صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3783 | الإثنين 14 يناير 2013م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

رسالة السماهيجي مرةً أخرى

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

في هذا العصر الذي تسود فيه ثقافة «حقوق الإنسان» على مستوى العالم، يجب ألا تظل سجون البحرين تغرد خارج السرب، متشبثةً بفلسفة الخمسينات في اعتبار السجن مكاناً للعقاب والتعذيب والتشفّي وإذلال المعارضين وأقاربهم من الدرجة الأولى.

أربعة أجيالٍ من البحرينيين القوميين والعروبيين واليساريين والإسلاميين؛ مرّت على سجون البحرين وعانت ما عانت من سوء معاملة، وسوء تغذية، وسوء رعاية صحية. نصفهم عانى من هذه الظروف أيام الاستعمار، ونصفهم الآخر عانى منها بعد الاستقلال، وآخرهم من أبناء جيل الربيع العربي الذين زاد عددهم على ألف وخمسئة معتقل وسجين.

قضية طبيب العيون الاستشاري المعروف سعيد السماهيجي أعادت إلى السطح قضية وضع السجناء السياسيين مرةً أخرى، فقد التقاه محاميه الأسبوع الماضي، ونقل عنه رسالة تضج بالشكوى والألم، من سوء المعاملة، وضعف الرعاية الصحية، وسوء التغذية لمن هو في مثل وضعه الصحي، حيث يعاني من عدة مشاكل صحية، وهو فوق الستين.

السماهيجي أتيحت له الفرصة لإيصال رسالته بهدوء؛ لعلها تصل إلى آذان المسئولين في وزارة الداخلية، لكنْ هناك آخرون لم تتح لهم هذه الفرصة، ويعيشون ظروفاً أسوأ، وتتسرّب قصص معاناتهم عبر أهاليهم في الزيارات الدورية. وهناك قصص نسمعها من أهالي السجناء والمعتقلين، نعجز عن كتابتها في غالبية الأحيان.

هذه السجون مرّ عليها خلال نصف قرن، مناضلون وطنيون وشعراء وكتاب وعمال ونقابيون ورجال دين، وكان بعضهم في سنٍّ متقدمة، ولعل أشهرهم عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان وعبدعلي العليوات قديماً. وحديثاً الشيخ عبدالأمير الجمري وعبدالله فخرو (رحمهم الله جميعاً)، وكلاهما كان يعاني من عدة أمراض، وكلاهما كان يحمل رأياً عُوقب عليه، وكلاهما كان سلميّاً ولم يدعُ قط إلى أي عمل عنيف. كان كلّ ما يملكانه الدعوة إلى الإصلاح وانتقاد السياسات والمظاهر الخاطئة التي يشاهدانها في بلدهما.

اليوم، هناك طبيبٌ استشاري مسن، مع عددٍ من زملائه الأطباء، يقضون عقوبات بالسجن لسنوات، ولم يدعُ أحدهم لعنف، أو يشارك في أي عمل عنيف، وإنّما في علاج جرحى الحراك السياسي وإنقاذ أرواح عشرات المصابين، وهذا ما سيسجله التاريخ يقيناً. حتى تهمة «محاولة قلب نظام الحكم» أسقطها القضاء عنهم لعدم اقتناعه بها، كما أسقط تهماً أخرى كاحتلال مستشفى السلمانية، والتمييز في تقديم العلاج للمواطنين، فسِجِلُّ هذه النخبة من الأطباء نظيفٌ تماماً، وخصوصاً من مثل هذه التهم التي لا تُشترى في السوق.

الدكتور السماهيجي الذي عمل في عيادة العيون، وعالج ما لا يقل عن 75 ألف مواطن ومقيم خلال ثلاثين عاماً (إذا احتسبنا معدل خمسين مريضاً أسبوعيّاً)... رسالته من السجن بسيطة جدّاً، وأشعر بالعار وأنا أعيد سردها لتذكير وزارة الداخلية بها، من ضرورة معاملة السجناء وأهاليهم بطريقةٍ تليق بالبشر، (وهي شكوى تتكرّر كثيراً)، وخصوصاً بعدما تكرّرت قصص اعتقال بعض ذويهم من النساء أثناء الزيارة، سواءً لملاسنةٍ أو سوء تفاهم مع حرّاس السجن، وهي حوادثُ يمكن امتصاصها واحتواؤها في كثيرٍ من الأحيان.

السماهيجي كان يطالب في رسالته بالسماح بالحاجيات الأساسية كالملابس، وعدم انقطاع المياه عن المرافق الصحية ما يزيد من تعسير الحياة على السجناء، وتوفير مياه دافئة في هذا الجو الشتوي القارس، وهي حاجاتٌ أساسيةٌ لا يعترض عليها شخص ذو مروءة قط.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/730632.html