صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3818 | الإثنين 18 فبراير 2013م الموافق 18 ربيع الاول 1445هـ

لسنا بخير...

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

ذهبت قبل عدة أيام إلى أحد المجمعات التجارية الكبرى بصحبة عائلتي، من أجل أن أعثر على «لحظة فرح عائلي دافئ»، وأمنح أطفالي «إطلاق سراح مؤقت» من سجن دخل عامه الثالث قبل أيام. كان مشهد الناس مريباً، الناس من حولي يتراكضون وتلاحقهم سحابة ضبابية لا تستشعر خطرها الداهم إلا عندما تستفز خياشيمك، أو تغزو حدقة عينيك مسببة لديك ذلك الاحتراق والاحمرار الذي صرنا نتعايش معه كحالة طقس عادية، وهم يقولون نحن بخير!

تساءلت في سري وأنا أركض مع الراكضين استحث عائلتي بمضاعفة سرعة الركض وفي حضني تقلص جسد ولدي ذي العام الواحد وقد امتقع وجهه البريء، تساءلت حينها: كم سائح يستنشق الآن ما نستنشقه؟ كم أجنبي في البلد يرى ويعيش ما نعيش؟ ما قيمة هذا الهراء الذي يقال إذاً في الإعلام الأصفر وأي مصداقية له؟

لسنا بخير... نحن في البحرين لسنا بخير، ومن يقول غير ذلك إما أحمق يتغافل أو مستنفع يغلب عليه جشع أهل الغابة. شبابٌ في أعمار الورد يتساقطون بنيران «ليست صديقة» في معركة ليست متكافئة عسكرياً وأخلاقياً ووطنياً. شعب قسّمته السياسة ولم يوحّده الدين ولم يشفع له التاريخ. شعب يصحو في كل عقد على انتفاضة شاهراً مطالب الاصلاح والحرية والعدالة، والسيناريوهات المعادة حدّ الرتابة هي هي: تخوين، محاكمات، ثم أحكام بالسجن لـ «مثيري الفتن»، الشاقين لـ «وحدة الصف»، «الخونة المتآمرين» على الوطن، المتعاونين مع القاهرة الناصرية ثم موسكو الشيوعية وحالياً إيران الخمينية (تدخل ضمن هذه اللائحة بريطانيا وأميركا وروسيا تبعاً للظرف والحالة التي تسعف القادح على إيراد الدليل على صدق الدعوى!).

الشعوب الغاضبة هي شعوب حية، تشعر بأن كرامتها أهينت، فتثور غير هيّابة، لا تحتاج في غضبتها إلى طلب الإذن من العواصم العظمى، ولا من المدارس الايديولوجية الكبرى العابرة للحدود. فلم تكن صفعة البوعزيزي وما تلاها من إعصار دكّ عروش الطغاة بحاجة إلى تصريح موافقة من باريس. رمزية الأذى الكثيف والتاريخي وحده يكفي لانتفاضة شعب تمثلت فيه ظلامة شاب فقير صُفع في لحظة تاريخية، وكانت لحظة الغضب لحظة لا تقبل التأجيل.

لسنا بخير... الاحتراب الطائفي على أشده، والناس ليسوا هم الناس، لقد صيّرتهم الأثَرَةُ والجشع كائنات تتنفس الحقد وتعتاش على الكراهية. السني يبغض الشيعي لأن الشيعي يريد أن «يقتله» أو «يرحّله» من البلد حين يتحقق ما يصبو لتحقيقه، و «الشيعي» يشعر بأنه «خُذل» من السني، أخيه وصديقه وزميله في العمل وجاره في الحي. والإعلام الرسمي والخطب الدينية ساهمت في هذا الشحن المذهبي البغيض.

كنت في إحدى لقاءات مارس/ اذار 2011 مع الشيخ عبداللطيف المحمود وحين طالبته بموقف مسئول كرجل دين من واجبه الشرعي العمل على ردم الهوة بين أبناء الشعب الواحد، قال: «كيف وحسن مشيمع يريد أن يقتل ويطرد السنّة من البحرين... لقد قالها في قناة المنار!». استبشعت هذا الاتهام المجاني الرخيص وأنا الذي كنت أتابع بدقة ما يصدر عن الرجل وسواه من فرقاء العمل السياسي، وعقدت لساني الدهشة، وفي لحظات، انهارت أسطورة المحمود التي رسمتها في خاطري منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كان يحتفظ عند شيعة البحرين قاطبةً برمزية الرجل النزيه الذي قال كلمةً شجاعةً، واتخذ له موقعاً مهماً في الضمير الوطني. وتيقّنت من يومها أن نذر حرب أهلية وشيكة تلوح في الأفق إن لم يقيّض الله لها رجالاً يعملون على احتواء هذا الواقع من خلال ترشيد هذا الخطاب السياسي المتهافت والغر والمنفلت.

لسنا بخير... وأحياؤنا ومناطقنا يطوف بين أرجائها «غراب البين» وتمرح فيها «سهام المنية» مساء ونهارا كل يوم.

لسنا بخير... والحوار الوطني لايزال ساكتاً عاجزاً عن التأثير على مجرى الأحداث الميدانية وغير قادر على وقف نزيف الدم.

لسنا بخير... وأنا أرى عشرات الآلاف تُشيّع قتلاها بدموع حارة ومالحة، تصرخ بألم وتتوجع بأنين مختصرةً ظلامةً طالت واستطالت، فيما كبار المسئولين يؤكدون أن الحوار «قد يستغرق أشهرا» وكأنهم يتحدثون عن صفقة استيراد شحنة قطن أو بهارات افريقية أو قرنفل زنجباري!

يتساءل إمام عبدالفتاح في أحد كتابه: «حتى لو افترضنا أن له (الاستبداد) ايجابيات هائلة، فما قيمة هذه الايجابيات إذا كان ثمنها تدميراً لإنسان وتحطيم قيمه وتحويل الشعب إلى جماجم، وهياكل تسير في الشارع منزوعة النخاع، شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللاجدوى؟ أيكون ما فعله طغاتنا من إيجابيات أكثر مما فعله هتلر الذي اجتاح أكثر من نصف القارة الأوروبية، بل احتل بعض دولها في ساعات قلائل؟ ثم ترك ألمانيا تحتلها أربع دول! كلا! لا قيمة لإيجابيات (الاستبداد) بالغة ما بلغت لأن الثمن باهظ جداً: ضياع الانسان»!

يقول المؤرخ أبومحمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني (ت 334هـ/ 945م): «وجدت أتباع الملوك صنفين: طُمّاع ومغفلون». إن ما يعوزه أي مجتمع ليس الإحسان بل العدل، والشيء المؤكد دائماً أن «الأنظمة» تهرم والشعوب ولادة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/740291.html