صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3762 | الإثنين 24 ديسمبر 2012م الموافق 08 محرم 1446هـ

الاتحاد الخليجي بين رؤيتين

الكاتب: عبدالنبي العكري - comments@alwasatnews.com

خلال القمة الخليجية في ديسمبر/ كانون الأول 2011 فوجئ زعماء مجلس التعاون الخليجي كما فوجئ باقي المسئولين والمواطنين في دول الخليج بتقديم مقترح بإقامة «الاتحاد الخليجي»، بعد كلمة عاطفية عن الأخطار المحدقة بدول المجلس، وما يجمع بين دوله من روابط مشتركة، تحتم توحده في صيغة اتحادٍ أرقى من مجلس التعاون الخليجي، ويأتي هذا المقترح بعد واحد وثلاثين عاماَ من قيام المجلس في مايو/ أيار 1980.

وكما هي العادة في التعاطي مع القضايا الخطيرة، وتماشياً مع التقاليد السائدة، لم يعارض أحدٌ صراحةً المقترح، وتقرر أن يحال إلى لجنة مختصة لدراسته، والتقدم بتقرير في القمة غير الاعتيادية المقررة في جدة في مايو 2012، وهو ما حصل. لكن اللجنة لم تتوصل إلى نتيجة قاطعة وبرزت خلافات في أوساطها وتقرر إجراء المزيد من الدراسات. ومن الواضح أنه باستثناء بلدنا البحرين، لم يكن أي من الآخرين مرحباً بالفكرة، لوجود خلافات معلقة حول الحدود. بل إن مشروعاً حيوياً لإقامة جسر يربط قطر والإمارات تعطل لمروره بمياه إقليمية لدولة ثالثة.

وإذا راقبنا مسيرة مجلس التعاون، فإن مشاريع حيوية أهمها السوق الخليجية المشتركة والعملة المشتركة والبنك المركزي الخليجي والهوية الموحدة متعطلة، بسبب الخلافات بين هذه الدول، وأُضيف عامل مستجد على الخلاف بسبب رعاية بعضها للاتجاهات والتنظيمات الإسلامية السنية وخصوصاً تنظيمات الإخوان المسلمين والسلفيين في منطقة الخليج، حيث دخلت كلٌ من الكويت والإمارات في صدام مع التيارين.

وفي خضم هذه التناقضات تبقى البحرين وحدها متحمسة لمشروع الاتحاد الخليجي، في محاولةٍ للهروب من استحقاقات الحركة المطالبة بالتغيير. وفي ظل حالة الاستقطاب السياسي والطائفي الذي عمقته رياح الربيع العربي، وما رافقه من حراك شعبي في 14 فبراير/ شباط 2011 في البحرين، وحركة 25 فبراير في عمان، والحراك الجماهيري في الكويت والحركات الحقوقية في الإمارات ودول أخرى، فقد شكل مشروع الاتحاد الخليجي قضية خلافية أخرى، حيث ترى القوى والشخصيات المعارضة الديمقراطية والعلمانية في الخليج مشروعاً لتعزيز القبضة الأمنية، وخصوصاً في البحرين، حيث عبرت عن معارضتها للمشروع من خلال تجمع جماهيري في الماحوز، بالمنامة العاصمة في يناير/ كانون الثاني 2012. كما أصدرت القوى المعارضة بياناً واضحاً تؤكد فيه أنها تشترط في إقامة أي اتحاد خليجي أن يقوم على الإرادة الشعبية المتمثلة في استفتاء مواطني المجلس في كل بلد على حدة، وأن يكون ذا بنية ومحتوى ديمقراطي ويضمن المشاركة الشعبية.

من ناحية أخرى، استُخدمت القوى والشخصيات الموالية للترويج للمشروع، باعتباره خشبة الخلاص في مواجهة ما اعتبروه أطماعاً إيرانية. وتساوق مع هذه الحملة شخصيات عامة خليجية وحملة ترويجية في الصحافة والمحطات الفضائية بالإضافة إلى الفضاء الإلكتروني.

ثم تطور الأمر بعقد مؤتمرات ترويجية ممولة من جهات رسمية بتنظيم جمعيات وتجمعات قريبة من السلطة، وآخرها ما نظمه تجمع الوحدة الوطنية، أحد إفرازات الأزمة الحالية.

وفي جميع هذه المؤتمرات استُنفرت الشخصيات العامة الخليجية للترويج لمشروع الاتحاد الخليجي وتسقيط معارضيه وخصوصاً المعارضة البحرينية، ولا بأس بالسماح لبعض الأصوات الناقدة لإعطاء نوعٍ من المصداقية عليها. كما نظم المجلس الأعلى للشباب والرياضة مؤتمراً شبابياً خليجياً للترويج للمشروع.

كان واضحاً أن باقي الدول الأعضاء بالمجلس لم تكن متحمسة بالأساس للمشروع، وكانت عمان هي الأوضح والأكثر حزماً فقد صرح وزير الدولة للشئون الخارجية العماني في اجتماع وزراء الخارجية في الرياض، أثناء التحضير للقمة الخليجية التشاورية في مايو 2012، بأن المشروع مؤجل حتى اجتماع وزراء الخارجية القادم في سبتمبر/ أيلول 2012. ولم يناقش المشروع أيضاً حينها.

ومن الواضح أن مشروع الاتحاد قد طوي مؤقتاً، فقد صرح وزير خارجية البحرين على هامش حوار المنامة بأن مشروع الاتحاد الخليجي لن يكون على جدول أعمال قمة المنامة هذا الشهر، ما يعني تأجيل مناقشته إلى أجلٍ غير معروف.

كما أن الكويت وعلى لسان رئيس مجلس الأمة السابق أحمد السعدون صرّح بشكلٍ صريح بأن الكويت ترفض مشروع الاتحاد الخليجي لأنه لا يستند إلى آليات ديمقراطية، وأنه سيشكل إضعافاً للنظام الديمقراطي في الكويت. وعلى رغم أن كلاً من الإمارات وقطر لم تصرحا بشكلٍ علني معارضتهما للاتحاد إلا أنهما لم تصرحا بتأييده.

وحدة الخليج عند الشعوب

حتى إجبار بريطانيا العظمى مشايخ الخليج على توقيع الاتفاقيات المانعة في 1820 تحت دعوى مكافحة القرصنة وتجارة العبيد والسلاح، ثم أتبعتها باتفاقية الحماية في نهاية القرن التاسع عشر، لم تكن هناك كيانات سياسية أو هويات محلية أو حدود مرسومة فيما بين الخليجيين، ليس فقط على الساحل العربي بل أيضاً على الساحل الإيراني. فقد كانوا ينتقلون ويتملكون ويقيمون ويعملون بكل حرية. وكان الخليج العربي مفتوحاً للتجارة والصيد والغوص من أجل اللؤلؤ. لكن بريطانيا وفي معالجتها لوضع حدٍ لفوضى اقتتال القبائل والقرصنة وتجارة العبيد والسلاح، ولتقزيم الإمبراطورية العثمانية، عمدت إلى إضفاء الشرعية على التجمعات القبائلية لتتحول إلى كيانات سياسية عشوائية.

الشعب في الخليج شعب عربي واحدٌ يرتبط بروابط العيش والهوية والدين، لذلك ينتهي كل تعريف وعنوان بريدي: «الخليج العربي». وبشكل مبكر طرح رواد الوطنية في الخليج وحدة شعب الخليج كما في الحركة الإصلاحية للمجالس التشريعية في الكويت والبحرين ودبي 1938. كما أن بواكير الحركة الوطنية الحديثة في البحرين والكويت وعمان والإمارات وقطر في الخمسينيات أكدت على وحدة الخليج العربي وخصوصاً في وجه الأطماع الإيرانية والإخضاع البريطاني.

وقد سارت الحركات القومية واليسارية في الستينيات على الهدى ذاته مع إضفاء محتوى تقدمي وتحرري وديمقراطي على هذه الوحدة. وقد وحدت صفوف الثورة والنضال بين الخليجيين وسقط الشهداء على ثرى ظفار. كما استضافت الزنازن الخليجيين المناضلين من مختلف البلدان والاتحادات.

وهناك مفارقة كبيرة بين إعلان مجلس التعاون في الإمارات (1980) الذي ينص على ديباجة إعلانه وبناءً على ما يجمع بين أبناء الخليج العربي من وشائج الهوية والدين واستجابة لتطلعات المواطنين نحو إقامة كيان يوحد، نعلن قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مع أن الدوافع الحقيقية لقيامه وبنيته وأهدافه مختلفة تماماً.

من الواضح أن قيام المجلس جاء إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير 1979، وما شكلته من تحديات لنظم الحكم الخليجية. أيضاً تليها الحرب العراقية الإيرانية المدمرة التي شكلت تهديداً أمنياً وعسكرياً بخطورة امتدادها وتأثيرها على الملاحة وتوقف النفط شريان الحضارة.

فالمجلس تم بقرارات فوقية من قِبل الحكومات، من دون مشاورة الشعوب، ولاتزال هذه العقلية مستمرة حتى اليوم. وجرى بناء المجلس بناءً بيروقراطياً فوقياً على شكل الأنظمة، بحيث لا يكون للشعوب دور فيه، بلا برلمان يعبر عن مصالحهم ويراقب المجلس، ولا آلية ديمقراطية لمعرفة رأي المواطنين والانصياع لها.

يقال إن مجلس التعاون هو الأنجح بين المشاريع الاتحادية العربية، مثل الاتحاد المغاربي والاتحاد العربي. وهذا صحيح لأن الأنظمة الخليجية الأقرب للتماثل بين نظرائها من الأنظمة العربية، لكنه ليس نجاحاً بالمقاييس الاتحادية العالمية مثل الاتحاد الأوروبي والمشكّل من أمم مختلفة.

صحيح أيضاً أنه قد تحققت للمواطن الخليجي بعض المكاسب مثل حرية التملك والعمل وتنسيق محدود في مجالات معينة مثل العلاقات الخارجية والصحة والتعليم والمواصلات وغيرها، لكن كان ذلك بثمن باهظ دفعه المواطن الخليجي من حريته، ودفعته الشعوب من رصيد هويتها الخليجية لحساب هويات محلية.

فمنذ الاتفاقية الأمنية في 1985 حتى الاتفاقية الأمنية الأخيرة في اجتماع وزراء الداخلية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، طوّرت الأنظمة الخليجية آلياتها وتعاونها لاحتواء وقمع أي تحرك جماهيري للثورة أو التغيير في أي بلدٍ خليجي، وملاحقة المعارضين السياسيين والحقوقيين والإصلاحيين الخليجيين بمختلف السبل قبل الرصد والحرمان من العمل، والمنع من التنقل والسجن، وها هي قوائم المناضلين الخليجيين متداولة لدى سلطات المخابرات الخليجية.

ومنذ انطلاقة الربيع العربي وهبوب نسائمه على الخليج، تصاعدت وتيرة القمع ضد حركة التغيير في دول الخليج. وهناك كتابات كثيرة في الصحافة العالمية عن دور مجلس التعاون في احتواء الثورات التي نجحت نسبياً ومواجهة الانتفاضات وحركات التغيير التي تمر بمخاض، مع الإشارة إلى وجود تحالف استراتيجي مع الغرب في ذلك وفي إحباط ثورة الشعب الفلسطيني، والقبول بكيان هزيل مقابل التطبيع العربي الكامل مع «إسرائيل».

لقد أطلق الربيع الخليجي قوى جماهيرية خليجية كبيرة في الصراع عمادها الشباب، وبمشاركة النساء بشكل واسعٍ وليس رهناً لاتفاق القوى السياسية المعارضة التقليدية، وبتجاوز للانتماءات الايديولوجية والسياسية والاجتماعية، وهذه الإرهاصات تطرح مشروع تحديد الوحدة الخليجية.

كما أن منتدى الحوار الخليجي هو ثمرة الفكر التجديدي للوحدة الخليجية ووجوده سابق على الربيع الخليجي، لكن هذا الربيع يطرح عليه مسئولية كبيرة بأن يكون رافعة للنضال جماهيرياً ونخبوياً من أجل اتحاد خليجي ديمقراطي منطلقاً من الشعب ويعود إلى الشعب في مختلف الساحات، مع التنظيمات السياسية والنقابية والحقوقية والمجتمعية، وأن يصوغ وثيقةً لرؤيتنا للاتحاد والخليج الديمقراطي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/725535.html