صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3839 | الإثنين 11 مارس 2013م الموافق 09 ربيع الاول 1445هـ

«يتسيس المذهب» حين «تتمذهب السياسة»

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

المظنون أن انعطافة فبراير 2011 ستفتح شهية الباحثين بمختلف اهتماماتهم على دراسة التجربة بكل متضمناتها السياسية والاجتماعية والفكرية، ليس بوصفها لحظةً لولادة حركةٍ احتجاجيةٍ أتت ضمن متواليات زمنية اختلفت في حدتها وتوقيتها وتمظهراتها ضمن حراك إقليمي غيّر إلى الأبد ملامح الخريطة السياسية في العالم العربي، بل في ما طرحته من صيغ فكرية واجتماعية لمعالجة أزمة سياسية داخلية تم استحضار «التاريخ» فيها مطوّلاً، واشتغلت على هامشها نظم «التأويل» ضمن سعي دؤوب وشرس وانفعالي لتطويق «ضخامة» التحرك ومواجهة «عبقرية» أدائه الذي يصعب في الواقع «إدانته».

وتأتي المعضلة الطائفية كواحدة من عناوين المرحلة، فـ «مذهبة السياسة» في غياب دولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها والذود عن مصالحهم بصرف النظر عن انتماءاتهم المذهبية، يؤدي بالضرورة إلى انفجار الهويات الفرعية واستحضارها؛ وما حدث أن عملية حصلت في الرد على «مذهبة السياسة»، فقد سيّس الانتماء المذهبي في الحالة الشيعية ليكون في مواجهةٍ مع الدولة التي تقوم بمذهبة السياسة، وهو ما أدّى إلى حالةٍ من الغليان الطائفي مرت بمراحل مدّ وجزر، لكنها كرّست ديمومة الأزمة وقدرتها على إعادة إنتاج نفسها في فترات مختلفة، جعلت من الشيعة رهينةً للتسييس، وهي حالةٌ نجد لها أشباهاً ونظائر في المشرق العربي في غير واحدة من التكوينات الإثنية.

يرى المفكر عبدالله العروي أن للدولة «عقيدة وجدانية» يسمها «أدلوجة دولوية»، وهذه العقيدة الوجدانية تعبّر عن هوية يشعر المواطنون جميعاً بالانتماء إليها والولاء لها، ويؤكد العروي أنه «لكي تتكون أدلوجة دولوية لابد من وجود قدر معين من الإجماع العاطفي والوجداني والفكري بين المواطنين، وهذا الإجماع وليد التاريخ، وفي الوقت نفسه تعبير عن مصلحة حالية».

وحديث العروي يشير إلى مكونين رئيسيين للهوية الجامعة التي تتبناها الدولة ويشعر المواطنون بالولاء لها هما: التاريخ المشترك والهوية المشتركة، فالعقيدة الوجدانية للدولة تقوم بتقديم ما هو مشترك بين المكونات الاجتماعية لصناعة الذاكرة الجماعية، ولتمكين مؤسسات الدولة من استيعاب المواطنين الذين يعملون من خلالها على تحقق مصالحهم المشتركة، وهذا ما ينتج منه تكون رابطة وطنية بين أبناء المكوّنات الاجتماعية المختلفة تساهم في خلق حالة جديدة تسمى «الأمة الوطنية».

ومنذ العام 1883 قدّمت الدولة هويةً لها، هوية صنعت الإشكال المتعلق بغياب الحس الوطني والفشل في إيجاد رابطة وطنية بين الناس، وهو ما يمكن استشعاره من زاوية النظر للمكوّنين الرئيسيين للعقيدة الوجدانية الذين يفترض توفرهما لإيجاد حالة ولاء من المواطنين لها: التاريخ المشترك والمصلحة المشتركة.

لا يمكن للرواية التاريخية الرسمية أن تغذّي ذاكرة جماعية تقوم بخلق هوية مشتركة لعموم المواطنين، فهناك دائماً تاريخ «لهم» وتاريخ «لنا»، ولا يمكن لمن يقرأ في مادة التاريخ بالتعليم العام عن مفهوم «افتتاح البحرين» بكل حساسياته الدينية والمذهبية، والذي يفترض به أن يكون مساهماً رئيسياً في تشكيل الذاكرة الجماعية، فإنه لا يمكن توقع تجاوب أو تفاعل ممن يشعرون أن الرواية التاريخية تقصّيهم وتطردهم، فالراوية التاريخية المبينة على تقسيم المجتمع إلى منتصر ومنكسر، لا يمكن أن تنتج تاريخاً مشتركاً أو وعياً جماعياً لأمة وطنية.

المكون الرئيس الآخر للعقيدة الوجدانية للدولة هي المصلحة المشتركة، وتترجم عبر استيعاب الناس ضمن مؤسسات الدولة لتحقيق مصالح مشتركة بين عموم المواطنين، وهو ما لم يحدث. وهنا تبرز الأزمة الثانية للهوية بجانب الرواية التاريخية المنفرة، وهي غياب آليات الدولة الحديثة فيما يتصل بالمنظومة الحقوقية والدستورية سواءً فيما يرتبط بالشقّ المدني المتعلق بالحريات الفردية، أو الشق السياسي المتعلق بحق المشاركة في صناعة القرار وحق المساءلة.

ومفهوم الدولة في الأساس يعبّر عن أمةٍ وطنيةٍ قائمةٍ على أساس تعاقدي تجمعها رابطة وطنية عابرة للانتماءات الطائفية، لا تلغي الهويات الفرعية لكنها تخلق حالةً جامعةً يشعر جميع المنتمين إلى جماعاتهم الأصلية بالانتماء إليها. وبغياب الهوية الوطنية أو في ظل وجود دولة تقوم بالتمييز ضدهم، تنبثق الهويات الفرعية بشكل تلقائي، ما يجعل الكيانات الطائفية بديلاً ووكيلاً عن أبنائها في المطالبة بحصة ما في صراع النفوذ، وهو ما ينتج في نهاية الأمر تفتيتاً للوحدة الوطنية.

ولعل من أبرز تجليات أزمة الدولة الحديثة تكمن في ريعيتها وأبويتها، والتي تؤسّس لمفاهيم الولاء والشكر، في مقابل المكرمة لا على أساس الحقوق والواجبات ضمن صيغة دستورية ملزمة. فالدولة تقوم بدور الأب المحسن على أبنائه، واستناداً إلى هذا فهي في موقع المتكرّم لا في موقع المسئول الذي يُحاسَب.

يقتبس علي الديري في كتابه «خارج الطائفة» مقولة للانثربولوجي فؤاد الخوري يقول فيها «الدين يحكم ولا يُحاكم، والدولة تحكم وتُحاكم»، ويعقب: «متى صارت الدولة تحكم ولا تحاكم، صارت ديناً، وفقدت فكرة الدولة ومنطقها، وكذلك الجماعة السياسية، تحكم وتحاكم، ومتى صارت تحكم ولا تحاكم، صارت طائفة دينية، وفقدت فكرة الجماعة السياسية، ومنطقها القائم على المحاسبة والفوز والهزيمة».

يبقى أن نشير إلى أن الطائفية لا يمكن أن تمارسها تكوينات سياسية لا تملك إلا وطنيتها وعقيدتها السياسية، الطائفية بالضرورة تهمة تصدق وتتحقق على من يملك الوطن بكل مقدراته، ومن يملك الوطن يملك معه القانون والثروة وامتيازاتها والنفوذ وهيبته والجيش المدجج والسفارات والسيادة المطلقة.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/745836.html