسسات والأجهزة التابعة لها محاسبة أمام الشعب، فإن جميع المعلومات التي يتم تجميعها من مصادر مختلفة ولأغراض مختلفة من جميع القطاعات الخاضعة للحكومة هي ملك الشعب.

وكمثال على ذلك فإن أرقام الموازنة العامة للدولة من الإيرادات والمصروفات والديون والضرائب وغيرها، والتي تمس حياة المواطنين ورقي البلد، وكذلك المعلومات التي تستند عليها الدولة في اتخاذ القرارات في الشئون السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفي السياسات الصحية والتعليمية وما شابه، كلها يجب أن تخضع لقانون الوصول الحر لمصادر المعلومات وبالتالي حق الحصول عليها وتداولها والبحث والنقاش حولها من قبل الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والتنظيمات السياسية وجميع المواطنين.

إن وصول هذه المعلومات إلى المواطنين يعزز من ثقة المواطنين في النظام السياسي القائم في الدولة، ويشجع إدارات الدولة في اتخاذ القرارات الصائبة وتبني السياسات الناجحة المستندة على المعلومات الصحيحة والترحيب بالنقد البناء من المواطنين. إذ إن الصحافة تقوم بدور أساسي في الأنظمة الديمقراطية من خلال توصيل المعلومات إلى المواطنين وذلك تطبيقا لمبدأ ان الشعب مصدر السلطات جميعا، فإن من حق الصحافة الوصول إلى مصادر المعلومات التي جمعتها أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة.

لقد قررت جمعية الصحافيين المحترفين ان المسئولية في العمل الصحافي ترتكز على حق الجمهور في أن يعرف الحوادث التي لها أهمية عامة أو مصلحة عامة. كما أن هدف توزيع الأخبار ونشرها هو تنوير الرأي العام بغرض خدمة الرفاهية العامة. وإن الصحافيين الذين يستخدمون وضعهم المهني كممثلين للجمهور لأغراض شخصية أو أنانية أو لدوافع أخرى غير جديرة بالمهنة يخرقون هذه الثقة الغالية التي منحهم إياها الجمهور.

ومن المبادئ الأساسية في حرية الوصول للمعلومات، صحة وتكامل المعلومات، وضمان المساواة في الوصول إليها لجميع من يرغب فيها، ووجود قواعد واضحة في طلب الوصول إليها، وضمان المحافظة على المعلومات الخاصة والمحافظة على سلامة المجتمع والدولة.

أمثلة من دول أخرى

قد يقول قائل: إنه لا يوجد نص صريح بالجواز للصحافة أو المواطنين معرفة المعلومات التي جمعتها الحكومة، فإننا نقول: إنه لا يوجد مثل هذا النص في الدستور الأميركي أيضا! أو دساتير دول الديمقراطيات العريقة، بل لم يكن هناك اهتمام من الشعب الأميركي في الوصول إلى هذه المعلومات في بادئ تأسيس الولايات المتحدة، وكانت المحاكم الفيدرالية لا تقبل دعاوى الحصول على المعلومات المرفوعة ضد الحكومة الأميركية لأنها كانت تعتبر المسألة سياسية وليست قانونية وتدخل في إطار فصل السلطات الثلاث في الدولة. ولكن تغيرت الأحوال بعد الحرب العالمية الثانية إذ توسعت دائرة المطالبة بالمعلومات من الحكومة، وتم وضع القوانين المختلفة التي تساعد الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني والأفراد في تيسير الحصول على المعلومات، مثال ذلك: قانون الوصول إلى المعلومات لسنة ،1966 والذي يعرف باسم "قانون حرية المعلومات" وأيضا "قانون المعلومات الخاصة" لسنة ،1974 والذي يسمح للمواطنين والمقيمين في أميركا الوصول إلى المعلومات الخاصة التي جمعتها المؤسسات الفيدرالية المختلفة. كما تم إقرار قانون "الحكومة تحت أشعة الشمس" لسنة 1976 وقوانين الشمس المشرقة "Sunshine Laws"، ويسمح هذا القانون بتبادل المعلومات ومناقشتها، وذلك ما يسمح بممارسة الرقابة الشعبية على القرارات التي تصدرها جميع مؤسسات الدولة، ما عدا تلك التي حظر تداولها القانون تظل سرية.

وكذلك يوجد القانون المعروف بالمادة 19 في دول: أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، والذي يسمح بحرية الوصول إلى المعلومات وتداولها، وكانت هذه الدول في المنظومة السابقة للاتحاد السوفياتي تحكمها مؤسسة قائمة على قوانين سرية، وكانت ترفض دائما الإفصاح عن المعلومات.

أقرت اليابان قانون "كاناغوا" لحرية تداول المعلومات، وفي إيرلندا تم إقرار قانون حرية تداول المعلومات في العام ،1997 وفي استراليا تم إقرار قانون حرية المعلومات، وأصدرت إحدى الجامعات دليلا يبين كيفية الحصول على المعلومات، وتم تعيين "مقرر" يساعد الجمهور في الحصول على المعلومات. ونص الدستوران النمسوي والألماني على مبدأ "حق الوصول إلى مصادر المعلومات"، فيما نص الدستور الهولندي على أنه: "على الحكومة واجب مراقبة حق الشعب في الوصول إلى مصادر المعلومات". وألزمت السويد سلطاتها بالبت في طلب المعلومة خلال 24 ساعة، وفي النرويج هناك قانون يسمى "قانون تيسير حصول العامة على الوثائق".

في الدول المتقدمة يعاقب كل من يعرقل عمل الصحافي في الحصول على المعلومات بغرامة مالية "لما يسببه حجب المعلومات من أضرار".

ماذا صنعت حرية الوصول إلى المعلومات؟

تساعد حرية الوصول إلى المعلومات في التأسيس لأركان دولة القانون والمؤسسات القائمة على الشفافية والمكاشفة لدرء الفساد الإداري والمالي وإماطة اللثام عن أوكاره، ووضع حد للاستغلال السيئ للسلطة. وتقوم الصحافة الاستقصائية بهذا الدور، إذ تتمتع هذه الصحافة "الاستقصائية" بأهمية كبيرة نظرا إلى مساهماتها في تثبيت الحكم الصالح وأركان الديمقراطية من خلال زيادة اطلاع المواطنين ومعرفتهم، والمعلومات هي مصدر حيوي لتذكير المواطنين بحق محاسبة الحكومة.

ومن خلال نموذج السلطة الرابعة التي تتولاها الصحافة في محاسبة الحكومة بنشرها المعلومات المتعلقة بالشئون العامة، حتى ولو كانت هذه المعلومات تكشف تجاوزات أو جرائم ارتكبها من هم في السلطة. وتعتبر الصحافة الاستقصائية آلية ثمينة لمراقبة أداء المؤسسات الديمقراطية التي تشمل، بحسب المفهوم العام، الهيئات الحكومية والمنظمات المدنية والشركات المملوكة من القطاع العام.

لقد تم جرجرة الفاسدين إلى المحاكم بسبب الكشف عن المعلومات، وحرية الوصول إليها وتداولها. وكانت تمارس دولة العنصرية الأقلية في جنوب إفريقيا أدوارا مختلفة في التكتم على المعلومات الاجتماعية والسياسية والاقتصاديةش والأمنية، وكانت دائما تتعدى على حرية الصحافة من خلال الرقابة على الأخبار ومنع النشرات، وكانت المعلومات شحيحة. وتغيرت الأحوال بعد سقوط النظام العنصري إذ اصبح الوصول الحر للمعلومات وتداولها أساسا لإغلاق ملف الفصل العنصري، وذلك عن طريق المصارحة والمصالحة. وكمثال قريب من الواقع البحريني فقد عاب الخبراء في جنيف على التقرير الحكومي عدم تقديم معلومات بشأن ضحايا التعذيب أو المتضررين من حوادث التسعينات.

وكذلك عانت المكسيك في تاريخها المعاصر من برلمانات ضعيفة الأداء وسلطة تشريعية هامشية الفعل في النظام السياسي القائم حينئذ، وتخلف في السلطة القضائية وصحافة هزيلة سمحت - بتسترها - بوجود حكومات مستبدة منعت الوصول إلى المعلومات التي تفصح عن مدى الفساد المتفشي في الدولة، ولكن هذا الوضع تغير بعد إقرار قانون يكفل الوصول الحر لمصادر المعلومات والمعروف بقانون "حق المعرفة".

الخلاصة

مما سبق ذكره من أمثلة، تتأكد لنا ضرورة إقرار قوانين تسمح وتكفل حق مؤسسات المجتمع المدني والصحافة والمواطنين في المعلومات التي تجمعها الدولة وبالتالي الوصول الحر إليها وتداولها ومناقشتها، وذلك ليس للمعرفة وحسب؛ بل من أجل إصلاح مؤسسات الدولة ومساعدتها في اتخاذ القرارات الصائبة، وممارسة الرقابة الشعبية من خلال الصحافة؛ وذلك ما يعتبر سمة من سمات الأنظمة الديمقراطية التي تحترم مبدأ سيادة الشعب وحقه في المعرفة. ويجب علينا أن نؤمن بإن الصحافي البحريني متى ما توافرت لديه الإمكانات والوسائط فإنه سيصبح من أفضل الصحافيين على مستوى العالم. والصحافة تغذيها حرية الوصول إلى مصادر المعلومات وحرية تداولها ونقاشها، وذلك ما هو محروم منه الصحافي في العالم العربي.

* ورقة مقدمة في الحلقة الحوارية التي نظمتها الجمعية البحرينية للشفافية والصندوق الوطني لدعم الديمقراطية، بتاريخ 19 مايو/ايار الماضي


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/468222.html