صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 1372 | الخميس 08 يونيو 2006م الموافق 11 محرم 1446هـ

نحو سجل وطني للتبرع الخيري

الكاتب: سيد جعفر العلوي - comments@alwasatnews.com

قبل فترة زمنية شاهدت برنامجاً مباشراً لتلفزيون البحرين عن مركز عالية للأطفال من ذوي الحاجات الخاصة، واستعرض القائمون على المركز - الذين يشكرون بحق على جهودهم الإنسانية - أوضاع المركز ونواقصه الأساسية، ودوره المهم، وكانت أبرز مشكلاتهم في الجانب المالي. وقالت إحدى مسئولات المركز إن رواتب المعلمات اللاتي يبلغن معلمة قد لا تتوافر هذا الشهر بسبب عدم توافر المال الكافي، ولام أكثر الحاضرين في البرنامج الحكومة لعدم تقديمها مساعدات كافية لمثل هذا المركز الحيوي، أفلا يعد ذلك عاراً في بلد نفطي وخليجي يشهد طفرة في أسعار النفط؟

في الحقيقة إن حاجة الساحة البحرينية إلى التبرع الخيري ماسة وشديدة، فهناك آلاف الأسر الفقيرة، وآلاف العاطلين، وآلاف المحتاجين، وآلاف من أصحاب الإعاقة المتنوعة، وكل تلك الشرائح الاجتماعية لا توجد قوانين واضحة لسد احتياجاتها بشكل سليم ومتكامل، لذلك تبقى هنالك ضرورة للتبرع الخيري من كل كيانات المجتمع، شركات ومؤسسات وأغنياء ومحسنين. إن العبء الأساس في المساهمات الخيرية لسد نواقص المجتمع الضرورية ينبغي أن يقع على الشركات الكبرى والمؤسسات الخاصة والتي تصل أرباحها إلى ملايين الدنانير .

العمل الخيري حماية للسلم الأهلي

يتصور البعض أن المساهمة في التبرع الخيري هو تفضل من أصحاب القدرة المالية، بينما من الناحية الدينية هناك آيات واضحة تصرح بوجود واجب اجتماعي على المتمكنين لتقديم الأموال إلى المحرومين. قال تعالى: «وفي أموالهم حق للسائل والمحروم» (الذاريات: ). والسائل أعم من الشخص الذي يعترضنا في الطريق، فهو كل من يسأل لسد حاجته المادية سواء كان شخصاً يتقدم بشكواه، أو مؤسسة ترعى شئون المحرومين. واعتبر سبحانه من يتغافلون عن بذل المعروف أو يتعاملون بصورة خاطئة مع المحرومين ولا يحضون الآخرين على البذل، أنهم المكذبون الحقيقيون بالدين، بقوله تعالى: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين» (الماعون: -)، فليس الدين مجرد عبادات من دون اهتمام بأوضاع المجتمع الماسة.

من الناحية الإنسانية، فالإحساس بالمحرومين ينبثق من الضمير الحي، ولذلك قد تجد أناساً من غير وطن المرء، أو حتى من غير ملته أو دينه أو قومه يتعاطفون مع أي قوم محرومين، فالضمير الإنساني إذا استيقظ في فرد يجعله ينشط للمساهمة بما يستطيع لمساعدة المعوزين. وأقول، من الغريب حقاً أن يعيش البعض في حال ترف بلا حدود في حين يعيش من حوله أناس لا يجدون قوت يومهم. وهناك في المجتمع من لا يجدون ما يأكلونه ويعيشون جوعى في بعض الأيام، في الوقت الذي لا يترفعون عن إراقة ماء وجوههم لهذا أو ذاك. أيعقل أن يكون في البحرين التي تحقق شركاتها وكبار تجارها أرباحا بالملايين، إلى جوار من لا يجد قوتاً لعياله. وحقاً ما قاله الإمام علي (ع): «ما رأيت نعمة موفورة إلا وجانبها حق مضيع».

في زيارة مع عدد من الإخوة العاملين في جمعية الرسالة الإسلامية لإحدى القرى المحرومة، اكتشفت وجود عشرات البيوت المتهالكة في وسط القرية، في حين يحيط بها حزام من الأراضي الواسعة التي يملكها أحد المتنفذين، وكلها مؤجرة على مؤسسات صناعية، في حين باع من سواحل القرية وأراضيها المحيطة للغير.

الأمر الآخر المهم، أن الكثير منا يتحدث عن ضرورة السلم الأهلي في المجتمع، والكل يشعر بأهميته وضرورته وخصوصاً للعيش الحضاري المستقر وللتنمية والاستثمار، إلا أن السلم الأهلي لا يمكن أن يقع من غير انتباه من أصحاب المال والإمكانيات والقدرات إلى المحرومين في المجتمع. فالفقراء والمساكين حين تضغط عليهم أوضاعهم الاقتصادية السيئة، وحين لا يجدون وظائف لأبنائهم، ويبقوا محرومين من أبسط حقوق الحياة، كالمسكن والطعام، من دون أمل في التغيير، فلا تتوقعوا منهم أن يساهموا في حماية السلم الأهلي أو يملكوا غيرة عليه. إن بعض أعمال الشغب التي تقع هنا وهناك قد لا يكون سببها الأوضاع السياسية بالضرورة، بل في كثير من الأحيان أن دوافعها هو حال الانتقام من الوضع القائم الذي لم يعد ينصفهم في شيء. والتغافل والتعامي عن حاجات المحرومين قد يدفعهم إلى عمل أي شيء، ألم يقل الصحابي الجليل أبوذر الغفاري (رض): «عجبت من لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه»؟

إن المسئولية لا تقع على الحكومة وحدها - وإن كانت هي التي ينبغي أن تتحمل الشطر الأكبر - بل على كل الجهات المقتدرة في البلد، لذلك من اللازم أن تقوم وزارة التنمية الاجتماعية بتشجيع التبرع من قبل المؤسسات الأهلية والتجار للعمل التطوعي والخيري، والذي يصب في صالح سد النواقص الاجتماعية من تزويج الشباب إلى توفير السكن ولو المؤقت في شقق محترمة، إلى مساعدة كل من يعيش حاجة حقيقية. ولتشجيع المؤسسات والمحسنين يحسن بالوزارة أن تصدر سجلاً وطنياً كل عام بمستويين (ماسي وذهبي) لأفضل المتبرعين للعمل الخيري. ثم يتم إبراز تلك الأسماء في مختلف الوسائل، كما يجري تكريم تلك الأسماء بحسب تدرج العطاء والتبرع كل عام، مع التذكير بكل اسم يتكرر في هذا السجل الوطني لأكثر من عام.

كاتب بحريني


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/578253.html