صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3072 | الأربعاء 02 فبراير 2011م الموافق 06 ذي الحجة 1443هـ

قارئاً شعر التراث الحسيني

النويدري يحقق مخطوطة الشيخ عبدالله الذهبة

ضمن فعاليات عاشوراء الآخذة في التطور يوما بعد يوم ها هو الباحث التاريخي والمحقق سالم النويدري يقرأ شعر التراث الحسيني ويحقق مخطوطة للشيخ عبدالله الذهبة، كان ذلك في خيمة عاشوراء بالمنامة التي تراوحت فعالياتها بين الرسم والخط ومعرض للكتاب وعمل سينوغرافيا متنوع... ومازالت الخيمة تتسع للكثير كلما تجددت الذكرى وحملتك رجلاك إلى خيمة في فريق المخارقة بجانب جامع المهزع في عاشوراء مع الفنان عباس الموسوي واتساع المخيلة لكل هذا الإبداع فمع الحسين يتسع المعنى.

وفي ليلة الخامس من المحرم قدم النويدري ورقة هي عبارة عن بحث اشتغل فيه على تحقيق مخطوطة للشاعر الشيخ عبدالله بن أحمد الذهبة البحراني.

أولا - السيرة الذاتية:

الاسم:

هو الشيخ عبدالله بن أحمد الذهبة البحراني.

• المولد والموطن:

قرية (جدحفص) بالبحرين، وله فيها أسرة معروفة بالذهبة، ومسجد معروف باسمه. ثم رحل إلى (القطيف)، واستوطنها فترة، فعرف بالخطي، وله في قرية (الكويكب) بالقطيف عائلة تعرف بالذهبة أيضًا.

أسرته:

آل الذهبة من وجهاء الأسر في البحرين، ولها امتداد في بعض الدول الخليجية الأخرى. ولعل والد الشاعر الذهبة هو (الحاج أحمد بن علي الذهبة) الذي رثاه أحد الشعراء البحرانيين في (لنجة)، ذلك هو الأديب (صالح بن عطية البحراني) من أعلام القرن 13هــ الذي وصف ابن المرثي في آخر المرثية – كما في منتظم الدرين - بقوله:

والفضلُ والآدابُ أنت وليُّها

والعقلُ والآراءُ أنت سدادها

والأرجح أنه يقصد به المترجم (الشيخ عبدالله الذهبة) رحمه الله.

وفاته :

كانت له رحلات إلى (مسقط) بعُمان، وقد ألقى عصا التسيار في بلاد (لنجة)، وبها توفي - كما ينقل - العام 1377هـ - 1860م. «الأرجح امتداد حياته إلى ما بعد ذلك - فقد اجتمع معه بالقطيف الشيخ علي البلادي، صاحب كتاب (أنوار البدرين) المولود العام 1274هـ. وقد ذُكر أن وفاة الذهبة العام 1309هـ - 1892م». والله أعلم.

ديوانه:

ذكر البلادي في (الأنوار) أنه رأى منه مجلدين كبيرين، وقال الطهراني في (الذريعة) إنه أربعة مجلدات، وفي مكتبته قطعة منه بخط (الشيخ أبي القاسم الكازروني) كتبها في بندر لنجة.

لم يعثر الباحث حتى الآن على ديوان الذهبة الكبير، وإنما كان عثوره على قصائد ثمان له في مجموع شعري مخطوط (سيرد التعريف به لاحقًا).

• مكانته العلمية والشعرية:

يمكن التعرف عليها من خلال شهادات رجال الفكر والأدب في المترجم له، ومنهم:

1 - الشيخ محمد علي العصفور قال في (الذخائر): «الشيخ عبدالله الذهبة البحراني هو أحد الأعلام، وركن الإسلام، وطوده الشامخ. له ديوان شعر».

2 - الشيخ علي البلادي، صاحب (الأنوار). قال فيه: «كان شاعرًا ماهرًا مجيدًا من شعراء أهل البيت (ع) وراثيهم ومادحيهم، تقيًا ذكيًا، لم يوجد مثله في الشعر والمعاني الجيدة، وكان بمنزلة المرحوم السيد حيدر الحلي (ره) في العراق، بل في بعض الأشعار له التقدم عليه».

3 - الشيخ الطهراني في (الكرام البررة) وصف الشيخ الذهبة بأنه: «كان من مشاهير مدّاح أهل البيت (ع)، وقد أكثر من البكاء والنوح عليهم، نظيرًا للسيد حيدر الحلي في العراق» .

4 - السيدخليل الجدحفصي (وهو من معاصريه ومن أهل بلدته)، يقول فيه شعرًا:

ما جاء قبلك في البحرين من رجلٍ

يحكيك في النظم عبدالله يا ذهبه

ملكتَ بالفض أهلَ الفضــــــلِ كلَّهمُ

وكــــــلَّ ذي أدبٍ ألزمتَـــــــه أدبَه


من مميزات شعره

جاء في (معجم البابطين الشعري) في ترجمته: «شعره فيض من المديح والرثاء لآل البيت، يجيء معددًا لمناقبهم، وداعيًا إلى السير على نهجهم والتأسي بأخلاقهم. له شعر ذاتي يعتد فيه بنفسه، إلى جانب بعض من الطرائف الشعرية، يكشف - من خلال تراكيبه وأنساقه - عن تعمق لغوي، وذوق أدبي، وإغراق في بعض فنون البديع، يسير على هدْي الأقدمين في بناء قصائده من حيث المحافظة على عمود الشعر أوزانًا وقوافي».

ثانيًا - شعر الذهبة وخصائصه الفنية:

(قصيدة أبى الدهر: أنموذجًا)

سبق الحديث عن ديوانه الشعري الكبير ذي المجلدات الأربعة، غير أنا لم نجد منه إلا قصيدتين مطبوعتين في (رياض المدح والرثاء) للشيخ حسين البلادي القديحي، وقد تضمنهما مع ست قصائد أخرى له في مجموع شعري مخطوط سيرد تعريفه وتوثيقه لاحقًا)، ومتوسط كل قصيدة من قصائده الثماني ثمانون بيتًا.

وفيما يلي نستعرض بإيجاز بعض الجوانب الفنية في قصيدته (أبى الدهر)، فلها تميّزها بين قصائده الأخرى من وجهة نظر الباحث.

1) هيكل القصيدة:

1 - المقدمة: (التحذير من تقلب الزمان) (الأبيات 1- 12)

استهلها بقوله:

أبى الدهرُ أنْ تصفو لحرٍّ مشاربُه

ولو عركت هامَ السماكين غارُه

وفي البيت (8) يقول عن نفسه وما أصابه من حوادث الدهر:

ألم تره قد أمَّني بصــــــــــــروفه

وأيّ عليٍّ ســـــــــالمته مصائبه

أرى كلَّ يــــوم منه ما لو عُشَيْرُه

أناخ برضوى سـاخ منه شناخبُه

ولا ذنب لي إلا نهوضي إلى العلا

وما عنه بالمُثني زمـامي مَقانبُه

وما أنــــــــا بالرعديد إنْ أمَّ جندُه

لحربي وهُزَّتْ سمرُه وقواضـبُه

وما أنـــا بالمعطي قيادي له وإنْ

أكن كالذي قـــــــد وزّعته مخالبُه

2 - التخلص إلى الموضوع (واقعة كربلاء):

في البيت (13) يتخلص إلى رثاء الحسين (ع) بقوله:

سأصبر حتى أورد الموردَ الذي

به طاب للمولى الحسين مشاربُه

3 - موضوع القصيدة (مواقف الحسين وصحبه في كربلاء، الشهادة، الأسر):

وفي الحديث عن المأساة المفجعة في كربلاء يقول في البيت (15):

عشيّةَ ألقى في الطفوف عصا السرى

وطافت عليه للضــــُلال عصائبُه

ثم يشيد بمواقف الحسين (ع) وأنصاره البطولية في الأبيات (17 - 34)، وفي بعضها يقول:

فبات يقيه كلُّ أروعَ ماجـــــــــــــــدٍ

تحمّل أعباءَ المفاخــــــــــــر غاربُه

وحامي ذمارٍ لو دعا صـــــــارخٌ به

على النجم أضحى وهو للنجم راكبُه

وأشوس محمود الضــــرائب لو بدا

له الموتُ يومَ الروع قامــت نوادبُه

ومن راسخ في الحلم لو زلزل البلا

ثبيرًا وأحــــــــــــدًا ما تقطّب حاجبُه

إلى أن يقول:

لها الويلُ حربٌ ما درت مَنْ بحربها

نَحَتْ بل درت والموتُ لم يعيَ طالبُه

تريدُ بأن يُعطي القيادَ ابنُ فاطـــــــمٍ

متى للظبا ليثُ الشـــــرى لانَ جانبُه

أليس هو العَضْـــــبُ الذي يعهدونه

يُفَلّ ولم تُفلل لروعٍ مضــــــــــــــاربُه

وفي مصاب أمة الإسلام بمصاب سيد شباب أهل الجنة وصحبه يسهب القول في الأبيات (35 – 69): ومنها:

ولكنها أرواحهم ســــــــاقهاالقضا

لقابضـــــــــــــها والموتُ تلك مآربُه

فتلك على وجه الصعيد جســومُهم

كأنّ بها في الصور قد صاح صاحبُه

وتاللهِ لولا شــــــــوقُه للذي قضى

له اللهُ والمحتومُ لم يخطِ صــــــائبُه

لما بات من فـــــوق التراب تريبةً

برغم المعالي والفخــــــــــار ترائبُه

وفي الأبيات (70 – 77) يصور أسارى آل محمد (ص) في يد الأعداء بعد مقتل الحسين (ع) ومنها:

فلهفي ولا يشفي الذي في ضـمائري

بلهفي ولا يخبو من القلب لاهبُه

لربات خدرٍ لم ترَ الشـــــــمسُ ثوبَها

لها دانَ أعجامُ الـــورى وأعاربُه

لدى كلِّ وغدٍ ما درى المجدَ ما اسمُه

يُجاذبُها فضــــــــلَ الردا وتُجاذبُه

4 - الختام (إبداء الحسرة والألم على مصاب آل البيت في كربلاء، ثم طلب الشفاعة منهم يوم القيامة أجرًا على مودتهم والإشادة بفضلهم والإعراب عن عظيم حزنه بمصابهم). (الأبيات 78 – 84): ومن تلك الأبيات الختامية:

فيا لك جرحًا ليـــس يُرجى اندمالُه

ولا بُرؤه أو ياخذ الثـــــارَ صاحبُه

2) الوزن الشعري:

القصيدة من بحر (الطويل)، ويبدو أن الشاعر الذهبة ذا ولع بالبحور المركبة من تفعيلتين مختلفتين، تتكرران في الشطر الواحد من البيت التام فتفاعيل وزن (الطويل) هذا: (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن). وهو من البحور التي أكثر النظم فيها الشعراء القدامى، وإن لم يسلموا من مشكلات في النظم، لصعوبة في خوض لججه. ولكن الذهبة قبل التحدي وجاراهم فيه، ليثبت أنه من فحول الشعراء، وإن جاء زمنه متأخرًا. فنظم فيه قصيدته هذه (أبى الدهر)، وقصيدتين أخريين في المجموعة الشعرية المخطوطة المشار إليها آنفًا، مطلع الأولى:

خَلا مقلتي ذّمٌّ غدــــــداةَ الأجــارعِ

فقد أســــعفتني بالدموع الهوامعِ

والثانية مطلعها:

أرى المجدَ معشوقَ البوائقِ عاشقُه

ولكنه يســـــــــتعذب الموتَ تائقُه

وإن بقية القصائد الخمس في المجموعة كانت بحورها ذات تفاعيل مركبة، مثل:

- الوافر (مفاعلتن مفاعلتن فعولن)، فبين أيدينا قصيدتان له في هذا البحر، مطلع الأولى :

إلى كم ذا الوقـــــوف على الطلولِ

بها ترعــــــــى المحال من المحيلِ

ومطلع الثانية:

خُذا من غدرة الدهـــــــــر الحِذارا

وإنْ صـــــــــــــافى فظنّاه اغترارا

- الخفيف (فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن). ومن قصائد المجموعة في هذا الوزن قصيدته التي مطلعها:

عُجْ على كربــــــــــلا وحيِّ حماها

واســــــــــقِ بالدمع وَهْدَها ورُباها

- السريع ( مستفعلن مستفعلن فاعلن). وفي المجموعة قصــيدة له بهذا الوزن ، مطلعها:

أين الإبا هاشـــــــــــــمُ أين الإبا

ما للعـــــــلا لم تلفِ منكم نَبا

- البسيط (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن) . وردت له فيه قصيدة واحدة، مطلعها :

بأيّّ شمس جلالٍ كسفتها المرهفات

بأيّ طود كمالٍ دكدكته الفاقرات

ويبدو أن هذا المطلع كاد يقترب من النثر، لطروء أكثر من زحاف على تفاعيله. وللعلم فإن هذه القصيدة مربعة شعرية، وأكثر المربعات تنظم على بحر الرمل (فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن)، كالمربعة الدمستانية الشهيرة، ولا أظنه عدل عن (الرمل) إلى (البسيط)، إلا لكون الأول من البحور غير المركبة التي قد لا تتطلب جهدًا في النظم، بخلاف الثاني – أي البسيط – وهو عكس اسمه، لكونه بحرًا مركبًا، فخوض غماره بحاجة إلى قدرة قد لا يتوافر عليها كل شاعر، وشاعرنا يريد أن يركب الصعب إلى مبتغاه في النظم.

3) الألفاظ:

يغلب على القصيدة استعمال ألفاظ تعد في نظر الكثير من قرائها من (الصعوبات اللغوية) التي تحتاج إلى معجم لغوي كبير من وزن (لسان العرب) لابن منظور. وقد سبق أن مرّ علينا بعضها في أبياته التي استعرضنا طائفة منها، وإليك بيان دلالاتها (بحسب ترتيب ورودها في قصيدته/ أبى الدهر):

أ - من أمثلة ألفاظه المعجمية :

- الشناخب: (الشناخيب: أعالي الجبال. الواحدة: شُنْخوبة). (الأبيات: 5- 9)

- المَقانب: (المِقْنَب: جماعة الخيل والفرسان. ج: مَقانب). (البيت: 10).

- النزيف: (السكران، أو فاقد العقل). (البيت: 27).

- العَفرنى: (الأسد). (البيت: 31).

- بُجْر: (بجر الحقائب: الأوعية الجلدية المليئة بالمتاع، وتبدو لذلك كالبطن المنتفخ). (البيت: 53).

- اليَزَني: (الرمح: منسوب إلى ذي يزن). (البيت: 63).

- أخوى: (أخوت الأرضُ: أمحلت). (البيت: 69).

- الأخاشب: (الأخاشيب: الجبال الغليظة. الواحد: أخشب). (البيت: 69).

- واصب: (دائم غير منقطع). (البيت: 78).


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/525111.html