صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3902 | الإثنين 13 مايو 2013م الموافق 09 ربيع الاول 1445هـ

مؤتمر الزهراء الدولي... استعادة للدور الإصلاحي للنجف

الكاتب: وسام السبع - wesam.alsebea@alwasatnews.com

للعام الثاني على التوالي يتاح لوفد علمي مكوّن من 150 باحثاً وأكاديمياً ورجل دين تمثل ما يزيد على ثلاثين دولة عربية وإسلامية وأجنبية، المشاركة في مؤتمر الهدف الأكبر منه امتصاص الاحتقان المذهبي الذي تعيشه المنطقة العربية والإسلامية، وتعزيز رسالة السلام والمحبة بين الشعوب والأديان والمذاهب الاسلامية.

وقد كان لي شرف المشاركة في هذا المؤتمر العلمي الدولي الثاني الذي جاء تحت شعار «السيدة فاطمة الزهراء عنوان الوحدة الاسلامية»، والذي أقيم في قاعة جامعة الكوفة في الفترة من 1 لغاية 3 مايو/ أيار الجاري، برعاية السيد مقتدى الصدر (40 عاماً)، واختيار مدينة النجف الأشرف مكاناً لانعقاد هذا المؤتمر له مغزى عميق الدلالة، فالنجف مدينة تحظى بمكانة عظيمة في نفوس المسلمين جميعاً، وقد شكّل المؤتمر فرصةً مواتيةً لإيصال صوت المرجعية الدينية في النجف الأشرف ومعرفة رؤيتها للتعايش والانفتاح على المذاهب والأديان. وهذا الموضوع تحديداً كان صلب ما تكلم عنه وفيه الأمين العام للعتبة العلوية الشيخ ضياء زين الدين في يوم استقبال الوفد في دار الضيافة بالقرب من الروضة الحيدرية، داعياً المؤتمرين لنشر هذه الرسالة لمجتمعاتهم في الشرق والغرب.

أهمية هذا الملتقى العلمي تبرز من نواحٍ ثلاث: استعادة الدور الريادي للنجف الأشرف في الاصلاح الديني والاجتماعي، والثاني تعزيز ثقافة العيش المشترك المبني على استيعاب التراث الإسلامي والإنساني، واحترامه والبحث عن المشتركات في سبيل الارتقاء بواقع المجتمعات العربية والإسلامية، وأخيراً مواجهة الدعوات التكفيرية التي تمزّق المجتمعات الإسلامية ببضاعتها الرديئة، وفكرها المتخلف، وعقيدتها الفاسدة.

أن يجتمع المسيحي مع الدرزي، والسني مع الشيعي، الإعلامي مع رجل الدين، والأكاديمي المنخرط في أعباء التدريس الجامعي في الغرب مع المحلل السياسي في الشرق، والعربي مع الكردي، أن يجتمع كل هؤلاء بمشاربهم الفرعية الأخرى، على مائدة فاطمة الزهراء في مدينة تحظى بمكانة قدسية لدى عامة المسلمين، فهي مدينة رابع الخلفاء عند المسلمين السنة، ووصي الرسول (ص) والإمام الأول عند المسلمين الشيعة؛ فهذا يعني أن بوادر خير قد آذنت بالانبلاج في زمن الفتنة وعتمتها.

إن هذه التظاهرة الفكرية التي أوجدها الحرص المسئول لدى السيد مقتدى الصدر والقائمين على المؤتمر على لغة الحوار وضرورة الإصغاء للآخر، تؤسّس لأعراف إنسانية تعيد للمجتمعات الإسلامية توازنها المفقود وتماسكها المستلب على وقع لغة التفخيخ وفتاوى الكراهية التي تدفع فيها المجتمعات فاتورةً باهظةً من الدماء وانعدام الأمن.

ورغم أن موضوع المؤتمر يدخل ضمن مساحة الاشتغال الديني كما يوحي العنوان، إلا أن ما يرمي إليه الداعون أبعد من ذلك بكثير، فكأن الدعوة تضع الإصبع على الجرح حين تشير إلى أن جانباً من الأزمة المذهبية الذي تتغذى عليها أبواق الفتنة في الأمة، إنما تستمده من صحائف التاريخ ومادة الدين، وحين يتم الاتفاق على قراءة واستيعاب الماضي منزوعاً عنه تلك الشوائب التي علقت بالنصوص الدينية والتاريخية لغايات سياسية أو مذهبية، فإننا حينها سنكون قادرين على الوصول إلى قدرٍ معقولٍ من التوافق الديني الجامع في حاضرنا، اعتماداً على تراث نصي وتاريخي أبعد ما يكون عن التوظيف المذهبي المعبّأ بالكراهية والمشحون بالارتياب من الآخر.

ولعل هذا ما أشار إليه البيان الختامي الذي تضمّن 14 توصية أبرزها ضرورة «إعادة قراءة تراث فاطمة الزهراء قراءة تساعد على بناء الأمة بناء توحيدياً»، و»التركيز على الدعوة للسلام والعدالة الاجتماعية والانسانية»، و»نبذ التطرف والخلافات والفرقة والدعوة إلى التسامح الديني وإشاعة روح المحبة والسلام بين الناس».

تذكرنا هذه البادرة الإصلاحية الطموحة بأول مبادرة سامية بالمنطقة للجم جماح الطائفية بادر لها الملك الإيراني نادر شاه (اغتيل 1747) وبين المبادرتين فاصل زمني يمتد مئتين وسبعين عاماً (1743- 2013). وكلا المبادرتين جاءتا في ظل تركة مذهبية ثقيلة.

لقد ورث نادر شاه تركة العداء السُّني الشِّيعي عقب المرحلة الصفوية (1501 - 1722)، رُوّج للعنف المذهبي بالتَّكفير مِن قِبل الدولة العثمانية، وبإعلان سبّ الخلفاء الرَّاشدين رسمياً مِن الصَّفوية، ذلك السَّب الذي بدأ لغرض سياسي في العهد الأموي ضد خليفة راشدي أيضاً، حتى أبطله عمر بن عبدالعزيز (ت 101هـ)، وبعد حين تبناه الصَّفويون للغرض نفسه، ليزيله نادر شاه.

توصل نادر شاه إلى فكرة عقد مؤتمر بين المذاهب وبالتفاهم مع العثمانيين، بعد أن زار النَّجف في 1740 وأمر بكسوة القبة العلوية ذهباً، وكانت المعضلة التي يواجهها، ويندفع العوام إليها بسهولة، هي السبّ مِن جانب التركة الصَّفوية، والتَّكفير بطلب مِن السَّلاطين العثمانيين لمواجهة الإيرانيين، حتى إنه شاع بين العراقيين: «بين العجم والرُّوم بلوة ابتلينا»! فالعراق الذي كان ساحةً للمتحاربين من الممكن أن يصبح ساحةً للمتحاورين أيضاً، وبالتحديد من النجف الأشرف.

بعدها ذهب الطَّرفان بمعية نادر شاه للصَّلاة بالكوفة، وفضّل الشَّاه أن تذكر في الخطبة فضائل الرَّاشدين والحسن والحسين، والدُّعاء للسلطان العثماني قبله، وصلّى النَّاس بين مرسل اليدين، حسب هيئة الصَّلاة لدى الجعفرية وضامهما حسب الحنفية والشَّافعية، وكان عدد المصلين نحو خمسة آلاف مصلٍّ.

تأتي المبادرة الجريئة والطموحة للسيد مقتدى الصدر، نجل رجل الدين الأبرز السيد محمد صادق الصدر (اغتيل 1999) وسليل الأسرة العلمية المعروفة، والمتزوج من إحدى بنات السيد محمد باقر الصدر (أعدم 1980)، في محاولةٍ منه لامتصاص حالة الاحتقان الطائفي الصعب، ساعياً إلى إيجاد فهم مشترك بين الأديان والمذاهب، ضمن مرحلة متقدمة من مشروعه السياسي، الذي ابتدأه بوقف التناحر والاقتتال المذهبي وحقن دماء العراقيين ونجح في ذلك نجاحاً مبهراً.

وإذا كان هناك من كلمة شكرٍ تُوجّه إلى القائمين على المؤتمر وعلى رأسهم السيد مقتدى الصدر رئيس وراعي المؤتمر الحريص على وحدة المجتمعات الاسلامية، فإن من الوفاء أن نذكر الدور البارز إلى محمد سعيد الطريحي مستشار العتبة العلوية المقدسة ورئيس أكاديمية الكوفة في هولندا، الدينامو المحرك لهذا الحدث المهم، فقد ساهم بعلاقاته الواسعة بتطعيم هذا التظاهرة العلمية الجميلة بالوجوه التي تمثل تنوع وغنى المجتمعات العربية والاسلامية.

كما كان لعميد كلية الفقه ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر علي كاظم سميسم دور ملحوظ، إذ أشرف بنفسه على متابعة تفاصيل البرنامج اليومي المزدحم طيلة عشرة أيام سبقت وواكبت وتلت فعاليات المؤتمر.

شكراً للعراق وأدام الله لغة الحوار.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/772199.html