صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3867 | الإثنين 08 أبريل 2013م الموافق 15 ربيع الاول 1445هـ

«هجرة البحرينيين»... هل نشهد الموجة الرابعة؟

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

لم يكن مفاجئاً لي أن أستمع لسيدة ستينية قضت سنوات طويلة من عمرها في مركز حكومي مرموق تتحدث بمرارة على حال البلاد وصعوبة تصور مستقبل مشرق لأبنائها مليء بالفرص والوعود. قالت وحديثها ينساب واهناً ومشبعاً بالأسى: «نصحت ابنتي بضرورة البقاء في كندا حيث تدرس وتقيم. لا يبدو أن هناك ما يدعو إلى التفاؤل في بلدٍ تمزّقه الكراهية، وتعبث به أحقاد السياسة والدين. لقد تغيّرت البلاد كثيراً، لم نعد نعرفها، لم تعد كما كانت، وما أراه على المدى المنظور مفزع».

لم أكن مستغرباً من هذه النغمة الشجية في حديث هذه السيدة الوقور التي تنحدّر من عائلة معروفة جداً بعلاقاتها التاريخية بالوسط الرسمي، وبسجلها الوطني الحافل، وبـ «علمانيتها» – حتى نبعد عنها شبهة الطائفية... كما ارجوا – لكن الخيال سرح بي إلى البعيد، ورحت أتساءل: إذا كانت هذه قناعة جيل لم يبق من حياته أكثر مما مر منها؛ فكيف هي قناعة الجيل الجديد؟ وإذا كانت هذه مشاعر أناس أصابوا نجاحاً مهنياً وقدّر لهم أن يتدرجوا في سلك الوظيفة وصولاً إلى أعلى المراتب بعيداً عن الإزعاج المذهبي؛ فكيف هو حال جيل صار يقاتل من أجل لقمة الخبز وشهادته الجامعية بين إبطيه؟

موضوع الهجرة البحرينية، موضوع حزين جداً، في هذه البقعة الصغيرة من الخليج ثمة قصص وحكايات تُروى عن قصص لبشر من لحم ودم، غادروا البلاد تحت جنح الظلام، في مراكب تنتظرهم في مرسى لمراكب السفن الخشبية في منطقة الجفير بانتظار لحظة الانطلاق في رحلة قد تطول كثيراً باتجاه البصرة أو القطيف أو بلاد إيران أو الهند. التاريخ الرسمي يصمت تماماً عن هذه المحن المروّعة، لكن الذاكرة الشفهية المروية على لسان كبار السن موّارة بتفاصيل صار من اللازم تدوين أحداثها المرة. نفوس أزهقت، وقرى بأكملها اندثرت، وأملاك صودرت من أصحابها، وعرائش (برستجات) أحرقت أمام أعين قاطنيها، إلى أن بات البقاء مستحيلاً، فإذا خسر الإنسان كل أملاكه فإن الحفاظ على النفس يصبح من أوجب الواجبات.

قبل أيام، شاهدت صوراً أرشيفيةً بالأبيض والأسود لمبانٍ طينيةٍ قديمةٍ في بعض القرى البحرينية عند أحد الأصدقاء، سألني الصديق مختبراً فطنتي: هل تلاحظ أن هذه المباني لا يوجد في جدرانها نوافذ خارجية؟ سألت عن السر، فقال: «لأنهم كانوا يخشون إغارات السلاّبة الذي كانوا لا يتورّعون عن ارتكاب أفظع الجرائم في حق المواطنين الآمنين»!

يختار الإنسان أن يغادر وطنه بعد أن يشعر أنه ليس بمقدوره مواجهة التحديات والظروف الصعبة؛ فعندما تكون البيئة الاجتماعية بيئةً طاردة، يعمد الناس إلى اختيار الهجرة طلباً للسلامة والنجاة، وفي الواقع فإن من أصعب الخيارات التي قد يصادفها الإنسان في حياته، هو قرار الرحيل الغامض، الرحيل الذي لا يعرف صاحبه كم سيستغرق من سنوات، وهل ستكون له نهاية.

مجتمع البحرين تاريخياً مجتمعٌ زراعي، لا يألف ثقافة الترحل، ثقافة الترحل يعرفها البدوي في الصحراء، أما الفلاح فهو ملتصقٌ بالأرض ومرتبطٌ بها ارتباطاً عضوياً عميقاً. الأرض جزءٌ منه، وجزءٌ من هويته، وإذا ما فقد أرضه فقد بذلك كل معنى لعزه وكرامته ووجوده.

الهجرة قد تكون بسبب ظروف داخلية ضاغطة أو بسبب إغراء خارجي يحمل وعداً بحياة أفضل، والمدوّنات التاريخية المتاحة عن تاريخ البحرين الاجتماعي لا تتحدّث عن النوع الثاني، فالبحرين كانت على الدوام زاخرة بالخيرات والثروات، في قعر البحر وباطن الأرض وسطحها، لكن التاريخ يفرد مساحةً واسعةً من صفحاته لهجرة بحرينية قسرية تكون في الغالب ذات منشأ داخلي ضاغط، يجبر السكان على المغادرة والرحيل طلباً للأمن الشخصي والبحث عن ظروف أفضل للحياة.

أخشى أننا اليوم نعيش في البحرين بوادر دالة على حدوث هجرة بحرينية تُعد – إن حدثت - الموجة الرابعة، فعندما نعلم أن هجرات جماعية واسعة حدثت من البحرين إلى الإحساء والقطيف (المنطقة الشرقية) وسواها من المهاجر عقب هجمات العمانيين في العام 1718 عندما حكم العمانيون بقيادة سلطان بن سيف كانت فيه الموجة الأولى.

وحدثت الموجة الثانية في الفترة الانتقالية لحكم البحرين في عام 1783 وما تلاها من سنوات قبل استقرار حكم العائلة الحاكمة، إذ شهدت البلاد أيضا نزوحاً بشرياً كبيراً.

وفي مطلع القرن العشرين في الفترة التي تمتد إلى الربع الأول منه أيضاً حدثت هجرة واسعة عرفتها البلاد وتوجد لدى غالبية الأسر البحرينية وثائق تدل على حراك بشري هائل حدث في هذه الفترة بالذات نتيجة للمظالم الاجتماعية التي حدثت، وهي ما يمكن عده الموجة الثالثة للهجرة البحرينية.

والذي لا نرجوه، هو أن تكون هذه السنوات، هي ما يمكن أن يشكّل نُذر موجةٍ رابعةٍ من الهجرة، والتي إن حدثت فإنها ستحمل في طياتها مفارقات سياسية واجتماعية فاقعة وساخرة في آن، ففي الوقت الذي يتم فيه استيراد بشر من الخارج لأسبابٍ معينة؛ يغادر فيه أبناء الوطن ديارهم إلى الخارج بحثاً عن الخبز والكرامة!

أعتقد أن هجرة البحرينيين اليوم هي هجرة عقول، ونزيف أدمغة في المقام الأول، وهي إلى ذلك، إن كان يهم المعنيين طبعاً، خسارة وطنية لا تُقدّر بثمن، فمن يهاجر اليوم، سوف لن يكون مغترباً صامتاً، بل سيكون سفيراً لقضية إنسانية في بلدٍ كان يعد بحق «درة الخليج» فأصبح اليوم دمعته.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/762767.html