صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3874 | الإثنين 15 أبريل 2013م الموافق 22 جمادى الأولى 1445هـ

الربيع العربي وسقوط أخطر نظريات الاستبداد

الكاتب: قاسم حسين - Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من يقرأ أحداث «الربيع العربي» في العمق، سيكتشف أنه أدى إلى سقوطٍ مدوٍّ لنظريتين قديمتين راسختين، إحداهما عربية عمرها 1400 عام، والأخرى يونانية عمرها 2500 عام.

النظرية الأقدم تتعلق بالاستبداد الشرقي، التي طرحها أرسطو، حيث يتمثل قمة الطغيان من وجهة نظره، في الطغيان الآسيوي، فتجد لدى الشعوب الشرقية - على خلاف الشعوب الأوروبية - «طبيعة العبيد»، وهي لهذا تتحمل حكم الطغاة والمستبدين من دون أن تجأر بشكوى أو تذمر.

النظرية فيها نزعةٌ عنصريةٌ واضحة، مع أنها صادرةٌ من عقل فيلسوف كبير. وكان المرء حين يقرأها في الأزمنة السابقة، يقف حائراً أمام هذا الطرح الغريب. فالبشر، من أية قارة كانوا، خُلقوا بنزعة فطرية نحو الحرية، وليس هناك من يُخلقون عبيداً. ومع ذلك كانت الأوضاع السياسية خلال القرون الماضية، تقدّم حججاً لأنصار هذه النظرية، التي ظلّت تُتَوَارث كمسلّماتٍ لدى المفكّرين، دون أن يجرؤ أحد على انتقادها.

الربيع العربي استطاع خلال عامين، إسقاط هذه النظرية العنصرية المعمرة في ضربةٍ واحدة. فهذه الشعوب التي تداعت إلى النزول في الميادين وملأت الساحات في عواصم الربيع العربي، أطاحت بهذه النظرية، وأثبتت أن أرضهم ليست عاقراً، وأن قارتهم لا تختلف عن القارتين الأوروبية والأميركية في استيلاد أزمنة الربيع.

النظرية الأخرى التي أسقطها الربيع العربي هي نظرية ولّدها الاستبداد الشرقي في عقر المنطقة العربية، والمفارقة أنها كانت تمثل قوى الردّة على الرسالة المحمدية، بعد انقضاء فترة الخلافة الراشدة. فعلى رأس العقد الخامس من الهجرة، حوّل الحكم الأموي الخلافة إلى ملكٍ عضوض، استبيحت فيه الدماء وانتهكت الأعراض، وضُربت الكعبة بالمنجنيق من أجل إخضاع أهل العاصمتين الاسلاميتين - مكة والمدنية - للحاكم المستبد. وشهد العالم الاسلامي حروباً داخلية وثورات استمرت توابعها لعدة قرون حتى دخل مرحلة الهمود.

هذا على مستوى الحرب والقتال، أما الحرب الأخطر فتوجّهت إلى السيطرة على العقول. فوظّفت الأمبراطورية الجديدة محدّثين ورواة تاريخ وشعراء من أجل إخضاع العامة والتمكين للحكم الفردي المتسلّط باسم الخلافة. في هذه الفترة، ومنذ منتصف القرن الهجري الأول، بدأت تنتشر الأفكار الجبرية التي تدعو إلى تسليم الأمر للخليفة، وأن الإنسان مجبَرٌ على أفعاله، ولا يحقّ لأحد محاسبته إلا خالقه يوم القيامة. وبدأت تُروّج أفكارٌ عن الخضوع للحاكم حتى لو ظلمك أو سلبك أو جلد ظهرك، فالله هو الذي سلّطه عليك، ومن تكون أنت حتى تعترض على إرادة الله؟

هذه الأفكار تختلف جذرياً عن الأفكار والمبادئ التي جاء بها نبي الأمة (ص)، من ردّ المنكر والجهر بكلمة الحق في وجه الظالم، وإنكار الباطل ولو بالقلب، و«الكل راعٍ ومسئول عن رعيته». كما أنها تصطدم مع الرسالة الكبرى التي أوردها القرآن الكريم، وإعلانه الدائم باستمرار حركة التغيير عبر التاريخ، حيث دأب على التذكير بقصص الأمم السابقة، وما قام به الأنبياء لنقل أقوامهم إلى مراحل حضارية أعلى، والخلاص والتحرّر من استعباد البشر.

هذه النظرية التي سادت أربعة عشر قرناً، منذ انطواء عهد الخلفاء الراشدين، سقطت هي الأخرى تحت سنابك الربيع العربي الكبير.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/764658.html