صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3825 | الإثنين 25 فبراير 2013م الموافق 15 ربيع الاول 1445هـ

حقبة بلغريف... وتوابعها

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

يُروى أن تشارلز بلغريف مستشار حكومة البحرين (1926-1957) قطع عن الدكتور حسين البحارنة المعونة المالية بعد سنةٍ من الدراسة في بريطانيا التي سافر إليها بمساندة المعهد البريطاني، ونصحه بلغريف بالعودة إلى البحرين وصرف النظر عن إكمال دراسته لنيل الدكتوراه قائلاً: «إن البحرين سوف لن تحتاج إلى خريج دكتوراه في القانون خلال المئة سنة المقبلة»!

لم تكن هذه القصة التي رواها الأستاذ تقي محمد البحارنة نشازاً في سيرة المستشار الذي دأب على استرجاع البعثات الطلابية التعليمية بعد سنة أو سنتين من الدراسة في الخارج كما حصل في بعثة الجامعة الأميركية مطلع الثلاثينات، ثم بعثات الدراسة إلى مصر في منتصف الأربعينات، إذ كانت نظرة المستشار الضيقة تحصر التعليم المناسب للبحرينيين في المرحلتين الابتدائية والثانوية فقط، وتنظر بعين الريبة والشك إلى التعليم الجامعي الذي يهيئ الطلاب لممارسة السياسة وإثارة المتاعب للحكومة حسب اعتقاده.

بعد وصول بلغريف (ت 1970) للبحرين بستة أشهر أصبح قائداً عاماً للشرطة ورئيساً للعدل ومراقباً عاماً للإدارة المالية والصحة والأشغال، وباختصار أصبح هو الحاكم الفعلي للبحرين خلال الفترة من 1926 حتى عام 1957. والغريب أنه لم يستعن بخبراء أو فنيين لمساعدته في صلاحياته المتعددة، وإنما اقتصر على طبقة دنيا من الموظفين الهنود الذين استقدمهم من بقايا الإدارة البريطانية في الهند بعد استقلالها العام 1947. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، فقد أصابته اللوثة العربية فيما يبدو، فأخذ يعمل على «التوريث» وحاول أن يعدّ ابنه جيمس لكي يخلفه في منصبه، إذ أفسح له مجالاً كبيراً للمشاركة معه في شئون الحكم.

من هنا، وجّهت الحركة الوطنية في خمسينات القرن الماضي هجومها العنيف على المستشار الذي غالى في صلاحياته إلى الحد الذي مارس فيها السلطتين التنفيذية والقضائية في آن واحد... فالحركات الوطنية لا تأتي بالصدفة ولا عبثاً.

وكان بوصفه مستشاراً مالياً يوزع دخل البحرين من النفط على أساس ثلث للحاكم، وثلث يودع في البنوك البريطانية، والثلث الآخر للأسرة الحاكمة وللإنفاق نظرياً على المرافق العامة. من هنا، شنت الحركة الوطنية حملة شعواء على الفساد الإداري والمالي الناجم عن عدم انتهاج سياسة تستهدف الصالح العام. فدائرة المعارف (وزارة التربية حالياً) على سبيل المثال لم تنتهج سياسة خاصة للتوسع في عدد المدارس أو إيفاد البعثات الحكومية، إنما على العكس، كان بلغريف يتعمد التقتير عليها، حتى أنه خلال ثلاثين سنة من حكم بلغريف (1926-1957) لم يتخرج من أبناء البحرين سوى ثلاثة خريجين فقط عن طريق البعثات الحكومية! واقتصرت السياسة التعليمية على مكافحة الأمية في المدارس الريفية ولم يكن في البلاد سوى أربع مدارس ابتدائية للبنين وعدد من المدارس الريفية ومدرسة ثانوية واحدة، رغم التقدم الملحوظ في موارد الدخل نتيجة استخراج النفط منذ العام 1934.

وعندما رفعت الحركة الوطنية في الخمسينات مطالبها بإنشاء مجلس وطني يمثل أهالي البلاد تمثيلاً حراً إلى جانب وضع قانون عام للبحرين وتنظيم المحاكم والشرطة وتشكيل إدارات وطنية للصحة والمعارف والبلديات، وُوجِهت هذه المطالب بحملة تشكيك وتخوين. ومن المناسب هنا إيراد ما ذكره بالنص أستاذ التاريخ بجامعة عين شمس جمال زكريا قاسم في كتابه القيم «تاريخ الخليج العربي»، في المجلد الرابع: «لم تلتفت الحكومة لهذه المطالب المتواضعة وإنما عمدت إلى فتح المجال أمام جماعات من البدو في بعض المناطق القريبة من البحرين للاحتشاد في مناطق معينة من المنامة إرهاباً للوطنيين، كما بادر بلغريف بتأليب شركة بابكو بهدف اتباع سياسة انتقامية ضد العمال الذين آزروا الحركة الوطنية، وذلك بطردهم من العمل بحجة انقطاعهم عن العمل كوسيلةٍ للتخلص من الذين اشتركوا في الإضراب العام». وما أشبه اليوم بالبارحة.

وكان من الدعايات التي وجهتها السلطات البريطانية ضد مطالب الحركة الوطنية أنها حركة «طائفية»! والمفارقة أن من شارك أشواق هذه الحركة الوطنية وساهم فيها باليد واللسان هو اليوم يمارس الدور الدعائي المضاد نفسه للإصلاح والذي اكتوى منه هو ورفاق النضال والتحرير في الخمسينات، وما عشتَ أراك الدهر عجباً.

وقد تناقلت بعض الصحف الأجنبية في الخمسينات هذه الدعاية التي قصد بها الإساءة إلى طبيعة الحركة، ولذلك وجد زعماء الحركة الوطنية أن أكبر دليل يمكن أن يفضح زيف وفساد هذه الدعاية هو إظهار الوحدة الوطنية بشكل عملي يدحض هذه الاتهامات، وهو ما مهد لولادة هيئة الاتحاد الوطني في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 1954 كأول حزب سياسي على مستوى الخليج العربي.

في المحصلة، إن حقبة بلغريف هي حقبة؛ رغم إيجابياتها على صعيد تأسيس أجهزة الدولة الحديثة والتنظيمات الإدارية، إلا أنها حقبة سوداء بالمنظور السياسي، فقد كانت البلد تفتقد السيادة على نفسها، وكانت هناك ازدواجية في الحكم، وكان هناك فساد إداري ومالي، واستبداد سياسي وغياب أي شكل من أشكال المحاسبة للمتورطين في الفساد والتعدي على الأموال العامة. لقد كانت هناك فكرة مشاركة الناس في صناعة القرار، وهي أوضاع لم تتغير الكثير من ملامحها بعد رحيل بلغريف عن البلاد بـ 57 عاماً!

إن جزءاً من الأزمة السياسية الخانقة التي نعيشها تتمثل بشكل كبير في الإرث الذي خلّفه بلغريف وساهم في ترسيخه كنمط متخلف من أسلوب إدارة الحكم، فقد كان مديراً ناجحاً بإمكانات سياسية هشة، وكان مدققاً مالياً أكثر منه رجل دولة، وإذا كان مقبولاً أن يتصرف رجل بريطاني من عهد الحماية بعقلية تسلطية استعمارية، فإن من المستغرب ألا يتغيّر الحال علينا كثيراً بعد 42 عاماً من الاستقلال.

لم يكن بلغريف ملاكاً وديعاً يرفل تاريخه المهني بالإنجازات العظيمة، فقد كانت له أخطاء سياسية فادحة مازالت فواعلها تعتمل في بلد صغير يجترّ أخطاء الماضي دون أن يتجاوزها.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/742177.html