صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3797 | الإثنين 28 يناير 2013م الموافق 10 شوال 1445هـ

حتى لا يبدأ الحوار ميتاً...!

الكاتب: عيسى سيار - comments@alwasatnews.com

بداية دعونا نرحب بأية دعوة لحوار وطني منتج يخرج البحرين من أزمتها السياسة الطائفية الخانقة التي أضحت انعكاساتها واضحة للعيان في كل مناحي الحياة. بالأمس القريب كنا نطالب رأس الدولة جلالة الملك بأن يدعو لحوار يفضي إلى حل فعال يحقق الاستدامة للحياة السياسية في البحرين، وبالتالي توجه طاقاتها ومواردها البشرية والطبيعية إلى التنمية لتحقيق الرفاهية للشعب البحريني الأبي والوفي لأرضه وثوابته الوطنية.

ومنذ أن خرجت الدعوة إلى الحوار وعلى رغم الترحيب بها من كل القوي الوطنية إلا أن الكثير من الشكوك وعدم الثقة غلفت مواقف بعض القوى الوطنية من فعالية الحوار، وما إذا كان سيؤدى إلى تحقيق النتائج المرجوة والمتمثلة من وجهة نظر القوى المشكّكة في الحوار إلى تحقيق مشاركة حقيقية وفعالة في صنع القرار السياسي بين منظومة الحكم والشعب.

وقد نستميح العذر لبعض القوى الوطنية في التوجس أو التخوف من أن الحوار المرتقب سيكون النسخة الثانية من حوار التوافق الوطني الذي عقد في يوليو 2011، حيث كان من وجهة نظرنا حوار علاقات عامة أكثر منه حواراً سياسياً فعالاً ومنتجاً، حيث جمع الحوار من هب ودب، لذا كانت مخرجاته متواضعةً ومحدّدةً سلفاً، وأقل بكثير من طموحات وتطلعات الشعب البحريني.

فمدخلات حوار التوافق الوطني السابق والمتمثلة في أجنداته وآلياته غير الواضحة، يضاف إليها مشاركة ما يزيد عن 70 في المئة من الذين يتبنون مواقف النظام السياسي بل الكثير منهم كانوا يتبنون مواقف سقفها أقل من سقف النظام السياسي! ومنهم نواب شعب وشوريون... ساهم في عدم نجاحه. ودليلنا على ذلك أنه لم يحل الأزمة السياسية من جهة، ولم يرحب بنتائجه المجتمع الدولي من جهة أخرى. إلا أننا نطالب الجميع بالتوجه إلى طاولة الحوار بواقعية سياسية، فالبديل ستكون عواقبه وخيمة على الجميع.

وعلى رغم الجراح والإحباط والتضحيات وآلام الأمهات والزوجات الثكالى، إلا أنه يتوجب علينا من أجل البحرين وأهلها، أن نسمو فوق جراحنا، وأن نذهب إلى الحوار بقلب سليم ونوايا وطنية صادقة وبواقعية سياسية تتلمس الواقع وتستشرف المستقبل.

إننا هنا لا نطلب من أحد أن ينسى التضحيات والمعاناة التي تكبدها الشعب البحريني على مدى السنتين، مثل هذه التضحيات الغالية والجسيمة والتي سبقتها تضحيات كثيرة منذ عشرينيات القرن الماضي، هذه التضحيات وغيرها هي التي تصنع المستقبل المشرق، ولولاها لما حصلت الشعوب على حرياتها وحقوقها، فكم ضحّى شعب جنوب إفريقيا حتى يحصل على حريته وحقوقه، وكم ضحّى ومازال يضحي الشعب الفلسطيني من أجل الهدف النبيل نفسه.

إننا ومن هذا المنطلق، نتوجه للفرقاء السياسيين وعلى وجه الخصوص النظام السياسي صاحب الدعوة، بالقول لنعمل جميعاً من أجل إنجاح الحوار المرتقب، لأن فشله سيعيدنا للمربع رقم صفر، وسيأخذ البحرين لا سمح الله إلى ما لا يحمد عقباه، لذا وحتى لا يكتب الحوار شهادة وفاته قبل ولادته!؟ هناك من وجهة نظرنا ظروف وشروط يجب توافرها لنجاح أي حوار سياسي وخصوصاً بين فرقاء سياسيين وصلوا إلى مرحلة الشخصنة والتخشب السياسي، ويمكن حصرها في عاملين رئيسيين:

أولاً: تهيئة البيئة الحاضنة والمناخ الإيجابي للحوار من خلال البدء فوراً في خطوات وإجراءات لبناء الثقة تقوم على: أن يسبق الحوار لقاءات بروتوكولية بين قيادات الفرقاء السياسيين لتخفيف حدة الشخصنة بينهم وتقريب المسافات. ترشيد الخطاب الديني والسياسي والإعلامي وتوظيفه لدعم التوافق الوطني. تخفيف القبضة الأمنية على القرى والفرجان تقابلها إجراءات مماثلة من قبل المعارضة ومنها إيقاف أعمال العنف في الشوارع. أن يتمتع الفرقاء السياسيون بالحصافة والواقعية السياسية (البرجماتية) وكما تقول الحكمة «ما لا يؤخذ كله لا يترك جله».

ثانياً: وهناك أسس ينبغي أن يقوم عليها أي حوار فعال ومنتج ويمكن أن نجملها في: أن يركز الفرقاء السياسيون بدايةً على القواسم المشتركة، أي النقاط التي يلتقون عليها ويتركون المختلف عليه إلى المرحلة النهائية من الحوار. أهمية توافر الإرادة السياسية الصادقة لدى الفرقاء السياسيين وبالذات النظام السياسي صاحب الدعوة. أن يتمتع الوسيط بالحيادية والنزاهة والمصداقية، وأن يكون مقبولاً من القوى الوطنية التي تمثل الشعب البحريني، فليس من المنطقي والمقبول أن يكون النظام السياسي طرفاً ووسيطاً في آنٍ واحد! أن يتم الاتفاق على تحقيق العدالة الانتقالية وجبر الأضرار التي لحقت بالضحايا وأهاليهم ليُصار إلى تحقيق المصالحة الوطنية وذلك من خلال التطبيق الأمين لتوصيات اللجنة المستقلة لتقصي الحقائق (بسيوني) وتوصيات مؤتمر جنيف لحقوق الإنسان. الالتزام الأدبي والأخلاقي من قبل الفرقاء السياسيين وخصوصاً النظام السياسي بالتطبيق الأمين لنتائج الحوار المرتقب، وأخيراً وهو الأهم الالتزام بجدول زمني محدد يتفق عليه الفرقاء السياسيون لتنفيذ نتائج الحوار المرتقب.

ربما يكون هذا الحوار هو حوار الفرصة الأخيرة، لأن فشله سيعمق من الخلاف بين مكونات الشعب البحريني ويرسخ الشرخ الطائفي، وقد يقضي على ما تبقى من بقايا ثقة بين الفرقاء السياسيين. وليتذكر الجميع أن الشعب البحريني بمختلف مكوناته وليست القيادات والزعامات السياسية، قلبه مع الحوار المنتج والفعال والذي أولاً يعزز اللحمة الوطنية والسلم الأهلي والتعايش السلمي بين مكونات الشعب، ومن ثم يأتي بالحقوق الدستورية المشروعة... فمن يرفع الشراع؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/734025.html