صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3811 | الإثنين 11 فبراير 2013م الموافق 13 ربيع الاول 1445هـ

حتى لا يكون الحوار «كلاماً ساكتاً»

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

يبدو أن إلحاح وطأة المستجدات في المشهد السياسي المحلي وتلاحقها منذ فبراير/ شباط 2011 يدفع «البعض» وعلى عجل لاتخاذ مواقف وحركة لم تحدد لنفسها اتجاهاً واضحاً، بل الأغلب انها اندفعت قبل ان تعرف لنفسها موقعاً تتحرك منه، والنتيجة أن الكلام لم يزد في معظم الأحيان عن أن يكون كلاماً ساكتاً كما يقول التعبير السوداني الشائع، بمعنى أنه كلام لا يقول شيئاً لأنه لا يدفع إلى فكر أو فعل بقدر ما يمارس دوراً «تضليلياً» ويثير «غبرة» تحجب الرؤية الحقيقية للأشياء.

ثم ان كثرة الكلام بعصبية الحركة لذاتها جعلت «الكلام» يتحول في أوطاننا إلى صناعة معلبات فيها وصفة مستخلصة من أعشاب الفلسفة والفكر والسياسة والإعلام والإعلان معجون كله ببعضه، أو ربما ليس فيه من كل هذا أي شيء.

ثم أصبحت هذه المعلبات صناعة شبه ثقيلة حتى أن العالم العربي يشهد كل يوم ما بين 250 إلى 300 اجتماع، فيها «المؤتمر» وفيها «الندوة» وفيها «حلقة النقاش» وفيها «دائرة الحوار» وفيها «ورشة العمل» وفيها جلسة «استشارة العقول»، والتقدير المعتمد لدى العديد من مراكز البحث في القاهرة وبيروت وواشنطن أن كلفة كل مناسبة من هذه المناسبات نحو ثلاثة آلاف دولار. وبعض المناسبات أكثر وبعضها أقل، لكن المتوسط يصل بإجمالي الحساب إلى مليون دولار يومياً يدفعها العالم العربي لكي يتكلم مع نفسه!

وذلك غير كلامه أيضاً مع نفسه في وسائل إعلامه المتعددة من صحافة وإذاعة وتلفزيون، ولو أجرينا حساباً له هو الآخر لوجدنا الكلفة فادحة. ويعلق محمد حسنين هيكل على ذلك بقوله «انه انتهاك لعقل الانسان لا يقل مأساوية عن انتهاك حقوقه».

في كتابه «خريف العصور الوسطى» بيّن الفيلسوف والمؤرخ الهولندي جوهان هويزينغا أن أوروبا في نهاية عصرها الوسيط كانت تتغذى على رصيد من الأفكار المرهَقة التي لم تعد تلهم العقل الأوروبي، بل أصبحت عبئاً ثقيلاً عليه. وحينما تصبح الأفكار الموجِّهة لحياة الناس مرهقَة، فإنها تتحول إلى أطلال دارسة، تغلق مسالك المستقبل، وتُعشِي الأنظار في تطلعها نحو الأفق البعيد. ولم تتخلص أوروبا من هذه الأطلال المعيقة إلا بعد ثورة في الأفكار أعادت تعريف إنسانية الإنسان أخلاقياً وقانونياً، وقلبت العلاقة بين الحكام والمحكومين رأساً على عقب.

مناسبة هذا الكلام، أننا ونحن في خضم «حوار وطني» أو، وفقاً للاعلام الرسمي «استكمال» لحوار بدأناه! أن نتخلص من الأفكار المرهقة، ونبتكر مسالك جديدة لبناء مستقبل أفضل لهذا الشعب الذي أتعبته الأزمات، وأضنته السياسة، وأفقده الاستئثار والتسلط والجشع توازنه وآدميته.

أعتقد أننا من أكثر البلدان في العالم استهلاكاً لكلمة «حوار»، وأكثر البلدان حاجة إليه، وأكثرنا تفريطاً فيه وخبثاً في التحايل عليه. هناك مقولة تنسب للفيلسوف باسكال يشبه فيها السعادة بـ «الكرة»، يقول إن «السعادة مثل الكرة نجري إليها فإذا وصلنا ركلناها بأقدامنا إلى بعيد، ثم عدنا نلهث وراءها حتى نلحقها، ثم نركلها من جديد». وأعتقد بأن الفرص تأتينا، ثم نركلها، ثم نلهث وراءها، ثم نركلها من جديد.

لقد غنت فيرزو «يا قلبي لا تتعب قلبك...»، لكننا مضطرون نحن البحرينيين فيما يبدو على تعب القلب والهموم، نتعايش معها ومع الخيبات كما نتعايش مع الطقس اللاهب في صيف يوليو/ تموز الأبدي.

واعتقد أن أي «حوار» أو «تفاوض سياسي»، لن يفضي إلى نتائج مثمرة إلا بعد أن تتوفر له على الأقل ثلاث ضمانات، الضمانة الأولى «مصداقية التمثيل» لأطراف الحوار سواء في فريق قوى المعارضة أو في الجانب الرسمي، فالأسلوب «الاستعلائي» ينسف أي مسعى جدي ورغبة في استئناف أي حوار يراد له النجاح.

وإذا كان الفريق الرسمي حريصاً على انتداب شخصيات «ليست ذات وزن»، فلا يلام فريق قوى المعارضة إذا ما شكك في نوايا الطرف الرسمي وجديتها في الخروج من الأزمة الخانقة. جدية التمثيل تعطي مؤشراً مهماً في وزن ما يترتب لأي حوار من قرارات تتمخض عنه.

الضمانية الثانية تتمثل في «مصداقية القضايا» في الحوار، انطلاقاً من المبادئ السبعة التي طرحها سمو ولي العهد في مارس/ اذار 2011، وليس غيرها.

فالحوار هو من أجل صياغة بدائل ناجعة للخروج من الأزمة التي تعصف بالبلد منذ عامين وليست جلسة لتبادل الأحقاد والعتب، وعلى قول حبيبنا المتنبي (ت 354 هـ / 965م):

لا يحْمِلُ الحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ الرُّتَبُ ولا ينالُ العلى من طبعهُ الغضبُ

والضمانة الثالثة الخروج من طاولة الحوار لا بتوصيات إعلامية فاقدة لأي معنى واعتبار، بل بـ «صيغ وقرارات دستورية» تعبّد الطريق أمام حلحلة الأزمة السياسية وتهيئ الأرضية لإصلاحات عميقة في بنية النظام بما يضمن مشاركة حقيقية للشعب وترضي تطلعاته في صناعة القرار السياسي، وهو ما أشارت له قوى المعارضة ذاتها قبيل ساعات من إعلانها المشاركة في الحوار.

حتى الآن، يبدو إيقاع الحدث اليومي بطيئاً ورتيباً ولا يوحي بالتفاؤل، وهناك قناعة تسود الأوساط الأهلية بأن السلطة مازالت «تدير الأزمة» ولا تسعى لـ «حلها»، وفي كل ذلك يتحمل الوطن وأبناؤه وزر أخطاء سياسية ليست من صنع الغيب ولا من أعمال السحرة والجن، أخطاء فادحة تكلفنا جميعاً أثماناً باهظة.

أخيراً ثمة قول مأثور تعرفه النخبة السياسية في الغرب جيداً، وهو أن «السياسي الجيد هو القارئ الجيد للتاريخ»، كما أن من «لا يقرأ التاريخ يعيد إنتاج أخطائه»... وأرجو مخلصاً ألا نعيد الأخطاء بسبب الجهل بالتاريخ.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/738495.html