صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3860 | الإثنين 01 أبريل 2013م الموافق 10 ربيع الاول 1445هـ

أشياع السنة وأسنان الشيعة

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

ينبه كتاب «نواصب وروافض: منازعات السنّة والشيعة في العالم الإسلامي» إلى مأزق ديني راح يعبّر عن نفسه بأكثر من عنوان سياسي واجتماعي، فالخلاف أو المنازعة بين أبناء المذهبين الاسلاميين يحتوي - على ما أشارت المقدمة - على طاقة تقويض لأكثر من بلد (العراق، البحرين، لبنان...)، والعنوان بحد ذاته يتضمن دلالة ذات مغزى، فالنزاع المندلع في نسيج مجتمعاتنا يحمل سمة أبسطها حروب التسمية والعنف اللفظي المندلع وهو أهونها في أكثر من جبهة وبلد، أشدها مضاضةً حروب دامية سيوفها من قنابل مفخخة وحصادها أبرياء من لحم ودم أطفال ونساء وشيوخ قادهم حظهم العاثر إلى منية لم يختاروها.

يحاول الكتاب الاشتباك مع أكثر قضايا الاجتماع الإسلامي سخونة وقابلية للتفجّر، وهو عمل أعدّه وقدّم له واختتمه الكاتب اللبناني حازم صاغية، هو مجموعة من الدراسات بعضها أقرب إلى مقالات موسعة، حاولت أن تغطي الصراع السنّي الشيعي في أكثر مناطقه وتجلياته سخونة: «لبنان، سورية، العراق، السعودية، البحرين، باكستان».

ورغم حساسية الجرح وعمقه في نسيج المجتمع الاسلامي، فإن الكتاب يحاول أن يقدّم إدانة صريحة لمنطق التكتم والإغفال اللذين خضع لهما طويلاً خطاب الفريقين في تباين «المذهبين الاسلاميين». والحال أن ثقافتنا التي تتحايل على مشكلاتنا بالإنكار والتجاهل تتحمل مسئولية كبرى عما آلت إليه الأمور، ذلك أننا بدل أن نواجه المشكلة على حقيقتها آثرنا اللجوء إلى «كلنا إخوان» الشهيرة.

في مساهمته «أشياع السنّة وأسنان الشيعة»، يحاول أحمد بيضون رسم مسار للتحولات التي طرأت على الجماعتين السنّية والشيعية في لبنان، اللتين كانتا تمثّلان، مع الدروز، الجماعة المسلمة في مقابل استعلاء الجماعة المسيحية، أو الموارنة على وجه الدقة، قبل أن تتحوّلا إلى طرفي الصراع المذهبي المحتدم والمستمرة ذيوله استمرار الوجع اللبناني.

ويكتب ياسين الحاج صالح عن «الطائفية والسياسة في سورية»، فيتناول المسألة الطائفية من خلال مسار التكوّن الاجتماعي والأيديولوجي للدولة السورية المعاصرة، راصداً حالة التطييف. ويختبر المسألة من خلال العلاقة بين الطائفة العلوية (أكبر الأقليات 10 - 12 في المئة) والغالبية السنّية التي مازالت الأبعد عن التطييف. فالسنّة لديهم شعور الأمة وإحساسها، وليس لديهم الوعي الطائفي المشترك (ربما تغيرت الحسابات اليوم على أرض الشام بعد السخاء اليعربي الداعم للمعارضة المسلحة والمتاجرة بأرواح السوريين).

كذلك فإن السنّة من التنوّع والتعدّد بحيث لا يستطيع أحد أن يدّعي تمثيلهم، حتى لو حاول مثلما فعل الإخوان المسلمون.

يرصد الحاج صالح كيف تختلط الطائفية ومعاركها بالصراع الطبقي، وكيف يواري الصراع الطائفي آخر طبقياً، سواء حين كانت العلوية طائفة أو طبقة محرومة ودنيا، أو حين صعدت إلى قمة السلطة. ويتوقف أيضاً عند مفارقة أن السيطرة العلوية السياسية لم تؤثر على استمرارية الهيمنة السنّية ثقافياً وتعليمياً، وينتهي الحاج صالح إلى أن النظام متمركز حول السلطة لا حول مشاعر التضامن الطائفي التي لا تعدو كونها وسيلة مأمونة لصون السلطة، لكنه يؤكد رغم ذلك أن للطائفية موقعاً ممتازاً بين آليات إعادة إنتاج السلطة. ويبحث عالم الاجتماع العراقي فالح عبدالجبار في بحثه «الصعود الشيعي والتصادم الطائفي في السياسة والاجتماع العراقيين» قضية التصادم الطائفي في حقبة ما بعد صدام حسن ونظام البعث، ووضع الدين عموماً والطائفة خصوصاً في السياسة والاجتماع العراقيين، فيتوقف عند المدّ الديني الذي اجتاح العراق، حتى أثناء حكم صدام، وتأثير ذلك على الطبقة الدينية الشيعية في العراق، ويعرض المدارس الشيعية الثلاث في السياسة، مفرّقاً بين مدرسة الخميني الإيرانية السلطوية (ولاية الفقيه)، والمدرسة الديمقراطية في لبنان حيث الشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله، والمدرسة العراقية التي تجمع بين الديمقراطية ودور أخلاقي لرجال الدين، ويرصد مسارات التصادمات الطائفية في الخمس سنوات الأخيرة من عمر العراق.

أما الأكاديمي السعودي فؤاد إبراهيم، فحاول رسم صورة لبلد أقليات بامتياز رغم سيطرة مذهب واحد هو السلفية الوهابية، وهو ما يتيح للكاتب أن يضع قضية الشيعة في إطار أوسع. ففي المنطقة الشرقية اثنا عشرية ومالكية سنّية، وفي الجنوب إسماعيلية، وفي الغرب صوفية ومالكية وشافعية، فيما الوسط هو معقل الوهابية، وإن أكد أن الصراع الشيعي/ الوهابي يبقي أبرز عناوين الصراع المذهبي في المملكة، والصراع داخل الإسلام عموماً.

الباحث البحريني وأستاذ علم الاجتماع باقر النجار تناول في بحثه «البحرين في ظل النزاع الذي يحيطها»، الوضع المذهبي في البلاد من خلال ما يراه من تداخل بين المشكلة المذهبية في البحرين والعوامل الإقليمية والخارجية، حيث تصبح البحرين مسرحاً تنعكس عليه كل النزاعات في تلويناتها السياسية والطائفية والعرقية في دول الجوار، وخصوصاً أن التركيبة السكانية تضم خليطاً ممثلاً لكل المحيط السكاني، ويتوقف خصوصاً عند تأثيرات إيران بثورتها الخمينية، والسعودية بمدّها السلفي الوهّابي، والعراق بحروبه الطائفية، بل والهند وباكستان أيضاً، وكلها بلاد ممثّلة في التركيبة السكانية البحرينية.

وينطلق الباحث الباكستاني سيد نديم الكاظمي من فكرة مفادها أن باكستان تعاني أزمة الانتقال من مشروع القومية الإسلامية الشاملة الذي وضعه ورعاه الآباء المؤسسون، وجلّهم شيعة، إلى مشروع دولة سنّية على الطراز الوهابي قادها إليه الجنرالات، بدءاً من ضياء الحق في انقلاب 1977. الكاظمي يرى أن باكستان أسّسها زعماء شيعة رغم أغلبيتها السنّية الساحقة. فمحمد علي جناح إسماعيلي المولد واثني عشري العقيدة، وأول جنرال حاكم كان شيعياً، وأول ثلاثة رؤساء كانوا شيعة كما رئيسان للوزراء. حتى بي نظير بوتو يراها شيعية، رغم إعلانها التسنّن. ويحمّل الكاتب هذا التحوّل مسئولية تفجّر الصراع المذهبي الذي كانت فيه باكستان مسرحاً لصراع أوسع قطباه إيران الفارسية الشيعية والسعودية العربية السنّية.

انه كتاب مفيد لقارئ يتطلع لفهم أعمق لمشاكل المجتمع العربي الغارق حتى أخمص قدميه في أتون مد مقيت من التعصب والكراهية ولّدتها سنوات طويلة من القمع وهيمنة الدولة التسلطية بكل سلبياتها الضارة، بدءاً من التخلف الفكري وليس انتهاءً بغياب التنمية الحقيقية والعجز عن بناء دول يكون للشعوب فيها حق التمثيل في صناعة القرار. قرارات سيادية. صراع يكاد يكون أزلياً بين بحيرة من الدماء والتخبط السياسي، تترنح بفعل الأزمات الداخلية، وأزمات يولد بعضها أزمات.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/761033.html