صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 1426 | الثلثاء 01 أغسطس 2006م الموافق 19 ذي القعدة 1445هـ

حرب الإبادة والمعركة الإعلامية (2-2)

الكاتب: منى عباس فضل - comments@alwasatnews.com

مرت على المنطقة خلال العشرين سنة عدة حروب واحتلالات، ومنذ بدء الانتفاضة الفلسطينية في مطلع التسعينات، والعرب يعيشون عالماً إعلامياً مختلفاً تتحكم في أقفاله الثورة التكنولوجية ووسائل الاتصال العصرية المتطورة، وعلى رغم الهزائم التي حققتها ولاتزال الأنظمة العربية، جراء تخاذلها وفشلها في تحقيق مشروعاتها التنموية والديمقراطية، يبرز لنا الإعلامي العربي من بين ركامها كالمارد من قمقم الهزيمة، لم ينتظر الأنظمة الفاشلة والمستبدة لكي تنتشله وترتقي بمستواه، بل فرض نفسه ورسالته الإعلامية تجاه المواطن العربي بعد أن لمس وعايش عن قرب زيف وخداع الإعلام الأجنبي، ودوره السلبي في صناعة وعي مزيف لدى المواطن تجاه قضايا الانتماء والهوية والعدو الصهيوني، فضلاً عن مفهوم الاحتلال والمقاومة التي أطلق عليها «إرهاباً». في حرب الخليج، ولاسيما أثناء احتلال الكويت تعرفنا كمواطنين على محطات عالمية لأول مرة مثل (NNC وCBB) وغيرها، وكنا نتسمر مندهشين أمام شاشات التلفزة لساعات ممتدة لمتابعة الأخبار والتقارير المرسلة من قبل مراسيلهم الموجودين في ميدان المعركة، وبقدر ما نعجب بشجاعة بعضهم بوجودهم في الميدان... بالقدر ذاته غالباً ما كنا نثور غضباً وحنقاً وشتماً لهم على تعليقاتهم التي تستبطن لنا في طياتها مشاعر العنصرية والإهانة والانحياز للعدو الصهيوني، إذ كان غالبية المراسلين يبعثون رسائلهم باللغة التي يريدها الأميركان شكلاً ومضموناً، تلك التي تعبر عن توجهاتهم وسياساتهم لشعوب المنطقة العربية.

صور إذلال الجندي العراقي والفلسطيني تبث ببرودة أعصاب من شاشتهم إلينا، ومجاز القتل والدمار الأخرى التي ينفذونها تختفي من الشاشة، تماما كما حدث أثناء قصف عناصر الجيش العراقي الخارج من الكويت مستسلماً براياته البيضاء، بعد دخول الجيش الأميركي للكويت، قالوا لنا: لقد انتصرتم، وكنا نشعر في دواخلنا بالهزيمة والعار. أقول كنا نقرأ ونشاهد وجهاً من الحقيقة أما الآخر، فيأخذ طريقه للأدراج ولاحتفالاتهم الماجنة الخاصة بهم، أو لكتابة مذاكرتهم حينما يحين اقتراب أجلهم. إنها الحرب، وفي المعارك تتوازى أحياناً الحروب العسكرية والإعلامية أو تتقاطع معها بما يبثه الإعلام من رسائل صوتية وصور لمشاهد التخريب والموت والدمار وما يشحذه من همم للمقاومة ضد العدوان، هذه الحرب التي قد تكون الند للند على أقل تقدير حتى في غاياتها ونتائجها.


مراسلون عرب في ميدان المعارك

ما نشاهده اليوم على بعض الفضائيات العربية واللبنانية وباستثناء المحطات الرسمية العربية التي تبث برامجها المعتادة الخاملة ببرود، وكأنها خارج الزمان والتاريخ، مستسلمة لجرعات التخدير الذي يعزلها عن المواطنين وقضاياهم... تتغافل عن حقيقة: أن لا مشاهد عربياً يضبط الإرسال نحو موجتها. إنها مجرد مرآة للوزراء والحكام العرب، الخائفين من تسونامي الواقع، فيستسلمون عبرها لمشاهدة أنفسهم بالكيفية التي يحبون. نستثني أيضا الفضائيات المملوكة لأصحاب المليارات النفطية.

أما ما عداها فنجزم أنها تشكل ظاهرة إيجابية وتنافسية خطرة تخشي منها شركات الاحتكار الإعلامية العالمية، وخصوصاً وهي تخوض معركتها الإعلامية العربية جنباً إلى جنب مع معركة المقاومة. فمن أرض المعركة، ينقل إلينا المراسلون العرب حقائق دقيقة عن المجازر التي ترتكبها آلة الحرب الصهيونية في لبنان وفلسطين، تماما، كما كانوا يفعلون في العراق قبل التدخل الأميركي وفرض وصايته على بعض المحطات لتقنين رسائلها الإعلامية من حيث الشكل والمضمون، وتوجيهه لصالح احتلالها للعراق. هذا، بعد أن تم اغتيال الكثير من الإعلاميين العرب. هناك في المعارك التي مضت كان الإعلام، إعلامهم، اليوم يبدو أن هناك محاولات جادة وواعية لخصوصية المعركة التي تخوضها المقاومة، محاولات لأن يمسك الإعلامي العربي بزمام المبادرة وممارسة صناعة الإعلام العربي بشكل احترافي لا يقل في مستواه عما تقوم به المحطات العالمية، فضلاً عن المشاركة في المعركة ضد العدو الصهيوني لهذا وذاك، يتم استهداف المراسلين العرب بالقنص والقتل والملاحقة والتحقيق لمنعهم من نقل الحقيقة.

هناك ثلة من مراسلي عدة محطات فضائية على مستوى الداخل الفلسطيني المحتل منهم «جيفار البديري، شيرين أبوعقله، وإلياس كرم ووليد العمري وغيرهم» ممن يلاحقهم الصهاينة ويضيقون عليهم بالرقابة الصارمة، ويمنعونهم من نقل ما يحدث بدقة في الأراضي المحتلة في الرسائل الإخبارية والإعلامية، ويعاملونهم وكأنهم جواسيس للمقاومة اللبنانية والفلسطينية. من الأرض المحتلة ينقل هؤلاء المراسلون ما يستطيعون نقله، فهم في حال ترقب لتوقفيهم واحتجازهم أو ربما إصابتهم برصاص قناص مقصود أو قذيفة ما. جميعهم ينقلون رسائلهم للمشاهد بالعربية الفصحى التي يلتقطها المواطن العربي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، لغتنا الجميلة، رمز المقاومة والعروبة والقضية، كيف نتخلى عنها؟ نشاهدهم يسردون تفاصيل الحوادث ويحللون بقوة وثقة وجرأة وإصرار لتوصيل نصف الحقائق التي تغيبها عنا بقصد مبرمج أجهزة الإعلام الأميركية والصهيونية وحتى إعلام الأنظمة العربية.


لغة إعلامية عربية ومعاناة

من جهة متصلة، تجربة المراسلين الإعلاميين على الفضائيات العربية في لبنان نضجت وتبلورت ملامحها، وعكست واقع تجربة موضوعية ومهنية عالية المستوى والأداء، فالحقيقة سرعان ما تكون بين يدي المشاهد في زمن قياسي، بما يبعثه المراسلون العرب من صور مرفقة بالتحليل والتعقيب والأسئلة الملحة والدقيقة لكل شاردة وواردة. إنهم مراسلون ومراسلات عرب، كما سبق وأشرت يتحدثون العربية الفصحى التي طالما تندر عليها البعض وحاول إيهامنا بأنها صعبة وغير مفهومة ولا ترقى لمستوى عصر الحداثة والتواصل مع الآخر والمختلف.

إنها لغة تحمل في طياتها الصدق للمؤمنين بالحق والقضية الكامنة في عقولهم، ذالكم الذين يتحركون في ميدان المعركة الحقيقية كالفراشات، إذ يتعرضون للملاحقة والقصف تحت وابل القذائف والغارات الجوية. رسائلهم تصل إلى قلوب وعقول المواطن العربي مباشرة لأنهم لا يحرفون الحقيقة، لا يبرزون مشاهد المشردين والهاربين من القصف الإسرائيلي والشاتمين في المقاومة والواصفين إياها بالمغامرة فقط، إنما يرسلون مشاهد التدمير ودك البنايات على أناسها الأبرياء، يصورن المجازر والجثث المتفحمة وما تحت الأنقاض، والجسور المحطمة والطرقات ووسائل الاتصال المدمرة، إنهم يسألون معنا باستغراب ويعبرون عن أصواتنا المخنوقة والغاضبة بغصة: هل كل ذلك يساوي حياة جنديين إسرائيليين فقط؟ عن أي المراسلين نتحدث؟ بالطبع عن الملتزمين بالقضية والمهنية!

إنهم يحللون الحدث وأبعاد المشروع الأميركي الصهيوني ويسألون ضيوفهم اللبنانيين والعرب والأجانب في البرامج: ما الذي حصل؟ ماذا تتوقعون؟ كيف تربطون الماضي بالحاضر؟ إنها قضيتهم أيضاً، ولأنهم صحافيون وإعلاميون فلابد أن يتملكهم الفضول لمعرفة تفاصيل أكثر، كما حدث أثناء مقابلة السيد حسن نصر الله في «الجزيرة» مع غسان بن جدو، حينما سأله: سماحتكم رجل دين وقائد عسكري وسياسي وتخوض معركة، فبماذا تفسر للإنسان العربي الهندام الذي ترتديه، فهو ليس للمعركة، إذ إنه يعطي انطباعاً بأنكم تعيشون حياة طبيعية هادئة على رغم انكم في معركة مفصلية؟ ابتسامة السيد وإجاباته كانت كافية لتوضيح الرسالة والصورة التي يحتاج المواطن العربي إلى رؤيتها، وسماعها مباشرة وبشفافية وباللغة العربية من سماحة السيد، وعبر إعلام عربي متعاطف مع المقاومة.

زاهي وهبي الإعلامي اللبناني الشاعر ومن وسط ركام الدمار الذي حل بقريته الجنوبية وما فقده من الأهل، ألقى قصيدة عن العدوان وحال الناس في برنامج صوت الناس على محطة «الجزيرة»، اهتزت لها المشاعر، وعبرت عن روح إنسان مؤمن بقضية وطنه ومتضامن وصبور يشحذ همم اللبنانيين ويتعالى على جرحه الشخصي ويدعو المتصلين بمحطة «المستقبل» إلى التعبير عن غضبهم بالتماسك والوحدة والتعبير عن المعاناة بهدوء ووعي لما يجب القيام به من دور في هذه المرحلة، إنه يقاوم وعبر الشاشة الفضائية ومن خلال المساحة المتاحة له.

سأل المراسلة بشرى عبدالصمد التي غطت أخبار الهجوم الوحشي على الجنوب أول أيام القصف قائلا: في عيونك دمعة، هناك ما تودين قوله؟ كيف تتركين ابنتك الصغيرة وتذهبين لتخاطري بحياتك في جبهة القتال؟ كيف تشعرين وأنت تشاهدين الموت والدمار بأم عينيك؟ كمواطنة لبنانية، هل تستطيعين التحرر من انتماءك أثناء نقل تفاصيل الحدث؟ صمتت بتمعن ثم أجابت بصلابة: ابنتي عند ستها بأمان، هناك العشرات من الأطفال والعائلات الذين قتلوا أمامنا في مروحين وغيرها من قرى الجنوب، لم نستطع عمل شيء لهم. هناك الموت، وعلينا أن نكبر على الموقف لننقل الحقيقة، إذ لا مجال للعواطف، لهذا تبقى الدمعة حبيسة العيون، لأن هناك رسالة لابد أن تصل إلى العالم. لا، لا أستطيع التجرد من انتمائي اللبناني والإنساني، كل ما أتمناه، أن تنتهي هذه الكارثة بسرعة.


مراسلون عرب بلا خوف

من المعيب القول إن غسان بن جدو، وعباس ناصر، الذي يغطي أخبار وتقارير الضاحية الجنوبية وما حولها، وكاتيا ناصر التي تغطي أخبار وتقارير الجنوب، وهم يتنقلون مع الطواقم الإعلامية ويخاطرون بأرواحهم، ما بين البلدات والقرى والمدن المدمرة لتفقد الأحوال ومتابعة مجريات الأمور، وهم المستهدفون من العدو للقضاء عليهم، وكذلك مراسلي محطتي النور والمنار اللتين تم دكهما وتسويتهما بالأرض، ومراسلي العالم والجزيرة والنيو تيفي وغيرهم من الفضائيات الملتزمات بموقف المقاومة، بأنهم نجوم الحدث. من المعيب ذكر ذلك الشعبان اللبناني والفلسطيني يدفعان دمهما وأرواح شهداه الأبرياء من المدنين، بيد إنهم فعلاً نجومنا العربية الإعلامية الملتزمة بمناصرة المقاومة والرافضة لإخفاء حقيقة المجاز والدمار الذي أحدثه العدو في لبنان وفلسطين. إنهم النجوم الرافضة للخمول والبلادة الرسمية وأجهزتها الإعلامية، إنهم على قدر لا يستهان به من القدرات والإمكانات المتميزة بالمعرفة والجرأة وقوة الملاحظة والدقة والصمود والشجاعة وطلاقة اللسان العربي، وكل الأدوات المهنية التي يتطلبها عمل الإعلامي المحترف وسط ميدان المعارك في كل الجبهات، إنهم يتحدون صواريخ العدو وقذائفه، ينقلون الحدث العسكري والسياسي بتفاصيله الدقيقة وبموضوعية لا بكائيات ولا حماس، ولا غير مبالاة.

شاهدنا الصور والحكايات وشهادات الناس الحية من قلب الشوارع والمناطق المنكوبة التي قصفها ودمرها العدو، كما نقلوا لنا المشاهد من المناطق الآمنة وملاجئ الإغاثة، وكل الآراء المتعددة المتفقة والمختلفة بشأن بدء المعركة، نقلوا كل ذلك بروح التضامن الإنساني، ومهما اختلفت توجهاتهم السياسية ونواياهم الوظيفية، وطموحاتهم الشخصية للبروز والظهور أمام الشاشات إلا إنهم صناعة إعلامية عربية استندت على القدرات الذاتية وخاضت ولاتزال معركة شرسة في الجبهة المهنية وعلى مستوى إنساني باقتدار وبموازاة مع المعركة العسكرية المستمرة في الميدان. تعرفنا على حقيقة مجازر العدو وخداعه ومحاولاته لإثارة الطائفية والتشكيك في المقاومة.

عبر عيونهم ومن آذانهم وضمائرهم سمعنا وشاهدنا بأم العين ما يجري على أرض لبنان وفلسطين المحتلة وتأثير خطابات «السيد» على الإسرائيليين ووقع الصواريخ الملقاة على حيفا وشمال الأرض المحتلة، عبرهم أدركنا جبن الشعب الإسرائيلي، وإن اقتصادهم يخسر مثلما يخسر لبنان، وإنهم جبناء ولأول مرة تقرع أجراس الإنذار بسبب صواريخ حزب الله، وإن مكوثهم قد يطول في الأقبية، رأينا دموع أمهاتهم كما كنا نشاهد بغضب دموع الأمهات الفلسطينيات واللبنانيات، لمسنا وَهْم الجدار العازل والدولة التي لا تقهر، والجيش المغوار، شاهدنا كل ذلك بعيون الإعلاميين العرب في الأرض المحتلة، الذين لم يكتفوا بتعلم الإنجليزية فقط إنما العبرية (لغة العدو)، وترجموا لنا بالضبط ما تنشره صحافتهم وكيف يفكرون. صارت لدينا صناعة إعلامية عربية.

بقي القول، اليوم، لسنا بحاجة إلى مشاهدة «السي إن، إن» ولا «الفوكس» ولا غيرهما من القنوات العنصرية، نعي وجود إعلام عربي آخر ينشط في سياق مضاد لهذا الإعلام المقاوم، ندرك أيضا، ان أجهزة الإعلام العربي غالبيتها يملكها ويحتكرها أصحاب المليارات النفطية، وندرك أيضا بأنه من المستحيل على هذه الفضائيات تحقيق الشهرة والنجاح والربح الوفير، من دون الطواقم البشرية الإعلامية العربية المثقفة والواعية والمهنية المستعدة للذهاب إلى ميدان المعارك بشجاعة، تلك الطواقم التي تحتفظ بشيء من ضمائرها ومهنيتها وهي تخوض المعركة جنباً إلى جنب مع المقاومة.

إذاً، الرهان سيبقى على الضمير النابض في شرايين شعوب الأمة العربية مهما تعددت واختلفت الاتجاهات الفكرية والمواقف، ومن بينهم حتما، المقاومون الإعلاميون والمثقفون.

أ


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/631609.html