صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3762 | الإثنين 24 ديسمبر 2012م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

مزاد تاريخي!

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

أعلنت تونس عن افتتاح مزاد علني لبيع مقتنيات الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

المزاد يضم أربعين سيارة فارهة وباهظة الثمن، تبلغ قيمة إحداها مليونين ونصف المليون دولار، وبعضها تلقاه هديةً من زميله الدكتاتور معمّر القذافي، الذي حكم الشعب الليبي لأكثر من أربعين عاماً، وكان يتصرف وعائلته في المال العام كما يتصرّف في متاعٍ ورثه من أبيه!

بن علي الهارب من العدالة الآن، هو الآخر كان يتصرف في المال التونسي العام كمالٍ ورثه من أبيه، وكان أن فتح خزانة الدولة لعائلته ولزوجته وإخوانها، بحيث أصبحوا من كبار أباطرة المال والأعمال، يمتلكون اليخوت والقصور والفلل في المدن الأوروبية الكبرى.

من بين المقتنيات مجموعة كبيرة من معاطف وسترات فخامة الرئيس المخلوع، بالإضافة على مقتنيات زوجته ليلى طرابلسي، التي كانت تلقب بسيدة تونس الأولى.

وكانت الزاوية المخصصة لها تشمل تشكيلة واسعة من المقتنيات، من فساتين سهرة وأحذية وإكسسوارات ومعاطف فرو (من النوع الكشخة)، بالإضافة إلى أعمال ومشغولات فنية نادرة، على هيئة طيور وحيوانات وخيول وفِيَلة... والأهم من ذلك كله الحلي والمجوهرات. فقد عُرف عنها حبها الشديد لاقتناء الحاجيات الثمينة، وطبعاً على حساب الدولة، ومن مال الشعب التونسي الكريم.

وبعد هروبها مع زوجها واقتحام الجماهير القصور، اكتشفوا أنها كانت تخبيء بعض هذه المجوهرات في أماكن خاصة بالقصر، وأحياناً في حديقة القصر، لأنها كانت تظن أنها أماكن آمنة لا تخطر على بال السرّاق!

هذا الترف والبطر والطغيان، كان من نتائجه قيام الثورة العاصفة التي أطاحت بحكم بن علي خلال أسبوعين فقط، وطوّحت به في الخارج، وهي سرعةٌ لم يتخيلها أحد. وبطبيعة الحال أن يكون لذلك ردود فعل لدى من جاء بعده على الحكم. فقد شاهدنا الرئيس الجديد المنصف المرزوقي، وهو حقوقي شهير، يرفض السكن في قصر بن علي، ويختار لبس بدلة بدون ربطة عنق.

هذه الثورة الغاضبة التي استُهل بها الربيع العربي، أخذت تتفاعل في توليد ثقافة جديدة، تتشدد في الرقابة على المال العام، وتنظر إلى من يسعى للحكم بكثير من التشكك، لما تمتلكه من ميراث طويل امتد قروناً، خلاصته أن من يحكم يملك، ومن يملك يستأثر ويقرّب أولاده وأعمامه وأخواله وعائلة زوجته لتكون لهم الدولة مرتعاً خصباً «يخضمون مالَ اللهِ خضمةَ الإبِلِ نبتةَ الربيع» كما في تعبيرات الإمام عليٍّ (ع).

مثل هذه المزادات نادرة جداً في التاريخ الإسلامي، ففي القرون الماضية كانت كلما قامت دولةٌ جديدةٌ وضعت يدها على كل ما تملك الدولة السابقة، دون حاجة إلى بيع أو مزادات. وربما كان الاستثناء ما قام به عمر بن عبدالعزيز، هذا الخليفة الاستثنائي الذي ثار على قومه وسيرة الأمراء من قبله، وجمع مقتنياتهم وعرضها في سوق دمشق، وأمر صديقه، غيلان الدمشقي، لينادي على أبوابها: «هلمّوا لشراء متاع الظالمين».

وفي روايةٍ أخرى: «هلمّوا لشراء متاع الظلمة الخونة». وهي واحدة من أقدم الحوادث الثورية في التاريخ الإسلامي، ولو جاء اليوم لكان أحد خطباء ميدان التحرير في القاهرة، فقد كان أصله قبطياً وأسلم، ولربما شاهدناه متحدثاً على الفضائيات بعد نشرات أخبار المساء .


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/725539.html