صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3818 | الإثنين 18 فبراير 2013م الموافق 13 ذي الحجة 1445هـ

اتحاد المغرب العربي... الذكرى والحلم المشروع

الكاتب: سليم مصطفى بودبوس - slim.boudabous@alwasatnews.com

ها هي الذكرى الرابعة والعشرون لقيام اتحاد المغرب العربي تمرّ وكأن حلماً لم يكن، ذكرى 17 فبراير/ شباط 1989، يوم وقّع قادة الدول المغاربية: الجزائر، تونس، المغرب، ليبيا وموريتانيا - وثيقة تأسيسه في مدينة مراكش حيث كان، ولايزال، إجماع وإيمان بحتميّة هذا التجمّع الإقليميّ وبأهدافه القريبة والبعيدة.

لكن اليوم قد لا يتخذ البعض هذا التاريخ إلاّ للوقوف على أطلال هذا المشروع؛ حيث يرون هذا الهيكل طريحاً في غرفة الإنعاش، وتحوّل، أو كاد، إلى مجرّد ذكرى سنويّة تتسلّل إلى ذاكرة الشعوب المزدحمة بمحطات الإحباط لتبعث بصيصاً من الأمل أن هذا الاتحاد ربما لم يلفظ أنفاسه الأخيرة.

نعم، فالتعاون المغاربيّ منذ الاستقلال إلى اليوم لم يرق إلى ما كان مأمولاً، رغم الدعوات المحلية والشعبية والدولية الملحّة إلى ضرورة التنسيق والتقارب، فالاتفاقيات المبرمة لم يُعمل بها ولا أثر لها على مستوى الواقع، و «الخلافات البينية تشلّ هذه الاتفاقيات وتجعل من القمم التي تلتئم من حين إلى آخر مجرد لحظات لأخذ الصور التذكارية وتبادل الكلمات والمجاملات والأمنيات»، على حدّ تعبير أحد المحللين.

ورغم المخاطر المحدقة لايزال المغاربة يعزف كل واحد منهم على أوتار منوال تنميته الاقتصادية عزفاً منفرداً، ويسبح بمفرده بعيداً وخارج السرب أمام التحديات التي تفرضها العولمة اليوم، وأمام التنافس القائم بقوة بين مختلف التجمعات الإقليميّة الكبرى. ومازالت المبادلات بين الدول المغاربيّة ضعيفة وبسيطة لأسباب سياسية واقتصادية أو بسبب البنية التحتية الضعيفة، فشبكات النقل بمختلف أشكالها البريّة والجويّة وكذلك السكك الحديد تشكو ضعفاً كبيراً. وللتأكيد على ذلك أورد صندوق النقد الدولي في تقرير من تقاريره السنوية كلاماً عن المبادلات الاقتصادية، جاء فيه أنه من مجموع 1,137 مليار دولار مبادلات تجارية 2 في المئة فقط من هذا المبلغ قد تمّ تبادله بين دول المغرب العربي مقابل 66 في المئة بين دول الاتحاد الأوروبي مثلاً.

ولئن أرجع المحللون هذا العقم المغاربي إلى الإرادة السياسيّة الهشّة أو غيابها لدى الزعامات المغاربية السابقة، فإن اليوم وقد غادر الزعماء المؤسسون هذا الاتحاد، إمّا بالانسحاب من الحياة الدنيا أو من الحياة السياسية، فإنّ دماء جديدة يفترض أن رياح الربيع العربي قد ضخّتها في هذا الحلم المشروع.

وفعلاً وبعد سنوات من الضياع والجمود انتعش أمل إحياء الاتحاد المغاربي بناء على الروابط الثقافية والجغرافية بين شعوب المنطقة، بل والروابط الأسرية والعاطفية، كما يتعلق الأمر بمصالح اقتصادية ملموسة لفائدة البلدان الخمسة، ذلك أن «مسيرة الاتحاد المغاربي تتعثر في الوقت الذي تؤدي عولمة الاقتصاد إلى إضعاف قدرة الدول منفردةً على التفاوض من أجل حماية مصالحها الآنية والاستراتيجية، أمام التوجّه العام (تكتلات إقليمية كبرى)، مع تخلف الجانب المغاربي في إنجاز هذه المهمة».

فهل تكون الذكرى الرابعة والعشرون لقيام الاتحاد المغاربي حافزاً للمسئولين عن تعثر المشروع المغاربي، حتى يراجعوا حساباتهم ويقدّموا المصلحة الاستراتيجية للشعوب المغاربية على كل حسابات ضيقة؟ نعم، هذا ممكن وذلك على ضوء الحركية الجديدة والنوايا المعلنة للحكومات، فهناك ما يسمح بالتفاؤل بأن يصبح للمغرب الكبير ربيع مغاربي، لفائدة جميع شعوبه، فقد قام الرئيس التونسي المنصف المرزوقي في مثل هذه الأيام من السنة الماضية، بزيارات مكوكية إلى ثلاثة أقطار مغاربية وهي المغرب والجزائر وموريتانيا، محاولاً إحياء التكتل المغاربي من أجل تفعيل دوره الوحدوي والتشاركي، مقتنصاً الفرصة التاريخيّة التي منحها الربيع العربي «في سبيل بث الروح في الجسد الخماسي بعد أن عطلت تشييده زعامات سياسية فارغة وحال دون بنائه التهافت على القيادة والريادة» على حدّ تعبير بعضهم.

وفي مثل هذه الأسابيع أيضاً من العام الماضي، أعلنت الجمهورية التونسية عن عزمها استضافة قمة مغاربية في مدينة طبرقة تجسر هوة سياسية عميقة وتصلح ما أفسده الغابرون، بل تمّ إطلاق شعار سنة الوحدة المغاربية على عام 2012 وبدأت القيادة السياسية في تونس تتحدث عن مشاريع مشتركة، من ذلك إقامة سكة حديد تربط المغرب بالجزائر وتونس وليبيا؛ والتفكير في عملة مغاربية واحدة توحّد الاقتصاد الخماسي وتيسّر التعامل الثنائي والمشترك بين العواصم المغاربية... لكنّ طموحات القادة الجدد بالوحدة، واجهتها ملفات سياسية عسيرة ترفض الانزياح عن مسار الوحدة المغاربية. وهي ملفات تعود إلى سنوات خلت ولكنها تفرض نفسها على المشهد السياسي الراهن فتحول دون تجسيد الطموحات.

وانقضى العام 2012 ولم تعقد هذه القمة لا في تونس ولا في غيرها، فهل قدر هذا الحلم أن يظلّ حلماً يراوح مكانه (المخيلة) وزمانه (هدأة النوم)؟ وهل قدر شعوب المنطقة أن تدفع فاتورة غياب هذا الاتحاد وضياعه؟ وهل ينجح التقارب القسري على وقع حروب الآخرين القادمين من الضفة الشمالية للمتوسط، وعلى وقع التهديدات المشتركة التي قد تعصف بمصالح دول المغرب العربي واستقرارها، وعلى وقع الأزمة العاصفة في مالي وإمكانية تحوّلها إلى دولة غير مستقرّة على غرار الصومال وأفغانستان، ما يقوّض الاستقرار في المنطقة المغاربية... هل ينجح كل هذا في إعادة الروح لهذا الكيان المغاربي؟ أم أنّ العقليّة الزعاماتية لدى بعض القادة والدبلوماسية الرتيبة في الأجهزة الحكومية لاتزال إلى اليوم تفعل فعلها؟


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/740292.html