صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3788 | السبت 19 يناير 2013م الموافق 06 شوال 1445هـ

رسائل مواطن إلى الجهات المختصة... البيروقراطية الهدَّامة والديمقراطية البنَّاءة (11)

الكاتب: يعقوب سيادي - comments@alwasatnews.com

نحن لسنا من الجمعيات السياسية، ولسنا من الموالين للسلطات، لم نجد غير المواطن والإنسان، نحترم الرأي والرأي الآخر وحرية التعبير، ونحترم العقائد في خلافها واختلافها، ونصون كرامة الإنسان، ديدننا العدل والمساواة.

يخطئ من يعتقد أن أفراد وأجهزة السلطات الحكومية، تتطور بوتيرة وبإيجابية أجدى وأسرع، من تلك التي للمجتمع المتمثل في أفراد الشعب ومؤسساته المدنية، بل العكس هو الصحيح، فالشعب ومؤسساته المدنية، تعمل وتتفاعل طوعياً وطبيعياً وبالبديهة مع الجديد، ارتباطاً بالحاجات اليومية، في الماديات والفكريات والحقوقيات، والحاجة هي أم الاختراع والإبداع، والحاجة في تغير مستمر طبقاً للضرورات، التي تأخذ الفرد، إلى سد هذه الحاجات إلى الدرجة المقبولة من الإشباع.

وعالمنا اليوم هو غيره عالم الأمس، فلم تعد الحاجات الأساسية تقتصر على المأكل والملبس والدواء والتنقل، بل تعدتها بالزيادة إلى ما يُشبع العقل والوجدان البشري، من العلم والحرية والكرامة والمساواة الإنسانية، والتأثر والتأثير، لتصل إلى أن يتساوى الفرد من العامة بذاك في موقع المسئولية، سواء كان في الأجهزة الحكومية أو المؤسسات الشعبية المدنية، في تراكم الخبرة والعلم والتطور، التي أصبحت أساساً لقياس مدى استجابة السلطات، لخدمة احتياجات الأفراد، فلم يعد مقبولاً اليوم مقولات من مثل «ما يراه الحاكم لا يراه الناس» أو «أن هناك قائدا فذا من تلقاء نفسه»، فالقوة البانية اليوم تكمن في المجاميع (الشعب) وليست في الأفراد (الحاكم).

ولم تعد تلك البيروقراطية، «القرارات الفوقية للنخب في المكاتب»، التي أثبتت التجارب عقمها، وسوءات نتائجها على المدى القريب والبعيد، هي مُنَظِّمَة للعلاقات والحاجات في المجتمع، ومصدرها وسبيلها، بل انها أضحت هادمة، للعلاقات المجتمعية، ومتسببة في التفريق الذي نتيجته الصراعات ما بين الحاكم والمحكوم، بالتقابل مع الديمقراطية «اشتراك المعنيين سلطةً وخبرةً وتأثراً بالقرارات»، والتي تتكامل فيها معطيات ونتائج، المؤثرات والتأثيرات، فلِمُتَلَقِّي النتيجة والتأثير (الناس)، رأي مَسُوقَهُ القبول والتعايش مع أثر القرار في الحياة اليومية، وللخبرة أساس تهذيب القرار الجمعي، ولمتخذ القرار سلطة وجوب تنفيذه، فلأي قانون وقرار وإجراء، أطراف ثلاثة، لا كما البيروقراطية، تُسَن القوانين وتُتخذ القرارات والإجراءات خلف المكاتب في غرف مغلقة لا يدخلها العامة، بحجة السلطة، أو ربما إضفاء صفة الخبرة عليها، عبر إشراك نخبة ممن يخشون ويرتعبون أمام السلطة، في فصل وإذلال للعامة، جراء الإجبار على التنفيذ.

فأطراف المجتمع الحديث هم ثلاثة، السلطة والخبراء أو المختصون والعامة، فأصحاب السلطة هم الحكام الذين يتمثلون في عدة سلطات، منها الرئاسة الملكية أو الأميرية أو الجمهورية، ومنها السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية (الحكومات)، وأضيف على المعهود السلطة الإعلامية. أما أصحاب الخبرة والمختصون فهم أولئك كل في مجاله، الاجتماعي والسياسي والحقوقي والديني والاقتصادي، ثم الدستوري والقانوني، وكذلك المهني، وهكذا. أما العامة فهم عامة الشعب، هؤلاء الأطراف الثلاثة للمجتمع، منبعهم الشعب مصدر السلطات، فلا يكون حاكماً مَن لا يتوافق عليه شعبه، ولا يكون مختصاً مَن لا يختاره الشعب لصلاح اختصاصه في نفع الجميع، بالعدل والمساواة، أما عامة الشعب، فهم ميزان الحكم الرشيد، الذي يُوزَن عبر قبوله ورضاه، التوازن والتكامل والتواصل الإيجابي، للمجتمع فيما بين أطرافه الثلاثة، في علاقة عدل وكرامة ومساواة.

والديمقراطية ليست كالبيروقراطية في هيمنة قلة على الغالبية في القرار، ولا هي أيضاً هيمنة الغالبية على الأقلية، في انتزاع المزايا والتفرد بسلطة وثروة المجتمع، بل هي العدالة في توزعها، عبر معيار المواطنة الجامعة، في غير قوانين خاصة بالعاملين في الحكومة، تُمَيِّز لهم حقوقاً، تفضيلاً على العاملين في القطاع الخاص، مثل التأمين الاجتماعي، فكلا القطاعين يحويان العاملين وأرباب العمل من المواطنين، في خدمة تطور المجتمع الاقتصادي والخدماتي، ولا يمتاز فيه عضو البرلمان بتقاعد مجاني على حساب باقي المواطنين، وعبر قانون خاص بهم، تضاف لهم فيه سنوات خدمة لم يعملوها وبعشرات السنين (توحيد مزايا التقاعد والضمان الاجتماعي).

وفي الديمقراطية تتساوى الحقوق والواجبات العامة لجميع المواطنين، غير مرتبطة بأقلية أو أكثرية، يجمع الجميع قانون واحد، لا تمايز فيه، ولا يفرقهم إلى فئات إلا خصوصياتهم، ربما الدينية أو المناطقية، والتي لا تنال من مواطنتهم في شيء، والديمقراطية ليست كما البيروقراطية في قرار فوقي يمنح هذا المواطن تمثيلاً ينقص أو يزيد على غيره من المواطنين، ونواب الشعب في البرلمان الديمقراطي، يخجل واحدهم ويمتنع، عن المطالبة بما يخص فئةً دون غيرها، فصوته صوت كامل المواطنين، لا فئة من فئاته، كما في البيروقراطية. والسلطات في الديمقراطية منفصلة القرار والتنفيذ، في ذاتها واختصاصاتها، متوازنة في أثره الإيجابي على كافة المواطنين، وهناك السلطات المحلية المستقلة كالمجالس البلدية ومجالس المحافظات، مهماتها الاختصاص الخدمي المحلي لكل محافظة، ولا خلط بين المحلي المحدود والوطني الجامع، في الحقوق والواجبات العامة.

والبيروقراطية تقوم على النزعة الأمنية والعسكرية العنيفة، في إجبار الناس على الامتثال لقانون أو إجراء جائر، في تمييز حاد ما بين جماعات الموالاة والمعارضة السياسية والفكرية، التي لا يتوجب كما في الديمقراطية، أن تمس مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، والتي فيها أي الديمقراطية، ان الاختلافات الفكرية والسياسية، إنما هي محركات للتطور، في تداول سلمي للسلطات والإدارة. والتضاد الأكبر بين البيروقراطية والديمقراطية، أن الأولى يحكمها استفراد النخب بالقرار، والثانية يحكمها القرار الشعبي، المتمثلة فيه تلك النخب، بالمواطنة وليس نخبويتها.

لذلك فالبيروقراطية إلى زوال في صراعها مع الديمقراطية، التي تتمثلها الشعوب، تلك التي تمتلك القوة في سلميتها، متى ما انتظمت في مؤسسات مجتمع مدني، سياسية ومهنية، وتوحدت في مقابلة السلطات البيروقراطية، في فعالياتها المدنية المشروعة، من التظاهرات والتجمعات لرفع المطالب الشعبية الجامعة، والضغط على السلطات البيروقراطية، بأدواتها السلمية، من الاعتصامات والعصيان المدني، بالامتناع الجماعي عن العمل، الذي لا تقوم أي دولة من غيره، وعن دفع الضرائب، في حال كانت هناك ضرائب عادلة، يتكلفها جميع المواطنين في المجتمع الديمقراطي، نسبة لمداخيل أفراده، لقاء خدمات الدولة، عوضاً عن الرسوم التي تفرضها البيروقراطية، كسعر للخدمات الأساسية مثل وحدة الكهرباء والماء، الموحدة على المليونير والمعدم، ما تضطر العاجز والمعدم، إلى التسول لقاء حصوله على هذه الخدمة الأساسية، في حين أن ضريبتها لا تُحْتَسَب على العاجز والمعدم، وتحتسب على القادر مادياً نسبة الى دخله، في صورة من صور التكافل الضريبي والمجتمعي.

والفعاليات المدنية السلمية تستوجب أن الشعب، لا تُخْنِعَه ردات فعل البيروقراطية العنيفة المتوقعة حال المواجهات، حتى لو ملكت واستخدمت البيروقراطية السلاح ضد الشعوب، فالشعب يمتلك ويستخدم وسيلة الاستمرار الزمني في المطالبات ووسائلها، لِتَبَنِّيه مبدأ العمل الجماعي الشعبي، لا الفردي، فالشعب حي لا يموت بسلاح البيروقراطية، عبر دفاعه المشروع عن نفسه، والبيروقراطية تضعف وتضمحل وإلى زوال، بجماعية الإجراء الشعبي المستمر.

هكذا يكون الشعب مصدر السلطات في المجتمع الديمقراطي.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/731829.html