صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3110 | السبت 12 مارس 2011م الموافق 10 شوال 1445هـ

الديكتاتور والانتفاضة في سباق مع الوقت

الكاتب: وليد نويهض - walid.noueihed@alwasatnews.com

سياقان متعارضان تتجِّه نحوهما الانتفاضة الشعبية في ليبيا. الأول اجتياح ميليشيات القذافي ومجموعات المرتزقة والشركات الأمنية المناطق والمدن المحررة وإبعاد الثوار خطوة خطوة من الغرب إلى الشرق تمهيداً لمحاصرة بنغازي (مركز المجلس الوطني). الثاني نمو قوة دبلوماسية جوارية وعربية وإقليمية وربما دولية مؤيدة سياسياً للانتفاضة ومعارضة لتسلط أسرة الديكتاتور وعائلته.

التعارض بين الدبلوماسية والميدان العسكري سيطرح في نهاية الشوط الأول إشكالية قانونية بين سلطة بديلة تلقى الدعم العربي والإقليمي وربّما الغطاء الدولي (حظر جوي وتجميد أموال) وبين ديكتاتور قرر قتل شعبه واجتثاث كل من يخالف سلطة «نعم إلى الأبد».

الاشكالية القانونية المتوقع تبلور خطوطها الطولية والعرضية في الأسبوع المقبل في حال تواصل الاقتتال من دون نتيجة حاسمة أو في حال نجح الديكتاتور في إعادة بسط سلطته على مختلف المدن والمناطق والمنافذ وطرق الإمداد والمعابر. المشكلة تبدأ من هذه النقطة، من جانب هناك دول مجلس التعاون وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي تطالب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومجلس الأمن بفرض حظر جوي وسحب الاعتراف بالديكتاتور وتفويض المجلس الوطني الانتقالي صلاحيات التحدث باسم الدولة الليبية. من جانب آخر هناك سلطة ديكتاتورية تتحكم ميدانياً بالأرض والمياه والنفط وخطوط الاتصال والامداد وتهدد الناس بالخراب والدمار والاقتلاع ولا تعترف أصلاً بوجود متغيرات تحتاج إلى قراءة عقلانية وتتطلب رؤية دبلوماسية واقعية للإجابة عن الأسئلة المطروحة.

هذا التعارض في السياق العام بين ديكتاتور يفرض سلطته بالقوة على البلاد وكل ما تمتلكه من مقدرات وثروات واحتياطات نقدية وإمكانات لوجستية وبين مجلس وطني انتقالي حديث العهد والولادة ويحتاج إلى مهلة زمنية حتى ينجح في ترتيب مواقعه وبرنامجه في الداخل أو الخارج.

الفارق بين الطرفين قد يؤسس آليات تفتح الباب على احتمالات غير منظورة منها أن تواصل الدبلوماسية الدولية والعربية والإقليمية ضغوطها على الديكتاتور لوقف سياسة الأرض المحروقة والقبول بالوقائع التي أنتجتها الانتفاضة حتى لو فشلت عسكرياً في التفوق على السلطة، ومنها أن تسحب الدبلوماسية تفويضها من المجلس الوطني وتبدأ بإعادة مد جسور الحوار مع الجماهيرية بغية التوصل إلى صيغة توافقية تحد مؤقتاً من صلاحيات الديكتاتور وتعطي الناس الضمانات وفرصة أخرى للتفكير والمراجعة.

إلى الاحتمالين هناك قراءات أخرى من ضمنها فرض حظر جوي على جماهيرية الديكتاتور وتجميد أمواله واتصالاته الخارجية ومقاطعته نفطياً واقتصادياً وعزله جوارياً وعربياً حتى ينصاع ويقبل بالاجماع العام المضاد لسلطته، أو فتح خطوط الاتصال الدبلوماسي معه تمهيداً لإعادة الاعتبار وثم تجديد الاعتراف بتمثيله للشعب مقابل سحب الغطاء عن المجلس الوطني بوصفه مفاوضاً أو ممثلاً للدولة الليبية المحتملة.

احتمالات كثيرة يمكن استعراضها وهي في مجملها ناجمة عن ذاك التعارض الحاصل بين سلطة شرعية تمثلها الانتفاضة الليبية وانتكاسة ميدانية تتحمل مسئوليتها عواصم القرار بسبب تأخرها وترددها في الدعم اللوجستي ما أعطى للديكتاتور فرصة لكسب الوقت وإعادة تنظيم أموره والبدء في الهجوم المعاكس.

عدم مسارعة الدول المعنية في حسم خياراتها وترك الأمور تتحرك تلقائياً على الأرض والاكتفاء بمراقبة الأمور من فوق وبعيداً عن الساحة وميدان القتال، أعطى إشارة بالاتجاه الخطأ وافسح المجال للديكتاتور، الذي يسيطر على مصادر القوة والمال، أن يتلاعب بالأوراق ويخلطها سياسياً سواء على مستوى تذكير دول الغرب بدوره المخابراتي في تسريب المعلومات والتنسيق مع الأجهزة الأوروبية والأميركية في ملاحقة الإرهاب وضبط الحدود لمنع الهجرة، أو على مستوى تهريب الاموال وتكديسها في المصارف الأجنبية وتوقيع عقود مع شركات النفط والمقاولات للعمل في البلاد من دون رقيب أو حسيب.

تردد دول الغرب وعواصم القرار والاكتفاء بالمراقبة وترك الأمور تأخذ مداها الزمني للتعرف على الطرف الأقوى في المعادلة الداخلية، كلها تصرفات تطرح فعلاً أسئلة بشأن تلك المصلحة التي تربط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالديكتاتور. فهل القذافي عدوها أم صديقها؟ وهل يمثل العقيد سلطة قابلة للتفاهم والمفاوضة وبالتالي يصعب الاستغناء عن خدماتها؟

أجوبة الديكتاتور كانت واضحة في الرد حين ذكَّر عواصم القرار بدوره في منع تنظيم «القاعدة» من تأسيس خلايا في شمال إفريقيا، ونشاطه بالتنسيق مع دول حوض المتوسط في مكافحة الإرهاب والهجرة وحماية أمن «إسرائيل». القذافي لم يتردد في كشف أوراقه ووضعها على الطاولة، وهو تحدى عواصم القرار أن تفضح سجله وتاريخه وأسراره ومجالات التعاون معه على مختلف الأصعدة وفي مختلف الحقول المالية (الرشوة) والنفطية (صفقات بالمليارات) والمخابراتية (التنسيق الأمني وتسريب معلومات والوشاية).

الحذر جاء من طرف الدول المعنية التي اندهشت كما يبدو من استعداد العقيد لفضح سيرته «الثورية» وسجله القضائي وعلاقاته القديمة مع الأجهزة الدولية وعدم خجله من كشف الأسرار التي تؤكد اتصالاته التاريخية مع اخطبوط المخابرات من تحت الطاولة. عواصم القرار الآن أمام منعطف صعب قد يؤدي إلى مواجهة حقيقية على المستوى الفضائحي، لكون الديكتاتور ابدى استعداده للدخول في معركة دبلوماسية – مخابراتية توضح ملابسات كثيرة وترفع الستار عن سياسات لا اخلاقية مارستها حكومات أوروبية وأميركية بالتضامن والتكافل معه ومن وراء الكواليس خلال فترة 42 عاماً من حكمه.

الكرة الآن في ملعب بروكسيل وواشنطن. هل ترد، تصمت، توجه الركلة على الانتفاضة والجمهور، تناور وتتلاعب بالوقت الضائع... أو تستمر في نهج مقاطعة الديكتاتور والبحث عن بديل من داخل جماهيريته أو تعتمد على المجلس الوطني بوصفه القوة المفاوضة والممثلة للشعب من المنفى؟

مساران متعارضان يتحكمان الآن بالانتفاضة الليبية، الأول الصمود في الداخل وتحدي استبداد الديكتاتور وتنظيم مقاومة طويلة الأمد تكسر جبروته وطغيانه. الثاني الانكفاء والتراجع والانتقال إلى الخارج وإعلان حكومة منفى كما حصل في فرنسا إبان الاحتلال النازي (فيشي وديغول) أو تشكيل هيئة مقاومة كما كان حال منظمة التحرير الفلسطينية في السابق.

هناك فعلاً مشكلة وهي تتمثل الآن ويرجح أن تتشعب قانونياً في حال استمر الديكتاتور في الضغط ميدانياً والتقدم عسكرياً مقابل تراجعه دبلوماسياً ونمو قوة دولية إقليمية عربية ترفض التعامل معه وتعترف بشرعية المجلس الوطني لكونه الممثل الوحيد للدولة والشعب الليبي.

سياقان متعاكسان في سباق مع الوقت بين التسلط الميداني وتذبذب الفضاء الخارجي. وهذا التعاكس يؤسس بحد ذاته مشكلة قانونية في أسلوب التعاطي مع معضلة قهرية تبدو مستعصية على الكسر في جانبها الدبلوماسي (العقلاني – الأخلاقي) وصعبة في جانبها العسكري (إنزال ضربات جوية تعدل الموازين على الأرض). هذه الإشكالية القانونية قد تتبلور سياسياً في الأسبوع المقبل بعد أن تكون كل القوى استكملت مراقبتها ومراجعتها قبل أن تتخذ القرار بشأن المنهج الأفضل للتعامل مع ديكتاتور لا يتصور أن تخرج ليبيا من قبضته وهو لايزال على قيد الحياة. وهذه مصيبة أخرى


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/532174.html