صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3762 | الإثنين 24 ديسمبر 2012م الموافق 13 ربيع الاول 1445هـ

جاسم حسين... وسنوات الجريش

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

إرادة هذا الشاب غريبة، وعشقه لتراث وتاريخ البحرين لا يحده حدود، وسعيه لخدمة هذا التراث بالجمع والكتابة والتصوير الفوتوغرافي، والطلعات الاستقصائية التي اعتاد عليها منذ أن مسّته تلك الشرارة التي تصيب عادةً المهمومين بتراث وتاريخ أمتهم. تلك الرحلة الشاقة والممتعة في البحث عن المجهول، واقتناص الأشياء المبعثرة من الذاكرة لإعادة ترميمها في صورة معلومة مكتملة وتقديمها للناس.

جاسم حسين آل عباس، شابٌ من قرية المعامير، نموذج للشباب البحريني المبتكر، سلك درباً جديداً وصعباً في خدمة وطنه، وكان ميلاد الاهتمام بتاريخ البحرين قد تغشاه وهو في معتقل التسعينيات حيث قضى أربع سنوات يتعايش مع القيود والأسئلة والخيال الجامح.

لجاسم حسين (34 عاماً) أكثر من 12 مؤلفاً بعضها مطبوع وبعضها ينتظر، وكل مؤلفاته تحوم حول حمى التاريخ، وتجترح الأسئلة الكفيلة باستفزاز المناطق الساكنة من الذاكرة الجمعية لشعبٍ مسكونٍ بالتاريخ، ومن مؤلفاته المطبوعة: «دور العبادة في قرية المعامير»، «محطات من ذاكرة المعامير»، «العلامة الدكتور الشيخ علي آل عصفور مجاهداً ومعلماً»، وهو في كل هذا يكتب بصمت وتجرد عالي الوتيرة لدرجة الدهشة. ولعل أبسط معاني التجرد أن تنشر بعض كتبه مغفلة من الاسم!

جاسم شديد الاعتزاز بقريته المعامير، وقد خصّها بالاهتمام الوافر ضمن اشتغالاته البحثية، وقد كتب عنها وحولها الكثير من المعلومات وجمع الكثير من الوثائق التي استخلص من مضامينها ما يثري الذاكرة البحرينية ويضيء جوانب كان يلفها الغموض. وكانت دائماً الوثيقة وروايات كبار السن وحكاياتهم والقلم والكاميرا أدواته للوصول إلى الحقيقة الضائعة في زحمة السنين وانصراف الهمم وتغافل المعنيين.

غير أن البصمة الكبرى لجاسم والتي وضعته في مصاف اللاعبين الكبار ممن قدّموا خدمات جلية لتاريخ البحرين والتعريف بتراثها، تمثّلت في إقدامه على تأسيس وإدارة مدونته على شبكة الإنترنت والتي ستغدو من أشهر وأنجح المدونات غير الشخصية في البحرين، والتي حملت عنوان «سنوات الجريش».

يقول جاسم حسين: «عندما كنت في الاعتقال استيقظت في ذهني جملة من التساؤلات المتعلقة بتاريخ أهل البحرين، وتساءلت عن أهل قريتي في المعامير: من هم؟ ومن أين جاءوا؟ وما هو تاريخهم؟ كانت الأيام والليالي الطويلة فرصةً سانحةً لاكتمال جملة التساؤلات الكفيلة بسدّ ثغرة هائلة في تاريخ منطقتي المعامير والقرى المجاورة لها. وما أن حدث الانفراج السياسي في العام 2001 حتى بدأ سؤال التاريخ يحرّك كل نشاطي الثقافي، وأنا الذي كنت أكتب في المسرح والرواية وأنشط في المجال البيئي. وكانت البداية عبر إنتاج فيلمٍ قصيرٍ عن قرية المعامير، أجريت فيه مقابلات مع شيبة القرية وكبار السن فيها. بعدها صارت كاميرتي الفوتوغرافية تلازمني أينما ذهبت، فأنا على أي حال من عشاق التصوير. رحت أتجوّل في ربوع القرية والقرى المجاورة، ثم بدأت بكتابة تقارير مصوّرة وأنشرها في بعض المنتديات الإلكترونية مثل بحرين أونلاين، شبكة المعامير، وسواها. وسرعان ما يأتي 2004 لتنطلق مدونتي «سنوات الجريش»، وينطلق معها الجهد الموجّه لإحياء تراث وتاريخ المنطقة.

كانت بداية المشروع تستهدف التعريف بتاريخ المعامير وأبرز رجالاتها ودور العبادة فيها، رحت أبحث عن أصول أهل المعامير، فعثرت على شواهد تاريخية لا تقبل التشكيك على أن أصولهم تعود إلى منطقة «عسكر الشهداء»، بحسب التسمية التاريخية، وهي منطقة عسكر الحالية، ثم تطورت مادة المدوّنة بشكل كبير وتوسّع الاهتمام ليشمل القرى المجاورة، وبعدها كبرت في داخلي الطموحات ورحت أرصد كل ما يتعلق بتاريخ شعب البحرين المنسي والمهمش، بعيداً عن إكراهات التاريخ الرسمي».

يعتقد جاسم أن مدونته (سنوات الجريش) لعبت دوراً أساسياً في تحفيز الأذهان على الاهتمام بتاريخهم وتراثهم المنسي، يقول: «أعتقد أن المدونة استطاعت أن تقرب مادة كانت بعيدة عن متناولهم، لقد هجر الناس الكتاب والمكتبات، وأصبحت هناك بدائل عصرية كالهواتف الذكية والحواسيب اللوحية، سنوات الجريش استطاعت أن تصل إلى الناس بطريقة سهلة وميسرة عبر تقديم مادة مفيدة لهم عبر هذه الوسائط».

مع الانتشار والاحتضان الشعبي الكبير الذي حظيت به «سنوات الجريش»، بدأ بعض الباحثين والمهتمين بتاريخ البحرين يستوعب الدور الذي تنهض به المدوّنة في التعريف بتاريخ شعب البحرين، فبدأت أحصل بشكل حصري على بعض الأبحاث والدراسات والترجمات التاريخية من بعض الباحثين لكي تنشر في المدونة، هكذا مثلاً حصلت على تعاون سخي من الأستاذ يوسف مدن، ومركز البحرين لحقوق الإنسان الذي زوّدني بترجمة ضافية للمذكرات الكاملة لمستشار حكومة البحرين تشارلز بلغريف (ت 1969)، وقد نشرت في المدونة ضمن 6 حلقات مسلسلة».

تعرّضت مدونة سنوات الجريش منذ انطلاقتها الفعلية قبل 8 سنوات لأكثر من اختراق استهدف تدمير محتواها الإلكتروني، ولقد كانت بواعث هذه الحملات دائماً هو «الانزعاج» من شحنة «الحقيقة» التي كانت دائماً تتضمنها مواد المدونة، كما كانت دوافعهم كما يؤكّد صاحب المدونة «طائفية»، والغريب أن هؤلاء كانوا يحاربون المدوّنة ويستفيدون منها في كتاباتهم!

حققت المدوّنة شهرةً تجاوزت الدائرة المحلية والخليجية، فالمدوّنة تحظى بمتابعة واسعة من مختلف بلدان العالم العربي، ولها جمهورٌ متابعٌ في أوروبا والقارة الأميركية، وبلغ أقصى عدد لمتابعيها ستة آلاف متصفح يومياً، لكن هذه النسبة غير مستقرة بالطبع، وتتراوح بين انخفاض وزيادة في فترات مختلفة.

ويؤكد آل عباس أن مقترحات ومراسلات إلكترونية تصله من مختلف البلدان الخليجية والعربية، بعضها يطلب معلومات أكثر عن موضوع معين، فيما تكتفي بعض المراسلات بالإشادة، والبعض يدلي باقتراحات ذات قيمة، ولكن يحول دون تنفيذها نقص الإمكانيات المالية والبشرية. فالمدونة مشروع يقوم على جهد شخصي بكل ما تعنيه الكلمة.

ولعل من أبرز الاقتراحات التي وصلت صاحب «سنوات الجريش»، طباعة المواد في كتاب سنوي، لكنه كان يتردد في ذلك كثيراً، ويستعد حالياً لتطوير مدونته لتتحوّل إلى موقع إلكتروني، بتصنيف حديث للمواد، مع إمكانية أيسر للبحث لتمكّن الباحثين من الوصول إلى المواد المطلوبة بشكل أسهل. ومن المرجّح أن يتم تدشين الموقع مطلع فبراير/ شباط 2013، في حين ستبقى المدوّنة فاعلةً لمدة ستة أشهر.

جاسم حسين آل عباس... شكراً لمجهودك الرائع، وشكراً على هذا العطاء الجميل الذي مضى منه والآتي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/725534.html