صحيفة الوسط البحرينية

العدد : 3948 | الجمعة 28 يونيو 2013م الموافق 17 جمادى الأولى 1445هـ

الثقافة والمستقبل السياسي

الكاتب: عباس المغني - abbas.almughanni@alwasatnews.com

الثقافة هي بمثابة القالب الذي تتشكل فيه أفكار الإنسان، وتنتج برامج في عقله توجه سلوكه وتتحكم في تصرفاته.

مثال: الثقافة الخاطئة للجهاد، عندما تفتح عقل شخص من تنظيم القاعدة، ستجد فيه أفكاراً مثل «الكافر يقتل» أو «الكافر مباح دمه وعرضه وماله»، وهو ما يعني أن الثقافة الخاطئة للجهاد شكلت الأفكار في قالب لقتل كل من يعتقد أنه كافر، وهذه الثقافة تنتج برامج في عقل هذا الإنسان، توجّه سلوكه نحو القتل والتفجير والتفخيخ، وحصد أرواح آلاف البشر، ويعتقد أنه بهذا الفعل يتقرب إلى الله.

مثال آخر، ثقافة الشرف، شخص قتل أخته لأنها خرجت مع شاب تعرفت عليه. لو فتحت عقل هذا الشخص ستجد فيه أفكاراً مثل «غسل العار بالدم»، فثقافته شكّلت أفكاره في قالبٍ لقتل أية امرأة أو فتاة في أسرته يعتقد أنها خرجت مع شخص غريب، ونتجت برامج في عقله توجّه سلوكه نحو هذه الأفعال. بينما في الغرب ثقافتهم مختلفة كلياً، حيث يكون الأمر عادياً لدى الأخ إذا خرجت أخته مع صديقها (شخص غريب). فسلوك الإنسان هو نتاج ثقافة تتشكل فيها الأفكار في قوالب، وتنتج برامج عقلية موجهة للسلوك. ولهذا فالإنسان مسلوب الحرية خاضع لثقافته، وهو لا يعلم، يعتقد أنه حر في تصرفاته، ولكنه عكس ذلك. ولا يكون الإنسان حراً حتى يكسر برمجته الثقافية ويتمكن من إخضاعها للنقد.

والأوضاع السياسية في البلدان والسلوكيات وكيفية التعاطي معها، وما يحدث وما سيحدث هو نتاج ثقافة. وثقافتنا ثقافة عربية، تكوّنت في بيئة صحراوية، كان هم الإنسان فيها البقاء على قيد الحياة، فيقتل الإنسان الآخرين من أجل قطرة الماء، والسيطرة على المكان الذي تتوافر فيها المياه والمراعي. تجد مجموعة من الناس تغزو مجموعةً أخرى، وتقتل الرجال، وتسلب كل ما تمتلكه المجموعة الأخرى.

ثقافة تقوم على السيطرة على أكسير الحياة من مياه ومراعي (وهي تمثل الثروة في ذلك الزمان)، حتى لو أدى ذلك إلى موت الناس، فالمهم هو أن يبقى هو على قيد الحياة، حسب المثل: «أنا ومن بعدي الطوفان». وهذه الثقافة القديمة، تتجسد اليوم في عالمنا بشكل أكثر جنوناً، حيث تجد فئةً تريد السيطرة على الثروة، دون اكتراث بمصير باقي الناس.

في الماضي كان الإنسان يقتل ويسعى للسيطرة على أكسير الحياة من أجل البقاء، وذلك لقلة المياه والمراعي، ربما الإنسان في ذلك الزمان يجد مبرراً لنفسه لفعل ذلك لأنها بالنسبة إليه قصة حياة أو موت، أما اليوم فإن أكسير الحياة متوفر وثروات ضخمة بالملايين والمليارات من الدنانير، فما الداعي للسيطرة على الكل وحرمان الآخرين؟ وجزءٌ كبيرٌ من الجانب السياسي متعلق بالتوزيع العادل للثروة، وجذور الثقافة توجّه سلوك فئة للسيطرة على الثروة. فكيف يمكن الوصول إلى حلٍّ إذا وجد من تتحكم بسلوكه ثقافة السيطرة على الثروة؟

كما أن الثقافة العربية توجّه السلوك نحو الاصطفاف، حيث الفخر بالنسب والحسب والانتماء للعشيرة والقبيلة، وهو ما يجعل الإنسان يقف مع عشيرته حتى لو كانت على باطل، أن يقف بجانب أخيه حتى لو كان على باطل ضد مظلومين أبرياء. هذه إفرازات ثقافة الافتخار بالنسب والحسب التي تجعل سلوكنا متسقاً مع مقولة «شرار قومنا أفضل من خيار أقوام آخرين».

وهناك جانب آخر في هذه الثقافة، وهو رمزية الذئب، فئة كبيرة متأثرة بهذه الثقافة، إذا وصفته بأنه ذئب، وقالت له بالعامية «أنت ذيب»، تجده يشعر بشعور يصل إلى درجة النشوة، حيث يعتبر «ذيب» مدحاً وتبجيلاً وفخراً ما بعده فخر. والذئب مفترس، قاتل، دموي، وهذه صفات تخرجك من الإنسانية. وعندما تقول لشخص قام بضرب ضعيف، «أنت فاقد الإنسانية لضربك الآخرين»، يعتبر قولك إهانةً، لكن عندما تقول له «أنت ذيب»، يشعر بنشوة المدح والفخر وربما يزيد من ضربه للضعيف.

وجود مثل هذه القوالب في الثقافة كافية لأن تزعزع الاستقرار السياسي الداخلي، وخلق أطراف أو فئات في نزاع دائم، حتى وإن هدأت فترةً فإنها تعود من جديد، ما لم يتم كسر البرمجة الثقافية وإخضاعها للنقد.

المشكلة هي أن الثقافة سلبت حرية الأفراد، سواءً كانوا في حكومات أو في معارضات، وفاقد الحرية لا يمكن أن يعطي للآخرين حريتهم. ولهذا فإن المستقبل مظلم ما لم يتم كسر البرمجة الثقافية التي تختزل كل أفكار المجتمع ومنظومة القيم وشبكة العلاقات، وإعادة إنتاجها من جديد بما يقود سلوك الأفراد، سواءً في الحكومة أو المعارضة، نحو وطن مزدهر يجد الإنسان فيه إنسانيته وسعادته.


المصدر: صحيفة الوسط البحرينية

تم حفظ الصفحة من الرابط: http://alwasatnews.com/news/788694.html