صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 1113 | الخميس 22 سبتمبر 2005م الموافق 08 ذي الحجة 1445هـ

قراءة في الكتب الاقتصادية الإسلامية "6"

"الاستخراج لأحكام الخراج" لابن رجب صدر في عهد المماليك

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

تحدث الجزء الأول عن ملكية الأرض وأنواعها وخراجها. ويتناول الجزء الثاني والأخير مالية الدولة وطرق الإنفاق. يعود سبب اختلاف الحكم بين الغنيمة والفيء وأرض الصلح وأرض العنوة إلى اختلاف الآيات في تحديد الحكم وتمييزها بين الغنيمة والفيء. فآية الفيء لم يدخل فيها حكم الغنيمة كما أن آية الغنيمة لم يدخل فيها الفيء بل الغنيمة والفيء لكل واحد منهما حكم يختص به. فالغنيمة "ليست كمباح اشترك فيه ناس مثل الاصطياد والاحتطاب فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة" "ص 620". وعلى هذا القياس تم ترتيب حكم أرض الخراج على مستويين: أرض صالحونا على أنها لنا ونقرها معهم بالخراج، وأرض صالحونا على أنها لهم على شيء معلوم من خراج أو غيره "فالأرض ملكهم وما صولحوا عليه لازم لهم مدة استمرارهم على حالهم". وهناك من لا يفرق بين أرض الخراج وأرض العشر، وهذا خطأ برأي ابن رجب الحنبلي، لأن العشر لا يؤخذ مع الخراج. فالخراج أجرة لا جزية وخراج الأرض لا يبطل بانتقال ملكيتها إلى مسلم أو في حال أسلم المعاهد. وينتقل ابن رجب إلى تحديد مقدار الخراج واختلافه بين فترة وأخرى، وهل يجوز زيادته أو خفضه؟ يقول ان الخليفة عمر أوصى بعدم تحميل الأرض ما لا تطيق فاختلفت أحكامه باختلاف الأرض وموقعها، وعندما مسح سواد العراق وجده 36 مليون جريب فوضع على كل جريب من الأرض درهما وقفيزا من طعام. وينقل عن الإمام الماوردي "جميع ما جاء عن عمر رضي الله عنه صحيح، وإنما اختلف لاختلاف النواحي فوضع على كل موضع قدر ما يحتمله ويليق به" "ص 665". ولم تختلف أحكام الخليفة الراشد الرابع علي ابن أبي طالب "ع" عن أحكام الخليفة الثاني، إذ قال حين قدم الكوفة "ما كنت لأحل عقدة شدها عمر رضي الله عنه" "ص 665". مع ذلك اختلف العلماء والفقهاء والقضاة على مسألة الزيادة والنقصان ومقدارها، فهناك من قال بجواز الزيادة والنقصان، وهناك من رفضها ومال إلى الإبقاء على حالها، وهناك من قال بجواز التغيير من طريق الاجتهاد كما قال ابن عقيل بسبب "اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة". ويعتبر ابن عقيل أن انتقال الخراج من المساحة "أرض السواد" إلى المقاسمة على النصف والربع على الثمر والزرع "هو من أنواع تغير الخراج بالزيادة وبالنقص" "ص 670". إلا أن شرط تعديل مقدار الخراج "الزيادة أو النقصان" هو أخذ ما تحتمله الأرض في الاعتبار. فالقصد هو العدل فيها "بين أهلها وأهل الفيء من غير زيادة تجحف بأهل الخراج ولا نقصان يضر بأهل الفيء" "ص 673". وعندما تكون الأرض وقفا على جماعة من المسلمين "لا يجوز لأحد أن ينفرد منها بزيادة على الحاجة". وكذلك أن الفيء يصرف في الحاجات أو "يأخذ كل مستحق منه بقدر حاجته عند الضرورة وليس له الزيادة على الحاجة" "ص 692". وحكم التصرف بالأرض يختلف باختلاف نوعها. فالأرض المفتوحة داخلة في الفيء وهي مشتركة بين المسلمين، وأرض الخراج مملوكة لأصحابها ولا يختلف حكمها باختلاف صاحبها، وأرض السواد كالوقف فهي ليست ملك من هي في يده. لذلك لا يجوز اقتطاع الأراضي الخراجية لأنها ملك لمن هي في يده بالخراج بينما يمكن اقتطاع أرض الصوافي لأنها تابعة إلى بيت المال. فالخليفة عمر صنف أرض الصوافي "الصفايا" إلى عشرة أنواع، واقتطع الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان "رض" أرض الصوافي بعد أن تركها أهلها ولم يبق بها ساكن ولا لها عامر فكان حكمها إلى الإمام كأرض الموات فاقطعها لمن يعمرها ويقوم بخراجها أو يأخذ منه حق الفيء فكان ذلك منه إقطاع إجارة لا إقطاع تمليك. وعندما تصير بعض الصوافي لبيت المال تصبح كالوقف المؤبد فلا يجوز للإمام بيعها ولا إقطاعها "تشبه الملكية العامة في عصرنا". فالموقوف إذا كان أرضا فيه "قطع استحقاق المسلمين عموما إلى يوم القيامة لمنافعها إلى يوم القيامة" "ص 720". وهكذا اختلف حكم العلماء والفقهاء والقضاة بحسب اختلاف نوع الأرض "أرض موات، أرض خراج، أرض صلح، أرض عنوة". فمن أحيا مواتا "فهي له ولا عشر عليه فيما أخرجت"، والصلح إن كان على شيء من أهل الكتاب سقط بالإسلام وإن "كان على خراج مضروب على الأرض لم يسقط كما لا يسقط بانتقاله إلى مسلم"، فأرض الصلح ملك لأهلها ويجوز لهم بيعها وهبتها أو غيرها من التصرفات، بينما أرض العنوة لا يصلح بيعها ويحق للإمام أن يردها إلى أهلها بخراج يضربه عليها. "ص 633". بعد أن يصنف ابن رجب الأراضي وأنواعها ومقدار خراجها "دخل الدولة" ينتقل إلى حكم مال الخراج والمصارف العامة "إنفاق الدولة" ويوزعها على مسائل مختلفة لها صلة باختلاف آراء العلماء والفقهاء والقضاة. فهناك فريق يقول: لا عشر مع الخراج لأن الخراج أجرة الأرض واجبة في الذمة بينما العشر واجب في الزرع. وفريق يقول: يدخل الخراج في العشر ويؤخذ الفاضل من العشر، وبناء عليه هناك من اعتبر مصرف الخراج "إنفاقه" هو مصرف الفيء، وأن حكم السواد هو حكم الفيء وهذا "لكل المسلمين فيه حق الغني والفقير" بينما مال الجزية يصرف في المصالح "ص 723". وهناك خلاف على تخميس الفيء فهناك فريق معه وفريق ضده "ص 724". أما مال الزكاة فهي فرض من فروض الإسلام "ومصارفها معينة فجاز لمن وجبت عليه أن يتولاها بنفسه" بينما مال الخراج والجزية "يصرف في المصالح العامة ويحتاج إلى اجتهاد ويتعلق بها حق جميع المسلمين. والإمام هو النائب لهم والمجتهد في تعيين مصالحهم" "ص 724". ويختلف الأمر عن أموال الصدقات إذ "تجوز أن ينفرد أربابها بقسمتها في أهلها بخلاف من في يده مال الفيء فإنه ليس له أن ينفرد بقسمته في مستحقيه حتى يتولاه أهل الاجتهاد من الأئمة" "ص 724". ويعود سبب اختلاف القسمة والإنفاق إلى اختلاف الحكم الأصلي. فالخراج على ما هو عليه حكمه حكم الديون واجب في ذمته لأجل أرضه وهو حق لبيت المال، والزكاة فريضة ومالها يصرف لمن لا يملك، بينما ينفق مال الفيء في المصالح العامة "بناء السدود والقناطر وحفر قنوات الأنهار وغيرها من المشروعات المشتركة". يعتبر كتاب ابن رجب من أكثر الكتب الاقتصادية دقة في مجاله "أحكام الخراج" وزمانه "حكم المماليك"، إذ صنف الأراضي إلى أنواع "ما أخذ صلحا، ما فتح عنوة، وما أسلم أهله طوعا". وحدد تصرف الإمام في أرض العنوة إذا صارت وقفا وأوضح حكم مال الخراج وإنفاقه والتصرف فيه مستندا إلى سنة عمر بن الخطاب الذي كثرت الفتوح في عهده فقام بترك أراضي العنوة فيئا لعموم المسلمين "ليشترك في الانتفاع بغلتها عموم المجاهدين إلى يوم الدين وضرب عليها خراجا يؤخذ ممن يقر بيديه يكون عدة للمقاتلين" "ص 594"


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/492044.html