صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3783 | الإثنين 14 يناير 2013م الموافق 15 ربيع الاول 1445هـ

محنة التراث التعليمي... «المباركة العلوية» تستغيث

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

على الضفة الجنوبية لمسجد الخميس الأثري وبين تلال أثرية يرجع زمانها إلى عهد الملك الروماني دقيانوس، وامتداداً لمدرسة الخميس التي كانت ملحقةً بمسجد الخميس في العصور السابقة حيث كان يتم تدريس العلوم الشرعية والفلسفية والمنطق، تأسّست المدرسة المباركة العلوية كثاني مدرسة نظامية حكومية بعد الهداية الخليفية.

ومثل المدارس الأخرى، جاءت فكرة التأسيس من مجموعة من التجار المثقفين من أبناء الطائفة الشيعية، وكانت المدرسة عبارةً عن حجرتين للدراسة فقط، تفصل بينهما غرفةٌ للإدارة. وكان عدد الطلاب آنذاك ستة عشر طالباً، ثمانية لكل صف، وكان هناك مدرس واحد راتبه الشهري 15 روبية فقط. أما أعضاء اللجنة المؤسسة للمدرسة فهم السيدأحمد العلوي، والحاج علي السماهيجي، والسيدمحمد السيدحسن الماحوزي، والحاج إبراهيم عبدالعال.

وافتتحت المدرسة موسمها الدراسي للعام 26 – 1927، وكانت تضم طلاباً من جميع قرى البحرين.

لقد أغرى العمل في قطاع الحكومي أبناء البحرين بالالتحاق بالتعليم النظامي، من أجل إتقان «لغة المال والأعمال» الإنجليزية، فقد كان الإلمام بالانجليزية نادراً في العشرينيات، فاضطرت الحكومة لتوظيف عدد من الكتبة والمساعدين الهنود، ذلك أن مدرسة الهداية التي تأسست - بحسب الرواية الرسمية - العام 1919 والصحيح أنها تأسست في أحسن الفروض العام 1921، (راجع ما كتبه محمد الرميحي في أطروحته للدكتوراه عن البحرين)... كانت تستخدم اللغة العربية في التعليم.

أما مدرسة الإرسالية العربية الأميركية فكان معظم طلابها في ذلك الوقت من المسيحيين واليهود الذين لم تستهوهم المناصب الحكومية، ولم يرسل التجار المتدينون من السنة والشيعة أولادهم إلى هذه المدرسة إلا في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، عندما بدأت شركة النفط التي تتكلم الإنجليزية تتدفق إلى منطقة الخليج والجزيرة العربية.

لقد أنشأت الحكومة عشرينيات القرن الماضي «لجنة التعليم» برئاسة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة للإشراف على المدارس القائمة، وكانت مؤلفة من كبار وجوه السنة، بينما أبعد الشيعة عنها، وقد افتتحت مدرسة الهداية الثانية في المنامة سنة 1923، تلاها افتتاح مدرستين في الحد والرفاع، وهو ما أدّى إلى خلق شعور لدى الشيعة بضرورة حصول أبنائهم على تعليم حديث، ولذلك شكّل هؤلاء لجنةً من وجهائهم لجمع الأموال لتغطية نفقات إنشاء مدارس خاصة بهم. وقد حضر المستشار البريطاني تشارلز بلغريف (ت 1969) اجتماعات هذه اللجنة ليقدّم لها الإرشادات / الأوامر ويعلق على أعمال هذه اللجنة قائلاً: «كان الشيعة فقراء، ومع ذلك فقد جمعوا عدة آلاف من الروبيات كمساهمة منهم». أنشأت لجنة الشيعة في قرية الخميس «المدرسة المباركة العلوية». وبعد مضي سنة استطاعت أن تشيد مدرسة أخرى «الجعفرية» والتي كانت مؤلفة من أربعة فصول.

وفيما نجد أن «لجنة السنة» قد استقدمت مدرسين من سورية لمدارسها، فإن «لجنة الشيعة» اتجهت إلى العراق لاستخدام مدرسيها! وفي الواقع فإن الظلال الطائفية ظلت تحكم واقع المحاولات الأولى لولادة المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في البلد إبان الربع الأول من القرن الماضي، وهو ما ظهر واضحاً في مجالس التعليم والقضاء والمحاكم، بل وحتى في ملابسات المحاولات الأولى لتأسيس الأندية الثقافية، وهي زاوية تحتاج لدراسة تتحلى بقدر كبير من الشجاعة لفضح ونقد حمولاتها السلبية على المستوى الفكري والجمعي.

جاء تأسيس المدرسة المباركة العلوية تتويجاًً لتاريخ علمي عريق ضارب الجذور، فلقد كانت البحرين، كما يقول المؤرخ الشيخ محمد علي التاجر في القرون الوسطى (القرون الأربعة الأخيرة): «ذات معارف عالية وسوق للعلم رائجة، وفطاحل العلم يوجدون بكثرة متناهية، فلا تكاد تخلو بلدة أو قرية من وجود عدد منهم فيها، ولكل واحد منهم مدرسة ملاصقة للمسجد الذي يصلى فيه، يلقى فيه الدروس والأبحاث على طلابه، وقد تخرج من تلك المدارس الجمع الغفير من العلماء الأفاضل، الذين سارت بهم الركبان وتحدث بفضلهم القاصي والداني، وكان يقصدها الطلاب من أقاصي البلدان وكانت تدعى (منارة العلم)، كما دعيت بها شيراز بعد ذلك».

وفي حدود الأرض التي شيدت عليها المدرسة العلوية، فلقد أنجبت «البلاد القديم» عدداً من العلماء والأدباء خلال القرن السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، منهم السيدعلي بن إسحق البلادي (ت 1288هـ / 1871م) وكان أديباً ونحوياً، والشيخ علي البلادي (ت 1340هـ/ 1922م) صاحب كتاب «أنوار البدرين» الذي يعد مرجعاً تاريخياً مهماً، والذي تعرف أسرته بـ «البلادي»، وفي السنين الأخيرة تعرف بـ «القديحي»، وهي قرية في القطيف حيث ارتحل إليها الشيخ وعائلته. ومن الأسر المعروفة والتي نزحت إلى قطر «بيت ابن جمال الدين» ومنهم الشيخ أحمد بن جمال الدين البلادي البحراني، والشيخ محمد بن جمال الدين البلادي الذي كان متضلعاً في العلوم العقلية، ومن مؤلفاته «رسالة في الهيئة وعلم الفلك».

مدرسة المباركة العلوية، هذا الصرح التاريخي العريق، يتعرض اليوم لإهمال رسمي غريب ومريب، فقد تحوّل مبنى المدرسة إلى وكرٍ للقوارض والزواحف، وزواياها المتهالكة باتت مكمناً لأعشاش العصافير، وسقطت أسقف بعض غرف المبنى البالغ عددها 9 غرف في مشهد «يصعب على الكافر»، ويستدر دمع الغيور على تراث وتاريخ الحركة الثقافية في البلد الذي كان منارةً للعلم وقبلةً للمتعلمين على مستوى دول حوض الخليج.

النداء موجّهٌ بشكل عاجل للجهات المعنية بالحفاظ على تاريخنا وتراثنا الوطني في وزارة الثقافة، وباعتبار أن هذا الصرح التاريخي والتعليمي يقع ضمن مسئولية وزارة التربية والتعليم فإنها أيضاً تتحمل المسئولية الأكبر في إيلاء واجب صيانة هذا المبنى والحفاظ عليه من الانهيار، ويغيب بغيابه جزء مشرق من تاريخ البوادر الأولى لتأسيس الحركة التعليمية الحديثة في البحرين.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/730626.html