صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 2478 | الجمعة 19 يونيو 2009م الموافق 15 ربيع الاول 1445هـ

الخطر على إيران من الداخل

هناك الكثير من الدروس يمكن استنتاجها من تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران. فهذه الثورة نجحت خلال ثلاثة عقود في تأسيس نموذج خاص يقوم على احترام الاختلاف الداخلي وإعطاء فرصة للناس كل أربع سنوات أن تدلي برأيها في صناديق الاقتراع. واحترام الثورة للجمهور ساهم في حمايتها وتطويرها حتى بلغت مرحلة متقدمة في تعاملها السياسي مع شبكة العلاقات الذاتية والجوارية. وبهذا المعنى أصبحت إيران تشكل ذاك النموذج الذي يمكن استخدامه للتأكيد على إمكانية التعايش بين المعتقد الديني وتبادل السلطة ورفض ايديولوجية «نعم إلى الأبد» التي تأسست عليها نزعة استبدادية مطلقة في رؤيتها للآخر.

نجاح إيران أحرج الكثير وقطع الطريق على الاتجاهات الانغلاقية التي تتخوف من الاستفتاء وتتحاشى الصناديق وتتهرب من مواجهة الحقائق. وهذا النجاح شكّل مادة حوار لقراءة النموذج الجمهوري في بيئة إسلامية وفي الآن أعطى تجربة يمكن البناء عليها وتحويلها إلى نموذج في محيط يرفض تقبلها.

دروس تجربة الجمهورية في إيران غنية للغاية وهذا بالضبط ما يحفز العقل للدفاع عنها والخوف عليها من «ثقافة الفجور». فهذه الثقافة خطيرة جدا لأنها تشكل سلاحا ضد العقل والتفكير وقوة تحطيم للنموذج من الداخل. وآليات «ثقافة الفجور» تبدأ بتصعيد الخطاب الايديولوجي «الطاووسي» ضد الخارج وتنتهي بحركة ارتداد إلى الداخل. والفاجر في «ثقافته الطاووسية» لا يتورع في استخدام السلاح ضد الداخل حتى لو كان خصومه من قادة الثورة وبناة الدولة للتغطية على نزعة المصادرة والاستهتار بالآخر. والطموح الذاتي للاستيلاء على السلطة والمال العام.

«ثقافة الفجور» تشكل خطرا على إيران وثورتها ودولتها ونموذجها وتجربتها لأنها تتأسس على قناعات عدمية لا تحترم سير الناس وتضحياتهم وأخلاقهم وأتعابهم. وهذا الخطر أخذ يرتد على إيران من الداخل حين بدأ دعاة «ثقافة الفجور» باتهام قادة الثورة وبناة الدولة الإسلامية المعاصرة بالخيانة والعمالة والسرقة. وحين تصل لغة التخاطب إلى هذا المستوى المتدني في التعامل مع الجيل المؤسس للدولة تصبح إمكانات الانهيار الذاتي واردة بسبب آليات التقويض التي تفكك رويدا شبكة العلاقات الأهلية.

عدم التسامح هي سياسة الضعيف الذي يعتبر أن ما يقوله هو الصحيح والآخر المخالف مجرد جاسوس أو تابع أو ينفذ مخططات أجنبية. ولغة التسامح هي سياسة القوي الذي لا يخاف من «ثقافة الفجور» التي تعتمد أسلوب التهويل والتخويف والترهيب بقصد تعطيل العقل وإلغاء الرأي الآخر ومنع القوى من التفاعل مع المتغيرات والتحولات وإعادة قراءة تفصيلاتها الراهنة في سياق رؤية تاريخية واستراتيجية.

«الفجور» ثقافة الأغبياء. والغبي في القراءة يعتمد على معلومات ضحلة تخضع لتوترات مؤقتة تمنع العقل من التفكير وتفسد على «الجماعة» إمكانات الاستيعاب والإدراك. وهذا النوع من «الفجور الثقافي» يرتد دائما على الناس ويدفع نحو الانزلاق إلى قعر الانقسامات من دون وعي لمخاطر آليات التقويض التي تتحرك عفويا وطبيعيا وميكانيكيا وصولا إلى تحطيم الأجزاء الصغيرة من الوحدة الجمعية.

«ثقافة الفجور» تفرغ العقول من التفكير لأنها تستخدم لغة «الطواويس» وتطلق «صواريخ ايديولوجية» و»بالونات حرارية» بقصد كسب القلوب من دون اكتراث لمخاطر الخواء الفكري في حال تم تعزيزه ونشره في «الفضائيات» التي تعتمد منطق الصراخ والتحشيد.

الخطر على إيران من الداخل. وأخطر ما تواجهه الآن الجمهورية الإسلامية نمو «ثقافة» تعتمد لغة التخوين بقصد تخويف قادة الثورة وبناة الدولة من لعب دور مفصلي في عملية الإنقاذ وتحصين الداخل ليس فقط في مواجهة الخارج وإنما أيضا للتصدي إلى موجة سياسية تتحكم في قفازاتها «ثقافة فاجرة».


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/7109.html