صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3941 | الجمعة 21 يونيو 2013م الموافق 16 محرم 1446هـ

مستقبل العمل السلمي عند الخيارات السياسية

الكاتب: محمد عبدالله محمد - Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

أجرَت الولايات المتحدة الأميركية الخميس الماضي محادثات في الدوحة مع ممثلين عن حركة طالبان – أفغانستان. ورغم أن الطرفين يخوضان حرب قتال مُستعِرَة منذ العام 2001 عندما غَزَت الولايات المتحدة الأميركية أفغانستان، إلاَّ أنهما جَلَسَا على طاولة واحدة الآن، مع تأكيد المتحدث باسم الحركة محمد نعيم من الدوحة بأنه «لا يوجد تعريف واضح للإرهاب» بينهما.

في يوم الثلاثاء الماضي «وقَّعت حكومة مالي اتفاقاً مع الانفصاليين الطوارق الذين يحتلون مدينة كيدال في أقصى شمالي البلاد، حيث نصّ الاتفاق على الوقف الفوري لإطلاق النار، وتشكيل لجنة تضم أربعة أعضاء من المتمردين ومثلهم من قوات الأمن المالية، وستة آخرين من الأطراف الدولية المتورطة لحل الصراع في مالي» ضمن بارقة أمل لمنح الطوارق حكماً ذاتياً أوسع في شمال مالي.

أوائل الشهر الجاري أفرج الجيش النيجيري عن ثمانٍ وخمسين من المعتقلين الإسلاميين لديه، للبدء في عملية سلام مع جماعة بوكو حرام، وسلمهم لذويهم، حيث أعلن الرئيس النيجيري جودلاك جوناثان أنه «يريد التوصل إلى حل سلمي» مع مقاتلي الحركة، وذلك لإنهاء أعنف صراع طائفي تمر به نيجيريا، ويُهدد وحدتها الوطنية، ونسيجها الاجتماعي (مسلمين/ مسيحيين).

في الثامن من مايو/أيار الماضي، بدأ ألفا مقاتل كردي الانسحاب التدريجي من تركيا باتجاه شمال العراق، بعد توقيع حزب العمال الكردستاني (الذي يسعى لإقامة حكم ذاتي في جنوب شرق تركيا ويطالب بمنح الأكراد حقوقاً أكثر) عبر زعيمه المسجون في جزيرة مرمرة عبد الله أوجلان اتفاق سلام تاريخي مع أنقرة، مُنهِياً بذلك صراعاً دموياً أودى بحياة أربعين ألف قتيل منذ العام 1984.

في شهر مايو الماضي أيضاً، وقعت بورما اتفاق سلام مع متمردي أقلية الكاشين (أكثريتهم من المسيحيين) يهدف إلى إنهاء «آخر أكبر الحروب الأهلية» في شمال بورما. حيث تضمن الاتفاق سبع نقاط بينها وقف القتال ومنح أقلية الكاشين المزيد من الحقوق السياسية والحكم الذاتي، والنص على عودة النازحين البالغ عددهم مئة ألف، والذين غادروا ديارهم بسبب القتال الشرس.

في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بدأت كولومبيا محادثات سلام في النرويج مع حركة فارك اليسارية، بعد خمسين عاماً من الصراع، الذي أدى إلى مقتل 600 ألف شخص وتهجير ثلاثة ملايين آخرين كأطول صراع مسلح تشهده أميركا اللاتينية. كما أعلنت كولومبيا أنها ستحاور كذلك جيش التحرير الوطني المعروف باسم «إلن» ثاني أكبر حركات التمرد في كولومبيا لعقد اتفاق مماثل معه.

طبعاً، القائمة ستطول في تسمية الحركات المسلحة (المنتمية إلى عرقيات وطوائف) التي وقعت اتفاقات سلام مع حكومات كانت تناهضها. الجيش الجمهوري الأيرلندي. جيش تحرير السودان. عصائب أهل الحق في العراق. حركة الشباب المجاهدين الصومالية – تنظيم شيخ شريف شيخ أحمد. الجبهة الوطنية لتحرير أوجادين في إثيوبيا. الجماعات المتمردة في دارفور، بل وحتى نمور التاميل – إيلام في سريلانكا إذا ما أخذنا اتفاق العام 2002 كمعيار سياسي قبل انهياره.

هذا الاستعراض، أردُّه إلى عنوان هذا المُعنوَن وهو الحديث عن: مستقبل العمل السلمي في الخيارات السياسية. وهنا يُثار سؤال مركزي: هل العمل السلمي قادرٌ على تحقيق مطالب الحركات السياسية، أم أنه أصبح نموذجاً يعيش موتاً سريرياً، فلا يستطيع أن ينطق أو يتمنطق أو يزعق حتى، وبالتالي، تصبح النماذج المتشددة، هي الأمضى وأكثر قدرة على تحقيق الأهداف؟

الحقيقة، أنه ومن خلال قراءة تجارب تلك الحركات المسلحة، والعنف الدموي الذي خاضته في بلدانها، أظهرت لنا أن القضية جدُّ مُركَّبة، وتحتاج إلى مزيد من التفكيك. زاويتها الأساسية، هي أنه وكلما ضاقت السياسة بأهلها، وانحسرت مراوح التهوية لتبريد أو إطفاء لهيبها، انفجرت جوانبها، إلى الحد الذي يكون فيه العلاج أصعب، والكلفة أكبر بكثير.

ضِيق صدر الأنظمة تجاه الإصلاح يُفضي عادةً إلى تقوية الراديكالية وأنصارها، فيدخل البلد في أتون صراعٍ لا ينتهي، قد يصل إلى نصف قرن (كما هو الحال في كولومبيا) ثم يرجع الطرفان إلى مربع المفاوضات، بعد أن قُتِل مئات الآلاف من البشر، وهُجرِّ الملايين، في حين، أنهما كانا قادرين على الجلوس معاً للتفاوض حول ما يختلفون عليه. هذه هي المأساة التي تصيب الدول في مقتل.

القضية الأكثر خطورة، حين تَتَنَمذَج تلك الصراعات، فتُحفز الجماعات بعضها على العنف، كلما كَسَبَت الأولى جولة بقوة السلاح والاغتيالات والمدافع والسيطرة على الأرض، كانت الثانية قد خَسَرتها بالعمل السياسي السلمي والمحادثات الثنائية. لذا، فكلما أفضى العنف إلى عملية سلامٍ تحصل تلك الجماعات من خلاله على حقوقها، كَسَبَ هذا المشروع العنفي نقاطاً، بالتزامن مع تراجع المشروع السلمي.

والحقيقة، أنه وقبل التفكير في كيفية الدخول في معركة كسر العظم مع هكذا مشاريع، يجب النظر إلى إرهاصاتها الأولى، والأهم، الاعتناء بمن لا يزالون يُؤمنون بالخيارات السلمية، كونهم الشريك الأكثر قدرة على استيعاب المشروع الوطني، والقادر على استطعام مفهوم الشراكة.

لنا أن نتخيَّل، لو أن تجارب حركة طالبان والطوارق وبوكو حرام والأكراد والكاشين والفارك وبقية التجارب العنفية، كانت قد سوَّت (هي ومعها الأنظمة المتهارشة معها) خلافاتها السياسية بتجارب سلمية، فماذا سيكون شكل الأوضاع السياسية في بلدانها وجوارها؟ بالتأكيد ستكون دفعة قوية للعمل السلمي في العالم، وتشجيعاً لآخرين (جماعات وأنظمة) لازالوا يمخرون في القتال.

إن الإيمان بعقيدة العنف النظامي والحركي، يُحوِّل السياسة، من سياسة توافقية، يُتسالَم على مبادئها، إلى سياسة مأزومة، تعيش على الصراعات، فيتدمر الاقتصاد، ويتشظى المجتمع، وتتأخر الدولة، دون أي زيادة عما كان عليه الحال، لو أن الظروف عُولِجَت حين كانت الأوزان على الجادَّة.

المسئولية مشتركة. لا يُمكن أن يكون طرف أوحد هو المسئول عن أي صراع ما لم يكن هو بالأساس، قد حوَّل نفسه إلى خصم قابل للاشتباك.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/786971.html