صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 1070 | الأربعاء 10 أغسطس 2005م الموافق 13 ذي الحجة 1445هـ

الصين تفتح أبوابها للاستثمار الخاص في صناعاتها العسكرية

الكاتب: سمير صبح - comments@alwasatnews.com

بعد إعلان "بنك الصين المركزي" نهاية شهر يونيو/ حزيران الماضي بلوغ احتياطاته من النقد الأجنبي ما يوازي 710 مليارات دولار، أي بزيادة 50 في المئة خلال عام واحد، وتأكيد الاستعداد لتصحيح سعر صرف العملة الوطنية "اليوان" لمرة ثانية، "تستفز" بكين حاليا الدول الصناعية الكبرى، المنزعجة من نموها الاقتصادي المذهل والمربك في آن معا، بالكشف عن نيتها فتح ميدان صناعة الأسلحة أمام الشركات الأجنبية الخاصة.

لا يكاد يمر يوم من دون أن تؤكد الإحصاءات الوجود المتصاعد والفاعل للصين في الأسواق العالمية. ويذهب الكثير من الاقتصاديين في الدول الغربية الكبرى لتحميلها مسئولية تعاظم الدين التجاري الأميركي، وهبوب أسعار النفط، ومضاعفة الطلب على الفولاذ، والدينامية الاقتصادية العائدة مجددا لدول آسيا. لكن الأهم يبقى في سياسة الانفتاح المدروسة المعتمدة على مبدأ "القضم والهضم" في اختراقاتها للأسواق العالمية، وقدرتها على المناورة وكسب الوقت وصنع المفاجآت التي كان آخرها إعلان السماح لشركات القطاع الخاص، بما فيها المكونة من رساميل أجنبية بالمساهمة في إنتاج وتطوير المعدات العسكرية. ولم تتأخر الحكومة الصينية إقرار القول فعلا عندما حددت تاريخ 15 يونيو الماضي موعدا لهذه "الثورة الصغيرة". لكنها مع ذلك، اتخذت الإجراءات القانونية اللازمة لحماية هذا المجال الحساس عبر تحديد ماهية الصناعات العسكرية التي يمكن للاستثمار الأجنبي دخولها. في هذا السياق، اعتبرت بكين أن قطاع التكنولوجيا المتقدمة في الصناعات الدفاعية، الذي تعتبره "صمام الأمان المستقبلي"، سيبقى تحت سيطرة الدولة بالكامل. أما الباقي، على اختلاف أنواعه، ستفتح أبوابه أمام المنافسة الأجنبية بفاعلية، وأشارت لجنة علوم التكنولوجيا والصناعة في وزارة الدفاع الوطني إلى إمكان إعطاء 300 رخصة بدءا من الفصل الثالث من هذا العام.

التمثيل المثلث

لم تكتف الحكومة الصينية بإعطاء العلم والخبر لمن يهمه الأمر من الشركات الأجنبية، لكنها أوعزت لوسائل الإعلام المحلية الناطقة باللغة الإنجليزية على غرار "شاينا دايلي" بالترويج لهذه الخطوة الليبرالية التي ستسمح للقطاع الخاص بإحداث اختراق في آخر معاقل احتكارات الدولة. لكنها من ناحية أخرى، أرادت أن يأتي هذا الاختراق من ضمن السياسة التي اختطتها الحكومة، والهادفة إلى جذب الصناعيين ورجال الأعمال للحزب الشيوعي عملا بنظرية "التمثيل المثلث"، والتأكيد بالتالي على عدم خرق حق الملكية الخاصة. فباستقالة "جيانغ زيمين" في شهر سبتمبر/ أيلول 2004 من منصبه لإدارة الشئون العسكرية، بات الرئيس هاو جانتاو، المسئول الوحيد عن رقابة جيش التحرير الشعبي. كما أصبح منذ ذلك التاريخ يملك جميع السلطات التي تخوله إدخال الإصلاحات الضرورية على أقدم وأقوى مؤسسة في النظام.

فمنذ زمن ماوشي تونغ وهذه المؤسسة تشكل أخطبوطا اقتصاديا مترامي الأطراف، بحيث تداخلت وظائفها في برامج التخطيط المعتمدة في أعوام الخمسينات، والتي راهنت على الصناعات الثقيلة. بمعنى أن الجيش وضع يده عليها بصورة كلية. كما عمل على إنضاج بروز الكثير من المجموعات الصناعية المنتشرة حاليا في أرجاء العالم، والتي تحاول المنافسة في مجالات صناعة السيارات، والأجهزة الإلكترونية والاتصالات. ففي العام ،1997 وخصوصا بعد نشر "الكتاب الأبيض" بشأن السياسة الدفاعية وأوضاع هذا المجال، تم اتخاذ قرار بتحويل نشاط 500 ألف جندي إلى قطاعات صناعية منتجة، سيتبعه إلغاء 200 ألف وظيفة عسكرية أخرى بنهاية العام الجاري من أجل أن يصل عدد أفراد جيش التحرير الشعبي إلى نحو 2,3 مليون جندي.

وتهدف السلطات الصينية من وراء هذه الخطوات إلى خفض نفقاتها المستمرة في العدد لاستخدامها بالاستثمار في التصنيع العسكري. فالصين التي تشتري معداتها من روسيا بحيث باتت الزبون الرئيسي لموسكو تريد من الآن وصاعدا تطوير صواريخها ودباباتها وطائراتها. في هذا الصدد، يذكر تقرير صادر عن إحدى المجموعات الصناعية العسكرية الفرنسية المهتمة بدخول السوق الصينية، بأن طموح بكين العسكري يفوق التوقعات كونها في وارد الاستثمار في مشروع لإنتاج طائرة "شبح" على غرار ما صنعته الولايات المتحدة الأميركية. كما تعمل المستحيل في هذه المرحلة، وخصوصا مع متانة اقتصادها ومضاعفة احتياطاتها من النقد الأجنبي، وتجاوز معدل النمو بانتظام منذ ثلاث سنوات لعتبة الـ 10 في المئة للوصول إلى امتلاك التكنولوجيا الحديثة للمعلومات والاتصالات في المجال العسكري. وتراهن الصين إذن على إمكاناتها إذا ما أخذنا في الاعتبار أيضا الزيادة الدورية في موازنتها الدفاعية. ففي العام ،2005 من المتوقع أن تبلغ هذ الأخيرة نسبة 12,6 في المئة كي تصل القيمة الإجمالية إلى 29,5 مليار دولار. ما يعتبره الخبراء الغربيون أقل من الواقع كون هذا المبلغ لا يأخذ في الاعتبار جزءا كبيرا من الإنفاق على الأبحاث والمشتريات العسكرية من الخارج. ويذهب هؤلاء الخبراء للإشارة إلى أن الإنفاق الإجمالي الفعلي يتراوح بين 50 و70 مليار دولار، ما خلق جدلا واسعا في أوساط المجموعات العالمية المتخصصة في الصناعات العسكرية المتقدمة. كما وقد بدأ الحديث أخيرا عن أن الموازنة الدفاعية للصين قد تجاوزت تلك التي تخصصها جارتها اليابان، ما تنفيه الولايات المتحدة من دون أن تعطي في المقابل أية معلومات أو أرقام في هذا الشأن.

على أية حال، لقد بات من الواضح بالنسبة إلى الخبراء العسكريين في جميع الدول الصناعية الأخرى أن الصين قد حددت هدفا لا يمكن أن تتراجع عنه، والمتمثل "بالاكتفاء الذاتي" على صعيد الاحتياجات الدفاعية العسكرية. وقد صدر تقرير حديث عن الكونغرس الأميركي يؤكد هذه الرؤية، مشيرا إلى أن الصينيين لديهم النية والإرادة في تصنيع أسلحة تصل مستوياتها ونوعيتها إلى تلك التي تنتجها هذه الدول الصناعية الكبرى، ذلك في فترة تتراوح بين الخمس والعشر سنوات. فمن أجل تحقيق هذا الهدف، يبدو أن بكين مستعدة لدفع الثمن حتى ولو كان ذلك يتطلب تشريع أبواب صناعاتها العسكرية للاستثمار الأجنبي. لقد فهم الأميركيون والأوروبيون جيدا هذا التوجه، وخصوصا بعد التجربة الناجحة لشركاتهم العاملة في المجال المدني في جميع أنحاء الصين منذ نحو 15 عاما.

فالخطوة الصينية الجديدة بدأت تفتح شهية مجموعات التصنيع العسكري الغربية، وخصوصا في فرنسا، إذ بادرت مجموعة إي أيه دي إس "EADS" بإعلان استعدادها بأن تصبح "الشريك المميز" للصين في مجال الدفاع. في الوقت عينه، تقوم شركة "سنيكما" "SNECMA" لصناعة محركات الطائرات بإصلاح وتطوير العشرات منها في قاعدة "شيشوان"، ما يعني أن الضوء الأخضر الذي أعطي للشركات الأجنبية الخاصة قد بدأ يعطي ثماره، تماما كما توقع المسئولون الصينيون. ذلك، حتى لو بقي مجال صناعة التكنولوجيات الحديثة خارج إطار الصفقات، على الأقل في الوقت الحاضر.

إن النقلات النوعية التي نجحت فيها بكين بميدان الصناعات المدنية والاختراقات الكبيرة والمزعجة التي أحدثتها في أسواق الدول الغربية، مستندة إلى قواعد وقوانين "منظمة التجارة العالمية" ستتسع من الآن وصاعدا لتشمل مجالا حساسا جدا يمكن أن يخل مستقبلا بموازين قوى عالمية، لكن الصينيين يدركون، على ما يبدو، شروط وقواعد اللعبة في زمن العولمة، ويعملون على أساسها.

انطلاقا من هذا الواقع، يريد الصينيون عبر فتح أبواب الاستثمار الخاص في الصناعة العسكرية، أن يفهموا واشنطن وبروكسل "الاتحاد الأوروبي" بأن حظر السلاح الذي فرضوه على الصين يمكن أن ينعكس اليوم عليهم.

* محلل سياسي واقتصادي عربي مقيم في باريس


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/485453.html