صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3110 | السبت 12 مارس 2011م الموافق 23 شعبان 1445هـ

الثورات العربية بين الرؤية الاستراتيجية والمراهقة الفكرية - نظرة مقارنة (2 - 3)

الكاتب: محمد نعمان جلال - comments@alwasatnews.com

للأسف فإن بعض الثورات في منطقة الشرق الأوسط تحولت إلى حركة طائفة سياسية، بل بلغ بها الفكر الطائفي أو الديني، أن وضعت ذلك في دستورها بأن الدولة دينها كذا وطائفتها كذا، وهذا تحول ليس لمصلحة الدولة، بل لمصلحة الطائفة التي تنتهي بأن تكون لمصلحة الفرد، وهذا هو أكبر مزالق الحركة الثورية، بل أكبر كوارثها، فعندما رفع ماوتسي تونج مفهوم طبقة البروليتاريا، كما رفعه ستالين، تحولت الدولة ليس لمصلحة الطبقة بل لمصلحة الزعيم الأوحد، وعانت طبقة البروليتاريا كما عانى المجتمع بأسره.

في حين أن المفهوم الأعمق للثورة هي أنها حركة تغيير جذري في المجتمع لمصلحة المجتمع بكافة طوائفه وطبقاته وقواه، ولعل ذلك هو الممارسة العملية لكثير من تجارب الدول الرأسمالية، بل ممارسة دولة نموذج إلى حد كبير في العالم الثالث، وهي الهند مقارنة بنموذج دولة باكستان التي تتشابه معها في كثير من الخصائص، ماعدا مفهوم الدين كأساس لبناء الدولة، والأنكى عندما يتحول مفهوم الدين لمصلحة نخبة معينة، كما حدث في عهد ضياء الحق، وما أطلق عليه أسلمة المجتمع وقوانينه، والحقيقة أن ذلك كان أول بذرة من بذور الانحدار في المجتمع الباكستاني ليس بسبب الإسلام كدين وإنما بسبب فهم رجال الدين أو بعضهم لمفهومه وتسخير رجال السياسة ذلك لمصلحتهم، وهذا ما يحدث في دولة مجاورة لمنطقة الخليج العربي تحولت ثورتها العظيمة إلى مصلحة وفكر وقرار فرد واحد، وأخذت الثورة تأكل أبناءها لمصلحة طموحات سياسية ورغبة في الهيمنة على الآخر في داخل المجتمع وفي المحيط الإقليمي.

نخلص مما سبق إلى الثورات أو الانتفاضات الراهنة، وبخاصة في مصر وبوجه عام في بعض الدول العربية في حاجة للتفكير ملياً ودراسة التجارب الثورية وأخذ العبر من ممارساتها الخاطئة والاستفادة من ممارساتها الصحيحة.

إن أسوأ نماذج الثورات في تقديري هو ما يحدث في ليبيا، فالزعيم الليبي معمر القذافي يظل في السلطة 42 عاماً، ويبدد ثروات المجتمع الطبيعية على أحلامه وفكره التوسعي من مساندة حركة في الفلبين، إلى حركة في إيرلندا، إلى صراعات داخل الدول الإفريقية، والشعب الليبي يعاني من الفقر والتخلف - رغم ثرواته الكثيرة ومحدودية سكانه - كما يعاني من القمع، ويتصور القائد الثوري أنه مبعوث العناية الإلهية، وأنه منقذ البشرية، وهذا واضح من أقواله المذاعة عندما فوجئ بثورة ضده لم يصدق.

النموذج المصري الراهن في ثورة 25 يناير/ كانون الثاني، أكثر نقاء، وأكثر شفافية، وأكثر اتساعاً في ضم فئات المجتمع بأسرها، ولقد لفت النظر مدى عمق فكر الشباب، ورحابة صدورهم في ميدان التحرير، عندما اجتمع الهلال والصليب معاً، وهما أبناء المجتمع، وقام المسلمون بالصلاة، وحافظ المسيحيون على النظام أثناء ذلك، وتبادل الطرفان الأدوار، فقام المسيحيون بأداء قداس يوم الأحد، وحافظ المسلمون على النظام، ولم يثر أي من الطرفين اختلافاته الدينية، ونظرته للآخر، لأن شباب الإنترنت يختلفون عن علماء الدين الذي يجترون الكتب القديمة، ويعيشون في الماضي، وليس المستقبل، ويكررون المفاهيم اللاهوتية بالخلاف بدلاً من المفاهيم القائمة على المواطنة. وحسناً فعل المسلمون والمسيحيون بعدم الرجوع للمرجعيات التقليدية في الأزهر أو الكنيسة، ورغم أن أسوأ مشهد كان عندما سعى أحد رجال الدين لاختطاف الثورة من ميدان التحرير، وبعد قليل من الصبر بعد صلاة الجمعة، وصلاة الغائب، وصلاة الجنازة، سئم المتظاهرون من هذه الأساليب التي تؤدي لبث الفرقة، فهذه كلها صلوات ليس مكانها موقعاً سياسياً، وإنما مكان ديني مثل المسجد، لأن مؤدى ذلك عزل المسيحيين، فصاح أحد المتظاهرين تحيا مصر، وتردد الهتاف في جنبات ميدان التحرير، وتم تجاهل محاولة اختطاف الثورة، بل وإحباط ذلك، فرجال الدين مع حبنا وتقديرنا لهم، مهمتهم هي الدين وليس السياسة، والمجتمع المصري ليس مجتمعاً كهنوتياً، ومرجعيته الوطنية لها الأولوية على مرجعياته الدينية، فالدين لله والوطن للمجتمع، وعندما يستلهم السياسي أو الثائر فكره من رجل الدين، فإن الكارثة سوف تحل على الجميع.

ولكن الثورة المصرية في 25 يناير/ كانون الثاني، واجهت تحديات مندسة من قوى وأحزاب هامشية، وكان لها بريقها في الماضي، ولكنها لا قواعد لها في الحاضر، ودفعت القوى الثورية للمطالبة بالهدم الفوري والبناء الفوري، من حكومة انتقالية، وهذا هو التناقض الجوهري، فالهدم الفوري يؤدي إلى كوارث والبناء الفوري لا يمكن تحقيقه، ولعلنا نتذكر المقولة الفلسفية للمفكر الألماني فردريك هيغل حول نظرية المتناقضات أو الديالكتيك الفكرة ونقيضها، ثم التوليف الذي يخرج من حصيلة تفاعل الفكرتين، هذا الجديد يخرج من أحشاء القديم، وأحشاء الثوري النقيض له، وهو خروج ليس سهلاً، ومن ثم ضرورة المرحلة الانتقالية، وهي ليست مثالية، ولكنها ضرورية لحدوث الانتقال السلس.

ولهذا فإن النقيض الذي قام به بخبث بول بريمر الحاكم العسكري للعراق، عندما ألغى كافة مؤسسات الدولة أو ما أصبح يطلق عليه إسقاط النظام العراقي بأسره، فحل الجيش والبوليس والإدارة والوزارات، وأصبحت العراق في حالة الفوضى التي تحدث عنها عالم السياسة والفيلسوف توماس هوبز في كتابه المشهور «التنين Leviathan» والتي أدت لقيام الحكم المطلق كبديل للفوضى، ولكن الحكم على أساس العقد الاجتماعي الذي أدى إلى مراحل للتطور والانتقال للديمقراطية عبر السنين من التطور التدريجي.

الذي حدث في العراق أنه تحول لدولة طوائف متفككة، وظهرت فيه أديان وعقائد مثل الفسيفساء، ومن ثم فقد المجتمع تماسكه وتحول من الخضوع لنظام بعثي ديكتاتوري بقيادة صدام، لنظام طائفي يحكمه آخرون من وراء ستار، وانقسام عرقي بين العرب والأكراد والتركمان، وطائفي ديني بين السنة والشيعة، وغير ذلك من الطوائف الدينية والعرقية.

التجربة الإسلامية الصحيحة في عهد صاحب الدعوة محمد بن عبدالله (ص) تقوم على ثلاث ركائز:

الأولى: التآخي بين المهاجرين والأنصار، وعندما نسي بعضهم هذا المفهوم، وتشاجر أحد المهاجرين مع أحد الأنصار، ووصل ذلك للنبي صاح فيهم قائلاً «أجاهلية وأنا بين ظهرانيكم» بمعنى من دعا للطائفة أو الفرقة أو القبيلة أو العشيرة، إنما هي دعوة جاهلية.

الثانية: إعلاء مفهوم المواطنة على مفهوم الدين، ولعل «صحيفة المدينة» التي ركزت على مفهوم المواطنة للدولة، وليس للدين، وعن الحقوق المتساوية لكافة الأفراد، وكان في المدينة يهود، فأكدت الصحيفة على مفهوم المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين الجميع.

الثالثة: مفهوم التسامح والاعتدال، هذا المفهوم واضح في واقعة فتح مكة عندما صفح النبي عن خصومه ومعارضيه، ونسي كل ما فعلوه من اضطهاد له، وتعذيب لأصحابه، وقال قولته المشهورة «ماذا تظنون أني فاعل بكم» فقالوا بخبث أو بخوف، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال بروح إسلامية صادقة «اذهبوا فأنتم الطلقاء» ولم تكن لدى محمد بن عبد الله (ص) شهود الانتقام، كما حدث في ثورات معاصرة سياسية أو دينية انتقمت وأعدمت خصومها.

إن الإسلام المتسامح جعل عام فتح مكة، هو عام الأفواج التي تعتنق الإسلام، ولذلك أكدت سورة النصر «إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا» (النصر: 1-3)، لم تقل انتقم من خصومك وأعدمهم، وإنما دعت إلى مفهوم التسامح والاستغفار والتوبة.

وحقاً قال السيد المسيح عيسى بن مريم لتلاميذه عندما استاءوا واعترضوا على استقباله لمريم المجدولية، وكانت من بيوت الدعارة فقال لهم «من كان منكم بلا خطيئة فليرمِها بحجر» ولهذا قال المثل العربي «الصفح من شيم الكرام»


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/532172.html