صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2981 | الأربعاء 03 نوفمبر 2010م الموافق 05 جمادى الأولى 1444هـ

عاصفة الأسئلة في رواية «سلمى» للقصيبي

«سلمى» رواية قصيرة للوزير غازي القصيبي رحمه الله، صدرت في بيروت، عن المؤسسة العربية للطباعة والنشر، سنة 2002، في 72 صفحة من القطع المتوسط.

وهذه الرواية كغيرها من روايات القصيبي تثير عاصفة من الأسئلة والإشكالات والتساؤلات التي تبقى معلقة دون إجابات حاسمة، وفي ظني أنَّ هذا من أهم وظائف الرواية، فليس سهلاً أن تستفز القارئ، وتنصب له شركاً لإعمال الفكر والتدبر، ليحرك الساكن، وينفض الغبار عن عقول ذهبت بعيداً في متاهة النوم والبلادة.

كما أنَّ رواية سلمى للقصيبي لا تختلف عن رواياته الأخرى من حيث التباين في تصنيفها كفن روائي، وهي لا تحمل روح الرواية على أهميتها، ولا يمكن اعتبارها رواية بالمفهوم الفني الإبداعي. وهذا لا يقلل من أهمية هذا العمل الجميل، فمن حق أي أديب أن يختار الوعاء الذي يرتئيه ليسكب فيه عصاره فكره، ويقدمه لنا بالشكل الذي يراه مناسباً. ويكفي «سلمى» القصيبي أنها أمتعتنا، ونجحت في تشويش أفكارنا، وأخذتنا إلى دوامة من الأسئلة دون أية إجابات مقنعة!

سلمى القصيبي هي الحلم الذي أراده أن يحقق الحلم، ولما غاب الحلم (سلمى) تحول الحلم (الأمل) إلى كابوس أسود!

سلمى القصيبي هي المرأة كما يجب أن تكون، وكما هو دورها المفترض «وراء كل رجل عظيم امرأة»، وهنا يضع القصيبي المرأة في مكانة بارزة، لتؤدي دوراً مؤثراً في الحياة. وفي الوقت نفسه فإنَّ سلمى القصيبي تدين المرأة لأنها تخلت عن دورها، وانشغلت بتوافه الأمور وسفاسفها، فتحولت إلى أداة للهزيمة، أو لعبت دوراً مؤثراً في الهزيمة.

رواية سلمى تفترض مجموعة من الافتراضات لمجموعة من الأحداث المهمة، وكأنه يقول لو حدث كذا لكان كذا. ولكن لا يمكن لعجلة التاريخ أنْ تعود للوراء، وستبقى الخيبات والهزائم وصمة في سجل التاريخ. وهذه الافتراضات تحمل إدانة لمن صنعوا هذه الهزائم، فإنهم صنعوها بضعفهم واختلافهم وعدم سعيهم الحثيث لتجنب الكارثة، مع أنهم يتوقعونها، ولكنهم لم يحاولوا أن يتجنبوها، بل إنهم بعملهم ساهموا في صنع الهزيمة وكأنهم طابور خامس في جيش العدو!

المقطع الأول عبارة عن حوار دار بين سلمى بصفتها مديرة مخابرات مصر والرئيس عبدالناصر، قبيل هزيمة 1967، وهذا الحوار اتصف بالطول غير المبرر وغير المقنع، والذي لا يتفق مع مهمة سلمى ومنصب عبدالناصر، وهو يصلح كمشهد سطحي في مسلسل عربي؛ لأنَّ مهمة سلمى هنا أن تقدم الحقائق والمعلومات والاستنتاجات مباشرة وبلغة واضحة ومختصرة لا تحتمل التلغيز والتدليل. والكاتب هنا يحمل عبدالناصر وزر هزيمة 1967 لأنَّ بوادرها كانت واضحة، مع إهمال الإجراءات الضرورية لتجنبها.

وفي ذات المقطع سيبدو أنَّ الكاتب يتبنى رأي الصحف الإنجليزية في قرار تعيين سلمى مديرة للمخابرات: «اعتبرت القرار ضربة من ضربات الدهاء السياسي. المرأة أكثر وفاءً من أيّ رجل، وأقلّ خطراً على النظام من أيّ رجل.»(10)، ويتهكم على رد عبدالناصر: «قد يكون هذا صحيحاً. ولكني لم أخترك لأنك امرأة. اخترتك لكفاءتك النادرة».(10)، فمتى كانت الكفاءة عملة يتداولها المسئولون العرب؟!

في المقطع الثاني تحضر سلمى حلم الأندلس، التي حمت بحنكتها ودهائها الأندلس من السقوط، بل وأدت خطتها إلى هجوم معاكس أدى إلى هزيمة فرديناند وإيزابيلا. وكان هذا الحلم ليتحقق لو تجنب أمراء الأندلس الصراع فيما بينهم ورسم المكائد والاستعانة بالأعداء، والحرص على وحدة الصف الداخلي، وقوة الأسرة الحاكمة. كانت سلمى الأندلس حلماً، كما أن سلمى الحاضر العربي تبدو سراباً.

سلمى أبي الطيب المتنبي هي محور المقطع الثالث، هذا الشاعر الذي أغرم به القصيبي حدَّ العشق، وكان شاعره الأثير، وقلما تخلو رواية أو كتاب له إلا تمثل بأبيات المتنبي، بل إنَّ له حوارية كاملة تعتمد على شعر المتنبي. ولا عجب أن اعتبر القصيبي المتنبي مفصلاً من مفاصل التاريخ، ورغم أهمية المتنبي وريادته وتبوئه عرش الشعر العربي، إلا أنَّ هزيمته لا تشكل مفصلاً تاريخياً، ولا حتى أدبياً، فقد أدى دوره كاملاً بكل تقلباته، ولم يبق ما ينتظر منه، إلا إن كنا نبني الأحلام على الأوهام! ويغفر للقصيبي ذلك مكانة المتنبي عنده، وأثره الكبير الذي لا يقاربه كثير من أعلام السياسة والحرب.

ولعل مكانة المتنبي جاءت من الأسرار الكثيرة التي تكتنف حياته ومسيرته، ويعبر عنها القصيبي بقوله على لسان المتنبي: «ما قيمة حياتي بلا أسرار؟ في اللحظة التي تنكشف فيها أسرار حياتي، تنتهي الأسطورة، وعندما تنتهي الأسطورة أنتهي أنا، أتحوّل إلى شاعر عادي بين آلاف الشعراء». (33). وما يهم المتنبي: «أن يبقى المرء في ذاكرة التاريخ ما بقي التاريخ». (34)، وبعبارة أخرى: «وتركك في الدنيا دوياً... «(34). والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن كم من زعيم أو شاعر أو علم من الأعلام صنع أسطورته ومكانته ومنزلته مما يكتنف حياته من أسرار وطلاسم، ولو كشف الغطاء لتبدى قزماً لا يؤبه له؟!

وعودة إلى المتنبي، هل كان المتنبي صاحب مشروع سياسي؟ هل كان صاحب رؤية ورسالة يسعى إلى تحقيقها؟ إنَّ مسيرة المتنبي لا تؤيد ذلك، ومتى كان الشعر سلماً للسلطة والخلافة؟ وهل يثق الناس بالشعراء حكاماً؟ وهل يمكن أن يسلموا قيادهم لشاعر؟ وهل من الممكن أن يبذلوا أرواحهم فداء لحاكم شاعر؟! التاريخ قال كلمته، وقتل المتنبي بشعره، وكان شعره وبالاً عليه، وفي المقابل تبوأ المتنبي عرش الشعر العربي، وربما إلى الأبد، وأظنها الولاية التي يستحقها المتنبي، وهي التي تحقق مقولته: «المهم أن يبقى المرء في ذاكرة التاريخ ما بقي التاريخ». (34)، فلا يذكر الشعر إلا والمتنبي في الصدارة، فلا شعر دون المتنبي، كما أن المتنبي لا شيء دون شعره!

سلمى بغداد في المقطع الرابع لا تختلف عن سلمى الأندلس، بل هما وجهان لعملة واحدة، ومن المؤلم أن هذه الرواية «سلمى» صدرت سنة 2002، وكان سقوط بغداد الأخير سنة 2003، في نبوءة سوداء غير مستحبة، وبعيداً عن السياسة ودهاليزها، فعندما نذكر بغداد فإننا نقصد بغداد الحضارة والتاريخ، بغداد الأدب والشعر والعلم، بغداد الرمز!

سلمى صلاح الدين هي سيدة المقطع الخامس من الرواية، ويبدو هذا المقطع شاذاً وغريباً وسط المقاطع الأخرى، فأين الأمنية أو الحلم؟ فقد تحقق النصر فعلاً في حطين. وماذا يريد القصيبي من وراء سلمى صلاح الدين؟؟ هل يشكك في حطين؟ وهل وقع على حقيقة لم نعرفها بعد؟؟ ثم ما دور سلمى في هذا النصر؟؟ لكأنما القصيبي لا يعترف بحطين، بل يدين هذا النصر، أو على الأقل يدين السبيل المؤدية إلى هذا النصر. وفي توظيف سلمى زوجة صلاح الدين إساءة لدور المرأة، وتعريض بصلاح الدين، وتشكيك بدوره. هذا ما يمكن أن نفهمه من النص، وهو حق لنا، ويبقى قصد الكاتب في بطنه، وكأني بالقصيبي رحمه الله يتمثل بالمتنبي في قوله:

أنامُ ملءَ جفونِي عن شواردها *** ويسهرُ الخلقُ جرَّاها ويختصمُ

في المقطع السادس تحلق بنا سلمى بين شاعرية شوقي وموسيقى عبدالوهاب، لكأن القصيبي يريد أن يجسر الفجوة بين الشعر والموسيقى، وهو جسر قائم أساساً منذ الأزل، فالموسيقى من أساسيات الشعر، ولا شعر دون موسيقى، وفي المقابل تتطور الموسيقى بالشعر، بل هو محركها الأساسي للتجديد والإبداع.

سلمى شوقي وعبدالوهاب تعيدنا إلى سلمى المتنبي، لماذا؟ وما دور شوقي وعبدالوهاب في التاريخ؟ وهل يستحقان أن يكونا مفصلاً تاريخياً؟ أظن أن الإجابة بقيت سراً من أسرار القصيبي، ويبدو أن إعجابه الشديد بهذين العملاقين دفعاه لتخليدهما في رواية مخصصة للمفاصل والمنعطفات التاريخية، إلا إذا كان فهمنا للرواية قاصراً، وهو احتمال وارد على كل حال!

المقطع السابع عن سلمى الشهيدة مفجرة شارون، وهي حلم يراود كل عربي ومسلم يراقب المشهد الدموي في فلسطين وما يتعرض له الناس هناك تحت إجرام العدو وعطشه الدائم للدماء، ولابد أن يتحقق هذا الحلم يوماً ما، فالأمل مازال قائماً، والحلم مشروعاًَ.

وفي هذا المقطع يؤكد القصيبي الروائي أنه ينحاز للإنسانية وينتصر للضحايا، مؤيداً العمليات الاستشهادية للتخلص من الاحتلال الجاثم على الصدور.

المقطع الثامن هو خاتمة الرواية، بدأ مع أول سطورها وانتهى بنهايتها، وكان حلقة وصل بين كل مقطع ومقطع، وتمثله سلمى الحاضر المؤلم، وهي رمز لكل واحد فينا، فهي تطلب راديو كل شهر، في محاولة للتهرب من مسئوليتنا عن مآسينا وهزائمنا، ونلقي بتبعاتها على الآخرين، وكأن الشمس تغطى بغربال، أو يمكن أن تطمس الحقيقة بالأقنعة.

كما أن الاتكاء على الراديو سماعياً، والاعتماد عليه لقراءة التاريخ والتواصل مع الحياة، يؤشر إلى حالة من الكسل والركود والترهل، فنحن أمة رضيت بأن تتلقى سياط التاريخ بقسوة، واستكانت تحت جناح الآخرين، وعندما تموت، تموت على فراشها مع ضريبة لابد منها، فمن رضي بالذل، لابد أن يرضى تبعاته، ويتوقع كل عواقبه.

اختتمت الرواية بعبارة «أليس التاريخ هو الحاضر الوحيد؟» (72)، وهو تساؤل لاذع شديد القسوة، ويضعنا أمام حقيقة لابد من الاعتراف بها، فنحن مازلنا نعيش في غياهب التاريخ بكل ما فيه، بعيداً عن الواقع كما يجب أن يكون، أما المستقبل فلا يبدو أنه في حسابنا أساساً، أو أن المستقبل كفعل سقط من قاموسنا إلى الأبد!

مما يؤخذ على الرواية عدم وجود ترابط بين الأحداث التي شكلت هيكل الرواية، فإن كانت هزيمة حزيران 1967 تتوافق وطرد العرب من الأندلس وسقوط بغداد، فإنها لا يمكن أن تتوافق مع انتصار حطين، وشوقي وعبدالوهاب، والمتنبي، ولا حتى مع سلمى مفجرة شارون.

ما يحسب للرواية نجاحها في إثارة الأسئلة، وإيجاد حالة من العصف الذهني وإن على مستوى المثقفين، توصل إلى إجابات مفتوحة للأسئلة والقضايا الشائكة التي أفرزتها الرواية، ولعل هذا ما يرمي إليه القصيبي أولاً وأخيراً.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/496433.html