صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3804 | الإثنين 04 فبراير 2013م الموافق 18 ربيع الاول 1445هـ

في المأزق الطائفي... وسيكولوجية القهر

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

يجب الاعتراف بأن سياسة التمييز الطائفي التي يستشعرها مكوّن أساس في البلد شكّلت قضية نزاعية في العلاقة مع المؤسسة الرسمية منذ أكثر من تسعة عقود، وهذه السياسة رهنت هذه الجماعة المتضررة إلى خيارات حمائية كرد فعل تلجأ إليه الجماعات المقهورة عادةً في استجابةٍ تلقائيةٍ للإحساس العميق بالخطر المحدق بها. ولذلك كان ابتكار بدائل المجابهة ضد سياسات الدولة وخصوصاً المتصلة منها بالبعد الديني خياراً إستراتيجياً نشطاً داخل الجماعة. وهذا ما يفسر رفض علماء الشيعة لقانون الأحوال الشخصية والتدخل لإصلاح القضاء الشرعي أو تنظيم شئون الحقل الديني بما يتضمنه من مكافآت مالية لأئمة المساجد وخطباء الجمعة (بالمناسبة الكتلة الدينية في برلمان 73 رفضت منح المرأة مباشرة حقوقها السياسية في الترشح والتصويت).

الطائفية السياسية فرضت نمطاً من العلاقة والتفكير والسلوك العام في الوسط الشيعي تجاه الدولة بصورة عامة، ولذلك كان التمييز الطائفي المكرّس مصدراً في التعبئة الداخلية سياسياً ومذهبياً، وقد صبغ خطاب المعارضة طيلة عمر الدولة الحديثة، فالعرائض الشيعية المرفوعة خلال النصف الأول من القرن الماضي تتجه إلى مظالم ذات بعد طائفي مضموناً وتمثيلاً، ولم يتشكل في الحقيقة خطاب وطني موحّد إلا في الخمسينيات (هيئة الاتحاد الوطني

1946 - 1954) بعد الخذلان البريطاني للمطالب التي كانت محور التحرك الشيعي منذ العشرينيات، وبعد أن أخذ الوعي القومي يتبلور وتتضح معالم الدور البريطاني الخبيث في الجزيرة في مجابهة الإصلاح السياسي والاستجابة لمطالب القوى الوطنية.

وقبل الخمسينيات، وخلال السنوات الصعبة في النصف الأول من القرن الماضي، كان الواقع السياسي والاجتماعي يعيش انفصالاً مروعاً بين المكونات المذهبية في البحرين، فخطاب النخب السنية المنطلق من المحرق كان يشعر بتفوقه على نظيره الشيعي الذي كان أهله يعيشون أوضاعاً اجتماعيةً وإنسانيةً في غاية الصعوبة (نحيل القارئ هنا إلى الدراسة التي كتبها محمد غانم الرميحي «البحرين ومشكلات التغيير السياسي والاجتماعي» فهي غنيةٌ بالمعلومات التاريخية المستقاة من الوثائق البريطانية). ولذلك يخطئ من يظن أن الإشكال السياسي المفتوح يمكن معالجته بـ «التبعيض» و «تجزئة»القضايا والملفات، فمشاكل البلد وملفاتها المزمنة تحتاج لتصحيح الأرضية الوطنية أولاً وتعبيد الطريق اجتماعياً وحقوقياً للاصلاح السياسي، وخلق مناخات صحية للثقة بين القوى الوطنية والدولة وبين القوى الاجتماعية بعضها ببعض، وردم الهوة التاريخية التي فاقمها الإمداد الرسمي بين المكونين المذهبيين في البلاد بمباركة جهاز الحماية البريطانية، وهو سلوكٌ ظلّ مستقراً في السلوك الرسمي حتى بعد الاستقلال وزوال نظام الحماية.

يقول الاكاديمي فؤاد إبراهيم مشيراً إلى المأزق الطائفي حين يسمّم الفضاء الوطني «النزعة الطائفية أملت على قطاع من الشيعة الانحباس في نظرةٍ تشاؤميةٍ إزاء المحيط الاجتماعي العام... فلم تعد الخريطة الدينية والاجتماعية والسياسية المتنوعة تعني لهم كثيراً، فقد استغرقت نظرتهم إزاء وضعهم الديني والسياسي مجمل الخريطة، ولكن بتوحّد اللون بداخلها، فلا فروقات بادية في نظرتهم بين المتطرف والمعتدل، والمتشدد والمتنور، والمخالف والحليف، فهذا التصنيف يغيب في النظرة الشيعية بفعل الافتتان الحادّ بالمعضلة الطائفية».

إلى ذلك، يعيش المجتمع الذي يتراجع فيه الأمن الشخصي والاجتماعي، لصالح ممارسات تستهدف حماية «أمن النظام» حالة من الانفصال النفسي والمقت المكبوت والكراهية المتبادلة والثقة المفقودة، وليس في وسع هذا المجتمع الذي يشعر بالتهديد المزمن في وجوده ورزقه ومستقبله، إلا أن يتمترس خلف عباءة «الطائفة» باعتبارها «أصدق» ما «يجمع» الناس بعد أن عجزت الدولة أن تبني «أمثولة وطنية» تجمع في إهابها شعباً قوامه أقل من ثلاثة أرباع المليون!

الاستهانة بمطالب القوى الوطنية المخلصة التي كانت عبر تاريخها الطويل تعبّر عن تطلعات الجماهير، قابلها دوماً تلكؤ رسمي صبغ حقبةً طويلةً من تاريخنا السياسي والاجتماعي. فعندما تحرّك عددٌ من أعيان البحارنة ووجهائهم عام 1934 وصاغوا مطالبهم، في رسالةٍ سلّموها للشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (ت 1942) الذي وقفوا إلى جانبه في معركة ولاية العهد قبيل إدخال الإصلاحات الإدارية عام 1923؛ كانت مطالبهم متمثلةً بثلاث نقاط: إصلاح محاكم البحرين وتقنين الأحكام التي يرجع إليها القضاة، العمل بفكرة التمثيل النسبي وذلك بزيادة عدد ممثلي البحارنة في مجلسي التجارة (المجلس العرفي الذي تناط به قضايا الغوص) والبلدي، وأخيراً توفير المدارس التعليمية للبحارنة الذين حُرموا منها حتى ذلك الوقت.

وقد وقّع هذه الرسالة ثمانية من أعيان قرى البحرين: منصور العريض وعبدعلي العليوات ومحسن التاجر وعبدالرسول بن رجب وعبدالعزيز بن حجير البوري، الحاج أحمد الناصر (باربار)، وحسين بن محمد المدحوب (البلاد القديم) والحاج علي بن عباس (عالي).

وكانت هذه الرسالة بدايةً لسلسلة طويلة من المراسلات والاجتماعات بين الأشخاص الثمانية والحاكم والمستشار تشارلز بلغريف (ت 1969) وعموم البحارنة.

الطريف أنه سبق الاجتماع بالمعتمد السياسي اجتماع شعبي في 28 يناير/ كانون الثاني 1935 في مأتم مدن بالمنامة، حضره جمعٌ غفيرٌ من سكان القرى لمناقشة مسألة توظيف البحارنة في شركة النفط، لأن أكثرهم كان بدون عمل، وتم تسجيل أسماء العاطلين عن العمل على أمل رفع القضية للحكومة. وكان الحضور الهائل بمثابة صدمةٍ للمستشار الذي اعترف فيما بعد بأن المطالب التي قُدّمت كانت بإقرار الجماهير وليس من جعبة الأشخاص الثمانية.

وما بين تشكيك في النوايا، ومماطلة وتسويف، وتخوين وإلغاء، وإنكار واستهداف، تعاظمت حصتنا من «حزمة» المشاكل الاجتماعية والأمنية والسياسية من جيل لآخر، ذلك أننا ندور في حلقة مفرغة، ونتعامل بروحية الغالب والمغلوب، ونفسية الخصم، وروحية العدو، لا بوصفنا «شركاء وطن» يحكمنا عقد اجتماعي ودستوري يحدّد ما لنا وما علينا.

على أن شيعة البحرين، كما سنتها، استغلوا الفرصة التي أتاحها المشروع الإصلاحي في الاندماج في النسيج الوطني العام، وعملوا على الانتقال من كونهم فئةً مذهبيةً إلى قوة فاعلة في البناء الوطني العام، فهم جزء منه ويتحملون قسطاً من مسئولية الالتحام به، غير أن الدولة تتحمل جزءًا كبيراً من الفشل الذي أصاب سياستها في إدماج القوى الاجتماعية والسياسية، وتوفير الأرضية لتراكم تجربة الإصلاح السياسي بعيداً عن طأفنة المغانم والمناصب والنفوذ والولاءات.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/735698.html