صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3941 | الجمعة 21 يونيو 2013م الموافق 07 محرم 1446هـ

مثلث برمودا الاجتماعي

الكاتب: منصور القطري - comments@alwasatnews.com

جاء عن معمر بن خلاد أن الإمام علياً (ع) اشترى داراً وأمر مولى له أن يتحوّل إليها قائلاً له: إن منزلك ضيق. فقال المولى: قد أحدث هذه الدار أبي! بمعنى أنه لا يرغب في التغيير. فعلّق الإمام من باب المطايبة والتوجيه قائلاً: إن كان أبوك أحمق فلا ينبغي أن تكون مثله!

عادةً ما تستقبل الشخصيات المتجدّدة يومها بمشاهد غير مألوفة وغير مكررة وتعطي نفسها حق التأمل في هذا الكون الفسيح بعيون سياحية ثقافية، حيث ترى ذاتها في جمال التغيير البديع ورؤية كل ما يسر ويبهج.

أما الشخصيات المتخشبة المنغلقة فهي تبالغ في التحفّظ على الثابت والتمسك بالنمطية ضمن ضوابط دائرة المجتمعات المحافظة المتوجسة من كل جديد.

ومن سمات التجديد أنه لا يحدث من المجتمع بالكلية؛ بل يبادر به أفراد يخرجون منه وعليه، مع أن المجتمع لا يؤهلهم للخروج؛ بل إن المجتمع غالباً ما يعلن معارضته لهم؛ وتبرر ذلك العقلية المحافظة بذريعة ثقافة «سد الذرائع». إنها الثقافة المتيبسة الرافضة للتغير، تلك الثقافة التي أصابت حركة تطور المجتمع بالشلل حتى أن ابن حزم فنّدها ذات مرة بقوله: «لو أن سدّ الذرائع صحيح لوجب قطع ذكور الرجال منعاً للزنا»! هنا يكون الخروج على نمطية الحياة الجامد ليس سوى وعي مشاغب طامح لما هو أبعد وأرقى.

الشخصيات المتشبثة بالسكون لديها رغبة جامحة في تكرار الأفعال ذاتها كل يوم (عمل+ سوبر ماركت+ منزل) فتدخل مثلث برمودا الاجتماعي وكأنها ترغب بقوةٍ في تسجيل أسمائها في موسوعة «جينس» لارتكاب السذاجة والرتابة والملل، رغم أن المسوحات الحديثة بينت أن الرتابة في بيئة العمل والحياة لها نتائج سلبية عديدة على الأفراد، منها التبلد الذهني والعزلة الاجتماعية والاكتئاب والنقص الضار في الإبداع.

وللتدليل على خطورة الرتابة على منظمات العمل ومستويات أدائها، فإننا نسوق مثلاً بما واجهته شركة كوداك عندما لم تنتقل إلى العالم الرقمي بالسرعة الكافية، ولم تتحرك في الوقت المناسب (قبل عقد من الزمن). فقد ذكرت خبيرة الإدارة John Kotter على الموقع الالكتروني Forbes أن سبب إفلاس شركة «كوداك» هو النمطية وعدم المواكبة والتجدد، ففشلت الشركة في المواكبة والتغيير قبل بزوغ فجر الثورة الرقمية؛ في الوقت الذي بدأت منافستها شركة fuji بتسخير التكنولوجيا الرقمية في أعمال الأفلام الفتوغرافية. من جانب آخر قرّرت إحدى الشركات كسر روتين العمل والخروج من الرتابة في عمل الشركات فقامت بتخصيص يوم لجميع الموظفين لا يعملون فيه شيئاً سوى الإدلاء بآرائهم لتحسين التخطيط والعمليات بمجملها. وقد تجلت الانعكاسات الإيجابية لهذا الأسلوب في رفع الإنتاجية وتحسين خدمات العملاء بصورةٍ كبيرة، وسمح ذلك اليوم للموظفين بالتخطيط لكيفية استثمار أيام عملهم التالية للحفاظ على مسيرة العمل.

أما على مستوى طريقة التفكير، فقد سمع أغلبنا هذه العبارة: التفكير خارج الصندوق thinking out of the box)) والتي تشير إلى الافتراض المتضمن نمط التفكير التقليدي المتكرر، وفي الوقت نفسه يتضمن الدعوة إلى التفكير الإبداعي والبحث عن الحلول والحياة المتجددة.

وفي محاولة متميزة تزعمت شركة (Apple) المشهورة حملة تسويقية لمنتجاتها تحت عبارة تحريضية: فكّر بشكل مختلف (Think Different) حيث امتدت الحملة بين عامي 1997 و2002. واللافت في هذه الحملة هو مرافقة ذلك الفيلم المعنون باسم «المجانين» المتضمن شخصيات لها شأنها الإنساني، والتي حظيت بشهرة عالمية أمثال محرر الهند غاندي والمناضل مارتن لوثر كينج والفنان التشكيلي بابلو بيكاسو والعالم ألبرت اينشتاين. تلك الحملة استطاعت إقناع الناس بأهمية اقتناء منتج الشركة لمواكبة العصر. وفي الوقت نفسه تضمنت دلالة رمزية على أن التفكير بشكل مختلف يعني أن تجعل للمستك بصمةً على مسيرة الفعل الحضاري.

عندما يقرّر الإنسان أن يكرّر ذاته مثل ثور الساقية ويدور حول الرحى وهو مصمد العينين، فإنه يحرم نفسه من رؤية النور. يقول ايريك آيدل: «انظر دائماً إلى الجانب المشرق من الحياة»، وهذا حديث يعود بنا إلى نظرية النصف الممتلئ والنصف الفارغ من الكوب. فهناك زوايا مضيئة في الإناء البلوري، وكذلك فإن الحياة مزدحمةٌ بأسباب التجدّد والحيوية، شرط أن نخرج من عالم الروتين وسطوته العاتية. وجميع الحضارات وعلى رأسهم حضارتنا الإسلامية الشامخة تحث على التجديد، وفي ذلك ورد القول المأثور: «من تشابه يوماه فهو مغبون». كما أكد العديد من المفكرين والفلاسفة على أن التغيير هو شيء جيد في حد ذاته، فكتب فولتير: «إن لم نجد شيئاً ممتعاً قد نجد على الأقل شيئاً جديداً». واحتج الإمام الشافعي على السكونية الجامدة التي تورث العفن قائلاً:

إني رأيت سكونَ الماءِ يُفسده

إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ

والشمس لولا فراق الأفقِ ما سطعت

والسهم لولا فراق القوسِ لم يصبِ

وقال واشنطن ارفنج بطريقة شبه ساخرة: هناك راحة مؤكدة في التغيير حتى - وإن كان من السيء إلى الأسوأ - فيشعر المرء بالراحة بلا شك حينما ينتقل من مكان إلى آخر جديد.

المثلث الاجتماعي (عمل+ سوبر ماركت+ منزل) عنوان نشتق منه الدلالة الرمزية لمثلث برمودا، ذلك المثلث الوهمي الذي يقع في المحيط الأطلسي في جزيرة برمودا وتبلغ مساحته 770 ألف متر مربع، حيث نسجت حوله كثير من الخيالات والمبالغات. نعم، لقد وقعت في هذا المثلث الجغرافي بالفعل حوادث محدودة روّج لها بعض الكتاب أمثال تشارلز لبيرلتز صاحب أول كتابين عن هذا المثلث «بدون أثر» و»مثلث برمودا»، ومن ترويج هؤلاء وغيرهم اكتسب هذا المثلث أهميته وشهرته.

الهروب من مثلث برمودا الاجتماعي يقتضي البحث عن نمط الحياة المتجدّد الحافل بالمتعة والتغيير والإثارة، فحين تتسرّب الرتابة والسكونية إلى حياتنا تصبح عبئاً ثقيلاً علينا وعلى الآخرين من حولنا. وعندما نعمل على تحقيق تجديد في أسلوب حياتنا وأهدافنا، فإننا نحقّق النصر ونهزم العقبات، وبهذا نرفض مجاراة الواقع الهامشي، فنعلن على الملأ وبكل فخر إننا لا نعبأ إلى تصفيق الضعفاء.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/786966.html